532862 4

مصطفى فحص/

بين ثقة شبه مفقودة في الداخل، ومُرتجاة من الخارج، تشق حكومة حسان دياب طريقها ـ ولبنان ـ بخطوات سريعة نحو الإفلاس السياسي والاقتصادي. فمن جهة لم تُفلح التشكيلة الوزارية بإقناع اللبنانيين بأنها قادرة على انتشالهم من الأزمة المالية والمعيشية التي يمرون بها، ومن جهة أخرى لم تخرج هندسة التأليف عن الاعتبارات السياسية التي تمسكت بها قوى السلطة، ما فرض على المجتمع الدولي أن يتعاطى معها بكثير من الريبة والحذر.

فبوادر العجز في إقناع الخارج ظهرت في حديث رئيس الوزراء حسان دياب الذي لجأ إلى خيار استعطاف الدول الأوروبية خصوصا تلك الحريصة تاريخيا على لبنان، ومخاطبتها كجمعيات خيرية غير ربحية، تساعد الطبقة الحاكمة على الخروج من محنتها، التي من الممكن أن تتحول إلى محنة أوروبية مع التلويح بورقة اللاجئين السوريين واللبنانيين مستقبلا.

ففي كلام الاستجداء يؤكد دياب أن لبنان يحتاج اليوم إلى مساعدة عاجلة على مختلف المستويات، لكن كلامه لم يخل من لغة التحذير بإشارته إلى أن "لبنان يعرف مدى حرص الدول الأوروبية على استقراره لأن أي اهتزاز في هذا الاستقرار ستكون له انعكاسات سلبية على أوروبا أيضا".

على الأرجح أن هذه الحكومة لن تحصل إلا على تأشيرة عمرة بما أن موسم الحج لا يزال بعيدا

ففي مرحلة الاستجداء التي منحتها الحكومة لنفسها، تراهن الطبقة السياسية على عامل الوقت لتجنب المواجهة مع شروط الخارج من خلال تأجيل أزمات الداخل، حيث يسود اعتقاد بأن جزءا من اللبنانيين يميل إلى إعطاء الحكومة فرصة، لعلها تقوم بالحد الأدنى الممكن الذي يؤجل الانهيار.

لكن أغلب الظن أن هذا الرهان أشبه بمحاولة الغريق التمسك بحبال الهواء التي لم تنقذ أحدا يوما. أما خارجيا فيبدو أن البيان الوزاري في سباق مع إشارات خارجية توحي بأن مسار الحكومة لنيل الثقة الخارجية صعب ومتعثر.

برزت أولى علامات التعثر في الخبر الذي نقلته قناة MTV اللبنانية عن مصدر في السفارة السعودية في بيروت كشف عن قرار الرياض خفض طاقمها الدبلوماسي في بيروت بنسبة تقترب من 20 في المئة.

لا ينفصل هذا القرار عن غياب السفير السعودي في بيروت وليد البخاري عن حفل الاستقبال الذي أقامه رئيس الجمهورية في قصر بعبدا لرؤساء البعثات الدبلوماسية. تأتي هذه الإشارات السعودية في الوقت الذي يُروّج مقربون من رئاسة الحكومة إشاعات عن تواصلهم مع عواصم خليجية وخصوصا الرياض من أجل ترتيب جولة خارجية لرئيس الوزراء إلى هذه الدول، إضافة إلى نقل تسريبات عن لقاء مرتقب بين دياب والبخاري وسفراء خليجيين آخرين، الأمر الذي يكشف حجم الارتباك لدى فريق السراي الحكومي واعتمادهم على الإشاعات من أجل إظهار الثقة العربية والخليجية بالحكومة.

عمليا أخفقت بدعة اختيار رئيس للوزراء من الجامعة الأميركية مع تشكيلة وزراء من مزدوجي الجنسية، خصوصا الأميركية، بأن تفتح أبواب العواصم الغربية أمام الحكومة وتكسبها ثقتهم، إلا أن الطبقة السياسية تواجه الآن عجزا في التواصل مع هذه العواصم بالرغم من الإشاعات التي رافقت عملية التكليف والتشكيل وربطها بزيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي ديفيد هيل واعتبار أن اللغة الدبلوماسية التي استخدمها في حواراته مع المسؤولين اللبنانيين تعبر عن قبول أميركي بالحكومة، وبالرغم من السلطة قد استمعت إلى لغتين أميركيتين واحدة لهيل محذرة، والأخرى من مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شنكير متشددة، وإن اختلفتا في طريقة طرحهما، إلا أن جوهرهما واحد وهو ما تحاول الحكومة إنكاره.

بالنسبة للسعوديين، ولغالبية الغربيين، لن يختلف التعامل سياسيا مع حكومة حسان دياب عن التعامل مع حكومة نجيب ميقاتي الثانية، التي قاطعتها الرياض وبعض العواصم الخليجية وتعاملت معها واشنطن بحذر، خصوصا أن التوازنات الإقليمية قد تغيرت رأسا على عقب.

لجأ حسان دياب إلى خيار استعطاف الدول الأوروبية

فأغلب مصادر القوة الخارجية التي كانت متوفرة لحكومة الرئيس ميقاتي غير موجودة الآن، حيث يتعرض المحور الإقليمي الذي قام بهندسة حكومة حسان دياب إلى حصار خارجي قلّص إمكانية المناورة لديه، وجعله في موقع الدفاع عن النفس. فطهران تعاني من ضغوط دولية أربكت نفوذها الخارجي في العراق وسوريا، التي خرجت بدورها من المعادلة اللبنانية، ولم تعد تملك أي تأثير إلا في أذهان بعض اللبنانيين، الذين يستعينون بالأمنيات هربا من مواجهة الواقع. فهؤلاء راهنوا على أن يكون لبنان مدخلا لإعادة تعويم النظام السوري، وأن بإمكان تركيبة الحكومة اللبنانية أن تكون معبرا للعودة إلى دمشق.

وعليه، تشير الأجواء في بيروت إلى أنها تنتظر حزمة عقوبات أميركية جديدة في الوقت الذي لا تستبعد أوساط دبلوماسية سعودية قيام الرياض باتخاذ خطوات تدريجية لخفض عديد بعثتها في بيروت إلى ما دون 50 في المئة، وهذا القرار مرتبط بالبيان الوزاري والسياسات الداخلية والخارجية التي سوف تتبناها حكومة العهد، وستحدد حجم التواصل العربي والغربي مع حكومة مهددة بالعزلة الكاملة إذا لم تعيد السلطة حساباتها.

على الأرجح أن هذه الحكومة لن تحصل إلا على تأشيرة عمرة بما أن موسم الحج لا يزال بعيدا.

اقرأ للكاتب أيضا: روسيا في لبنان، فاقد الشيء لا يعطيه

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"العمرة"... أعلى طموحات رئيس حكومة لبنان 419BC6DD-398B-43C0-A343-0BFC1BD113C1.jpg AFP العمرة-أعلى-طموحات-رئيس-حكومة-لبنان في كلام الاستجداء يؤكد دياب أن لبنان يحتاج اليوم إلى مساعدة عاجلة على مختلف المستويات، لكن كلامه لم يخل من لغة التحذير 2020-02-08 01:41:15 1 2020-02-07 18:19:04 0

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.