بعد كل كارثة طبيعية وعند تفشي وباء ما في بقعة من بقع العالم وانتشار صور الموت والدمار، تتعالى أصوات رجال الدين وتنتشر تعليقات المؤدلجين من المسلمين بأن ما حدث إما عقوبة إلهية وانتقام رباني من الكافرين أو ابتلاء منه واختبار لصبر المؤمنين ومدى قوة إيمانهم.

وبحسب تصور هؤلاء، فإن الإله الذي يؤمنون به يتأثر بما يجري في الكون من أحداث، من المفترض أنها جرت بناء على علمه وتقديره، فيعاقب أقوام بالزلازل والأعاصير والبراكين والأمراض ويبتلي آخرين بنفس تلك الكوارث والأوبئة بفارق وحيد بين الحالتين يرتبط بالمعتقد الديني لكل قوم.

وعلى الرغم من سخافة الفكرة التي تسيئ إلى ذلك الإله وتصوره بأنه مزاجي وظالم، إلا أنها وللأسف الشديد تجد رواجا كبيرا في أوساط المسلمين ولذلك لم يدهشني أبدا ادعاء رجل الدين السوري عبد الرزاق المهدي في خطبة الجمعة أن الله سلط فيروس "كورونا" على "الملاحدة الشيوعيين البوذيين" بسبب اضطهادهم للمسلمين في تركستان وأن الفيروس جنديا من جنود الله.

والخطير والمؤسف في الأمر أن هذا المهدي يتحدث من فوق المنبر وأمام مئات المصلين ولكن لم يجرؤ أي منهم على الاعتراض عليه وبيان سذاجة ادعائه. ولم يكتف المهدي بذلك بل أفتى أيضا بجواز أن يفرح المسلمون لموت الصينين بسبب فيروس كورونا.

من الضروري التصدي لأولئك المتطرفين الذين يساهمون في تشويه صورة الإسلام

وقال في تسجيل صوتي نشره على قناة "فتاوى من أرض الشام" على موقع "تليغرام" ردا على سؤال أحد المشاركين: "نعم، نفرح نفرح وندعوا عليهم بالهلاك" واصفا إياهم بـ"أعداء الله".

في اعتقادي، هناك عدة عوامل رسخت الاعتقاد بأن الكوارث الطبيعية والأوبئة هي إما عقوبات إلهية بسبب مخالفة أوامر الله أو ابتلاء لاختبار مدى قوة الإيمان.

أولا، القناعات الدينية المستمدة من آيات القرآن وحكايات التراث الإسلامي التي روت قصصا عن أقوام أهلكهم الله عن بكرة أبيهم بسبب معصيتهم لأوامره وكفرهم بأنبيائه.

ثانيا، الشعور بالعجز والضعف والخذلان وقلة الحيلة.

وثالثا، الإيمان بوجود مؤامرة كونية ضد الدين أو الطائفة أو التيار الذي ينتمي له صاحب هذا الاعتقاد وبالتالي فهو يرى في التدخل الإلهي نصرة له.

أما وصف نفس الكوارث الطبيعية والأوبئة بالابتلاءات حين تتعرض لها الدول الإسلامية ويصاب بها المسلمون فهو محاولة فاشلة للخروج من الورطة. ولولا أن الابتلاء مفهوم ديني منصوص عليه في القرآن والتراث الإسلامي ويتحرج المسلمون من الاعتراض عليه لما اقتنع أحد بفكرة انتقام الله للمسلمين عبر الكوارث والأمراض.

من سيقتنع مثلا إن ساوى شرطي مرور بينه وبين آخر تجاوز السرعة القانونية وحرر له نفس المخالفة المرورية وذلك لاختبار مدى صبره والتزامه بقوانين المرور؟

إن المسلمين اليوم من أكثر الأمم تلقيا للمساعدات الدولية بسبب المآسي والكوارث والحروب التي يعشونها وعلى الرغم من ذلك لا تزال أصوات رجال الدين المتطرفين الذين يعادون كل ما هو إنساني ويروجون لنظريات المؤامرة تجد آذانا صاغية من قبل العامة.

من الضروري التصدي لأولئك المتطرفين الذين يساهمون عبر كتاباتهم وخطبهم وفتاويهم في تشويه صورة الإسلام وتصويره بأنه دين معاد لجميع البشر ويتلذذ أنصاره بمعاناة الآخرين بدلا من محاولة تقديم العون لهم ومناصرتهم ولو معنويا من خلال المشاركة في حملات التضامن الإلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي.

لن يتوقف رجال الدين المتطرفون عن نشر الكراهية والترويج للتعصب إلا حين ينفض الناس من حولهم ويلفظون أفكارهم ويدحضون خرافاتهم وأوهامهم فعندها فقط سيحسبون ألف حساب قبل التفوه بأي كلمة.

وفي مقابل دعاة الكراهية، ينشط العقلاء الإنسانيون على منصات وسائل التواصل الاجتماعي لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي يروج لها الجهلاء والأمعات كالدكتور عمار البغدادي وهو طبيب وكاتب يمني مقيم في الصين الذي غرد: "وقع إعلاميون ومثقفون في خطأ جسيم عندما ذهبوا إلى تفسيراتهم الانتقائية للأحداث، منشورات تقول هذا عقاب للصين، لكنه يرى الكوارث في مناطق أخرى ويصفها بالابتلاء للمؤمنين! البعض الآخر ينشر أدعية ويقول إنها تقي من الأمراض ولا يذكرون العمل بالأسباب. هؤلاء يشوهون الإسلام!".

كما كتب العراقي ساجد الريس تغريدة قال فيها: "نحن المسلمين لا نشمت وإنما ندعو بالخير لكل أطياف العالم. الإسلام رسالة إنسانية ونبينا نبي الرحمة للعالم نتوجه بالدعاء للشعب الصيني وكل شعوب العالم أن يكفينا شر الأمراض آمين يا رب العالمين".

في مقابل دعاة الكراهية، ينشط العقلاء الإنسانيون لتصحيح المفاهيم المغلوطة

من جانبه، اعترض الكاتب سامح عسكر على القائلين بأن فيروس كورونا انتقام إلهي من الصين بسبب قتلها للمسلمين قائلا: "أولا: الفيروسات لا تعرف الأديان والمسلم أيضا مصاب ثانيا: الله لا يعاقب بريء على جرم لم يفعله، فماذا فعل المصابون؟ ثالثا: السعودية أصيبت بكورونا منذ خمسة أعوام وتوفي أكثر من 500 ضحية فهل الله غاضب على السعوديين؟".

وتفاعل الدكتور يحيى البوسعيدي مع تغريدة عسكر وأعرب عن أسفه على المسلمين الذين لا يزالون أسرى لبعض الأفكار الإقصائية على حسب تعبيره. وأضاف: "حتى لو طبقنا نفس طرحهم المبني على ربط كل شيء بالدين فالصين بها أكثر من 120 مليون مسلم على حسب بعض المصادر وربما يقل أو يزيد فهل معنى ذلك أنه انتقام إلهي منهم كما هو انتقام من الأبرياء وفق زعمهم".

ومع انتشار المشاركات والخطب والفتاوى المؤيدة لخرافة أن فيروس كورونا انتقام إلهي كالنار في الهشيم في وسائل التواصل الاجتماعي، تضيء هذه المشاركات النيرة وأمثالها كالنجوم المتلألئة ويهتدي بها أصحاب العقول المتفتحة والإنسانيون ومحبو الخير في صراعهم ضد قوى الكراهية والتخلف.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.