قال أبو الغيط إن خطة السلام تدعو إلى مائة عام إضافية من الصراع

بالبيان الصادر عن وزراء الخارجية العرب بعد اجتماعهم في الجامعة العربية بالقاهرة، تعتقد القيادة الفلسطينية، وكذا الأمر الحكومة الأردنية أنها حققت نصرا سياسيا ودبلوماسيا بتفادي الانقسام العربي من "صفقة القرن"، والاستمرار في موقف عربي موحد علنيا، وتكرس ذات الأمر بعد اجتماع منظمة التعاون الإسلامي في مدينة جدة بالسعودية.

أعاد بيان الجامعة العربية من القاهرة إنتاج الرؤية العربية للسلام في وقت سادت مخاوف بخروج دول عن هذا الاجتماع، بعد تسريبات أميركية عن تأييد زعماء عرب لـ "صفقة القرن".

رغم حضور الإمارات والبحرين وسلطنة عُمان لاحتفالية إطلاق خطة السلام الأميركية أو ما يُسمى "صفقة القرن"، ورغم صدور بيانات ترحيب عربية بالخطة والجهود الأمريكية؛ إلا أن قمة وزراء الخارجية العرب جاءت مُغايرة وأكدت رفضها للصفقة، وعدم التعاطي معها، أو التعاون مع الإدارة الأميركية لتنفيذها.

بيان الاجتماع كان واضحا بالتأكيد على مركزية القضية الفلسطينية للأمة العربية، وعلى الهوية العربية للقدس الشرقية، وعلى حق دولة فلسطين بالسيادة على كافة أراضيها المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية، ومجالها الجوي والبحري، ومواردها الطبيعية، وحدودها مع دول الجوار.

تمَسّكُ العرب بالثوابت، وتحذيرهم لإسرائيل من لجوئها للقوة لتنفيذ بنود الصفقة، لا يمكن فهمه وتفسيره مع التماهي المستمر مع السياسيات الأميركية، والاندفاع المُلاحظ للتطبيع مع إسرائيل خلال ورشة البحرين الاقتصادية التي وصفت بأنها توطئة لـ"صفقة القرن"؛ ولهذا فإن الأخطر ليس ما تراه أو تسمعه من الحكومات العربية؛ بل بالصفقات التي قد تجري من تحت الطاولة ويُفاجئ بها المواطن العربي.

إدارتا ترامب ونتانياهو تدفعان الأردن ليلعب دور الشرطي في الدولة الفلسطينية المزعومة

فمن بين الأسئلة التي تثير القلق مثلا، هل يمكن للإمارات والبحرين أن تحضرا إطلاق الخطة الأميركية بحضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو دون إخطار السعودية أو أضعف الإيمان استئذانها.

وكيف يمكن تفسير اجتماع رئيس مجلس السيادي السوداني الانتقالي الفريق عبد الفتاح البرهان مع نتانياهو بعد أيام من اجتماع وزراء الخارجية العرب ولاءاتهم المتعددة، إلا في سياق أن اللجوء للبوابة الإسرائيلية إجباري لفتح الأبواب الموصدة إلى أميركا؟

بيان الجامعة العربية لا يمكن التقليل من أهميته في وقت الاندفاع العربي نحو التطبيع مع إسرائيل؛ لكن لا أوافق وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي على قوله "حصلت من الجامعة العربية على دعم لمواجهة خطة السلام"، فالكلام وبيانات التنديد لن توقف السياسات الإسرائيلية، ولن تمنع الضرر الواقع على الشعب الفلسطيني.

"صفقة القرن" لن تجلب السلام إلى الشرق الأوسط، ولن تُنهي الصراع العربي الإسرائيلي، هذا الموقف ليس ما قوله الشارع العربي للتعبير عن غضبهم، وإنما تتعالى الأصوات الرافضة لها دوليا، وحتى في إسرائيل نفسها، يرى 61 بالمئة أن خطة السلام الأميركية التي أعلن عنها ترامب لن تحقق السلام وفق استطلاع للرأي أجراه معهد "كنتار" ونشرت نتائجه قناة "كان" العبرية.

يوسي بيلين نائب وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق اعتبر أن صفقة القرن مصيرها الفشل رغم وعود ترامب أن خطته ستؤدي لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

بيلين في مقال نشره بصحيفة "إسرائيل اليوم" قال "إن خطة ترامب ليست لإبرام سلام فلسطيني إسرائيلي، وليست الفرصة الأخيرة للتسوية بين الشعبين، فضم أجزاء من الضفة الغربية دون توافق مع الفلسطينيين انتهاك فاضح للاتفاق المرحلي بين الجانبين عام 1995، وللقانون الدولي".

القراءة المُتمعنة لتفاصيل خطة السلام الأميركية تقود إلى قناعة مفادها أن "صفقة القرن" تهتم فقط بأمن إسرائيل، وبالتطبيع الاقتصادي الإقليمي، وبإنكار ثابت لقضية اللاجئين وحق العودة، وتجاهل لأي سيادة فلسطينية على القدس، أو أي دور أردني لرعاية المقدسات فيها.

في الخطة التي حملت عنوان "من السلام إلى الازدهار" تُريد إدارتا ترامب ونتانياهو دفع الأردن ليلعب دور الشرطي في الدولة الفلسطينية المزعومة المُسند له حراسة أمن إسرائيل، وفي التفاصيل الكثيرة يجري الحديث بشكل مُمل ومكرر عن التعاون لمكافحة الإرهاب والتطرف.

