532860 4

مشرق عباس/

ليس أكثر فداحة من أن يخوض العراقيون صراعا داخليا فيما بينهم بسبب الطبقة السياسية الحاكمة التي استثمرت في أزمة الاحتجاجات بديلا عن محاولة حلها.

ففي الأول من أكتوبر من العام الماضي، كان الشعب العراقي قد وصل إلى أقصى حالات الكرب واليأس من احتمالات التغيير الايجابي، ومن الانتخابات التي شابتها تهم التزوير والمقاطعة الشعبية عام 2018. وهذا ما أدى إلى تكريس ذلك اليأس مع قدوم مجموعات مسلحة لاختطاف القرارين السياسي والأمني من رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ووضع البلاد ومستقبلها في قلب صراع إيراني ـ أميركي لا ناقة للعراقيين فيه ولا جمل.

لهذا تحديدا كانت شعارات الجمهور الغاضب في ذلك اليوم حادة وشاملة وتتلخص بعبارة "إسقاط النظام".اعتبرت المجموعات السياسية والميليشياوية الحاكمة هذا الشعار مبررا لفتح النار على المتظاهرين والتورط في جرائم حرب بشعة ضد المدنيين العزل.

لكن هذا الشعار الكبير سرعان ما تراجع وسط وعي عميق لدى الشباب المتظاهرين وظهور دعوات ونداءات من المثقفين والناشطين البارزين بضرورة إيجاد خريطة طريق بديلة عن الثورة الشاملة، تتضمن استقالة الحكومة وتشكيل حكومة مستقلة تشرف على مرحلة انتقالية لا تتجاوز مدتها العام الواحد، يتم خلالها إقرار قانون انتخابات عادل، ومفوضية انتخابات نزيهة تحت إشراف دولي، وبمشاركة تيار يمثل المنتفضين والمقاطعين العراقيين.

الانقلاب الصدري، وهو انقلاب يربك الجميع حتى الصدريين أنفسهم

لم يتم التعاطي مع هذه الخريطة المقترحة بمسؤولية من قبل المجموعات المسيطرة على حكم العراق، وبدلا من ذلك تم إقرار قانون للانتخابات لا يرضي المتظاهرين بشكل كامل، قيل إنه قد فصّل على مقاس التيار الصدري الذي كان حتى ذلك الحين يتصرف كممثل للمتظاهرين في البرلمان، وتحت هذه الصفة مرر التيار نفسه قانون مفوضية الانتخابات الجديد الذي تشوبه نواقص وأسئلة عديدة ويخضع إلى نظام غير مفهوم في اختيار المفوضين.

ومع أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي قدم استقالته فعلا، مصدرا رسالة استقالته بآية قرآنية توحي أنه تنحى استجابة لدعوة المرجع الديني علي السيستاني، من دون الإشارة إلى مطالب المتظاهرين، فإنه ومن خلفه مجموعة القوى السياسية المرتبطة بإيران والتي تحمل اسم "تحالف البناء" كانوا يسعون إلى بقائه في منصبه لأطول مدة ممكنة، وقدموا أسماء بديلة غير مقبولة يدركون جيدا أنها سترفض من المتظاهرين لتمديد فترة بقاء عبد المهدي أملا بالتوصل إلى إنهاء التظاهرات بالقوة، وإعادة تكليفه برئاسة الحكومة.

وبشكل مفاجئ وغير مفهوم، وبالتزامن مع تصاعد الصراع الأميركي ـ الإيراني الذي وصل أعلى مستوياته بقتل زعيم فيلق القدس قاسم سليماني في بغداد، انتقل زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر إلى الضفة التي وقفت فيها الأحزاب السياسية والمليشيات المرتبطة بإيران، لإدانة التظاهرات وشيطنتها، والحديث عن أنها بلا أهداف ولا غايات، وأنها (أي التظاهرات) مدعومة من أميركا، ويجب تطهيرها من خلال مليشيات "القبعات الزرقاء!".

شكل موقف الصدر صدمة في العراق، لأنه في صميمه يسعى إلى نسف خريطة الطريق التي اقتنع بها المتظاهرون على مضض بضغوط مجموعات من المثقفين والناشطين وأصحاب الرأي، متنازلين عن مفهوم الثورة الذي صدّر سيناريو إسقاط النظام والدستور وبناء نظام جديد بقواعد مختلفة.

ما زال بالإمكان فرض الخيار الديمقراطي على الطبقة السياسية المليشياوية

والانقلاب الصدري، وهو انقلاب يربك الجميع حتى الصدريين أنفسهم، كان في صميمه يمثل إضعافا للأصوات الوسطية التي حاولت إيجاد حلول ممكنة التطبيق لمنع سيل الدم، لكنه في وجه آخر مثل استعدادا صارخا وغير مسؤول لوضع العراقيين أمام مواجهة شعبية كبرى وخطيرة، ليس على مستوى المدن الشيعية الثائرة فقط، بل أيضا على مستوى فتح الطريق وتعبيده بتعمد لدفع "المدن السنية" و"الإقليم الكردي" إلى خيار التقسيم تحت ضغط الفوضى الأمنية، والفشل السياسي، وعجز المنظومة المليشياوية الحاكمة عن إنتاج حلول تحفظ وحدة العراق واستقلاله عن النفوذ الخارجي.

إن القول بعجز التظاهرات عن إنتاج أهداف، يفتقر إلى أدنى شروط الموضوعية، فالتظاهرات ناهيك عن مساعيها إلى انتزاع الدولة من براثن المليشيات وإعادتها إلى الطريق الديمقراطي الذي انحرفت عنه عبر تكريس ما يمكن أن يطلق عليه "الشفاء الديمقراطي" الذي تمثله الانتخابات النزيهة العادلة، فإنها مثلت في جوهرها إحساسا جماعيا عفويا بالخطر الوجودي الذي يقاد العراق إليه على يد حكامه.

ربما سيلام بعد حين كل من آمن بهذا الشفاء الديمقراطي المفترض، وربما سيحكم التاريخ على من تبناه بأنه أسهم في عرقلة مد ثوري كاسح كان عليه أن يقلب تربة الأرض ويكافح عفونتها بأشعة الشمس العراقية الحارقة مهما كان ذلك مكلفا، لكن الواقع هو الواقع، وما زال بالإمكان فرض الخيار الديمقراطي على الطبقة السياسية المليشياوية المتسرطنة في قلب الدولة العراقية، لمنع أن يدفع العراقيون أثمانا جديدة لعجز هذه الطبقة وانتهازيتها.

اقرأ للكاتب أيضا: في خريف المليشيات العراقية!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
عن "الانقلاب" الصدري و"عجز" التظاهرات D09615D5-9EDD-4590-BCF0-C83BF06DEC8F.jpg AFP عن-الانقلاب-الصدري-و-عجز-التظاهرات إن القول بعجز التظاهرات عن إنتاج أهداف، يفتقر إلى أدنى شروط الموضوعية، فالتظاهرات ناهيك عن مساعيها إلى انتزاع الدولة من براثن المليشيات وإعادتها إلى الطريق الديمقراطي 2020-02-08 02:42:48 1 2020-02-07 18:12:21 0

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.