وعودٌ بالرفاه الاقتصادي للفلسطينيين، وبفرص اقتصادية إيجابية للأردن تسردها الوثيقة الأميركية، بدءا من بناء طرق تمتد للمعابر الحدودية، إلى إنشاء هيئة مُشتركة لتطوير الساحة في القدس، ومنطقة للتجارة الحرة بين فلسطين والأردن، واقتراح استخدام "دولة فلسطين" لميناء العقبة، وبناء نظام مواصلات بمساعدة عمّان يسمح بتدفق سهل للبضائع، إلى الإشارة لما يمكن أن يلعبه الأردن في تقديم المساعدات في بناء النظام القانوني، وتطوير القطاع الطبي والتعليمي والخدمات البلدية.

في كل ما قرأته من ترجمات لنصوص "صفقة القرن" لا يوجد ما يدل إلى إمكانية بناء دولة فلسطينية ذات سيادة، فهي منزوعة السلاح، ورجال الشرطة لحفظ النظام العام وحماية إسرائيل، ولا تملك ولاية على حدود أو مجال جوي أو بحري، وهي في أحسن الأحوال سترفع علما على "حكم ذاتي" هزيل.

أكثر من ذلك فإن الرؤية الأميركية تتلاعب بالحقائق وتقدم معلومات مخادعة عن أن الصراع العربي الإسرائيلي تسبب في مشكلة لاجئين فلسطينية يهودية على حد سواء، وأن اللاجئين الفلسطينيين عوملوا على مدار 70 عاما كبيادق على رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط، وقدمت لهم وعود فارغة، والأغرب أنها تضع قضيتهم بالتساوي في مواجهة قضية طرد اليهود من الأراضي العربية بعد فترة وجيزة من قيام دولة إسرائيل.

الأمر الواضح والراسخ أن الخطة تحسم دون أي مواربة بأنه لا يمكن عودة أو استيعاب أي لاجئ في إسرائيل، وأن الخيارات المتاحة استيعاب بعضهم في دولة فلسطين دون تداعيات أمنية على إسرائيل، أو اندماجهم في البلدان المضيفة، أو قبول إعادة توطين مالا يزيد عن 50 ألف في دول منظمة التعاون الإسلامي.

في نهاية المطاف فإن الخطة الأميركية كُتبت لجلب المنافع لإسرائيل، فهي ترحب بزيارة مليار ونص المليار مسلم لزيارة الأماكن المقدسة، وهذا منجم من الذهب للحكومة الإسرائيلية، هذا عدا عن تقديم الخطة كخارطة طريق لتحويل المنطقة لمركز إقليمي للتجارة على غرار سنغافورة، وإطلاق وعود بتشييد سكة حديد إقليمية تربط إسرائيل وفلسطين بمجلس التعاون الخليجي.

اللاجئون الفلسطينيون عوملوا كبيادق على رقعة الشطرنج وقُدمت لهم وعود فارغة

تعامل الرئيس ترامب مع القضية الفلسطينية باعتبارها صفقة ليس أكثر من ذلك، وتنبه لتفاصيل كثيرة متعلقة بالسياحة، والتجارة، وطرق النقل، ولكنه أغمض عينيه متعمدا عن معاناة الفلسطينيين لسبعين عاما، وتجاهل حقوقهم المشروعة تماما، ولم يعترف أبدا أن إسرائيل دولة محتلة، بل قدم لهم هدايا مجانية تُتيح لهم ضم المستوطنات وغور الأردن؛ رغم معرفته أنها تعارض كل قرارات الشرعية الدولية.

انتهى الترقب والانتظار لإعلان صفقة القرن، والآن الجميع ينتظر تداعياتها والإجراءات التي ستتبعها، نتانياهو يسابق الزمن لضم المستوطنات والغور لتكون ورقة اقتراع رابحة في صندوق الانتخابات الإسرائيلية، والرهانات على تغيير درامي قد تفرزه الانتخابات ليس أكثر من وهم، فالقوى السياسية الفاعلة في تل أبيب الآن تتنافس بينها على من يستطيع أن يتجاوز أكثر على حقوق الفلسطينيين، واليسار الإسرائيلي وأطروحاته المُعتدلة للسلام زمن ولّى.

أما السلطة الفلسطينية فتهدد بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل إن أقدمت على ضم أراضٍ من الضفة الغربية، غير أن كل التهديدات السابقة كانت "رصاص فشنك"، واستكمل التنسيق رغم استمرار الانتهاكات الإسرائيلية، والأردن يحاول حشد التأييد لمواقفه؛ لدرء المخاطر عن بلاده، في وقت يرتفع فيه صوت رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة محذرا "من حصار اقتصادي للأردن" ومنبها إلى أن كلفة موقفه الرافض لـ"صفقة القرن" غالية وعليه أن يكون جاهزا لدفع الثمن.

أُعلنت "صفق القرن" ولم يغضب الشارع العربي كثيرا، ولم تخرج المسيرات بالمدن العربية لتهز العروش كما كان متوقعا؛ ولهذا فإن التواطؤ الرسمي والصمت الشعبي أفضل جائزة للرئيس ترامب؛ ليُثبت صحة نظرته للعالم العربي المُتهاوي، ولنتانياهو أو من يخلفه للمضي في إجراءات أحادية لتنفيذ ما ورد في "صفقة القرن".

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.