فتح لقاء عنتيبي المفاجئ بين رئيس المجلس الانتقالي السوداني الجنرال عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، الباب رحبا لنقاش لم يتوقف حتى اللحظة، تخطى حدود السودان إلى المنطقة العربية برمتها... مثلما تخطى مسألة "التطبيع"، المثيرة للجدل، بين بعض العرب والإسرائيليين، إلى "البعد الأخلاقي ـ القيمي" للسياسة الأميركية في المنطقة، وكيف يتأثر هذا البعد على وجه التحديد، بإصرار واشنطن على دفع عملية "التطبيع" هذه للأمام، ووضع كل ثقلها خلفها، حتى وإن ترتب عليها "تعويم" أنظمة فاسدة وجنرالات لا حدود لشهيتهم السلطوية.

في التجربة السودانية الماثلة، نجحت المؤسسة العسكرية وقوات التدخل السريع التي هي امتداد لمليشيات "الجنجويد" التي عاثت فسادا وقتلا وتخريبا في إقليم دارفور، في "احتواء" الثورة السودانية... التسوية التي أنهت شلال الدم في الخرطوم وأم درمان، أعطت "الجنرالات" من ورثة نظام المخلوع عمر حسن البشير، فرصة أربعين شهرا لالتقاط أنفاسهم، وتفريغ مرحلة الانتقال من العهد الشمولي المغلق إلى فضاء الديمقراطية التعددية، من مضامينها، وتألف الحكم السوداني الجديد من جناحين: عسكري يمثله تحالف البرهان ـ حميدتي"، ومدني تمثله قوى الحرية والتغيير مدعومة بالنقابات والمجتمع المدني والحركة النسائية والحراكات الشبابية.

وليس خافيا على أحد أن "المكون العسكري" في النظام السوداني الجديد، حظي بدعم وإسناد قويين من "المعسكر المضاد" لثورات الربيع العربي، والذي عمل ويعمل ما بوسعه لإجهاضها في مختلف ساحاتها، وأقصد على وجه الخصوص المثلث الإماراتي ـ السعودي ـ المصري، ولولا التدخل النشط للاتحاد الأفريقي ووساطته الفاعلة، لما أمكن للتسوية من المؤسسة العسكرية والقوى المدنية أن ترى النور، ولواصل جنرالات الجيش والجنجويد مقارفة المذابح في الخرطوم، وإلقاء الجثث في النيلين الأزرق والأبيض.

"التطبيع" مع إسرائيل، بات وسيلة هذه الأنظمة لتأبيد بقائها في الحكم

اليوم، يذهب الجنرال البرهان إلى عنتيبي في أوغندا، للقاء نتانياهو، بدعم وتشجيع من الولايات المتحدة وحلفائها من دول المثلث ذاته... في الظاهر، يبدو أن الرجل بمسعاه للتقرب من إسرائيل و"التطبيع" معها، إنما يستعجل رفع اسم السودان من القائمة الأميركية السوداء للدول الراعية للإرهاب، لكن السودانيين الذي خبروا على مدى سنوات وعقود نوايا المؤسسة العسكرية وأحلام جنرالاتها السوداء، يدركون تمام الإدراك أن للجنرالات أجندة في الباطن، أبعد من حكاية "أمن السودان ومصالحه الوطنية العليا"، وإنها تتعلق أساسا، وقبل كل شيء، في انتزاع ضوء أخضر للبقاء في الحكم، بعد تفريغ المرحلة الانتقالية من مراحلها وأهدافها ومؤسساتها، والانقلاب رسميا ونهائيا على أهم وأنبل ثورة شعبية واجتماعية يشهدها السودان في تاريخه المعاصر.

هنا يكمن السؤال: هل يكفي أن السودان "صديقا" لإسرائيل حتى يستوفي شروط إزاحته من القائمة السوداء؟ وهل يكفي أن يقود جنرالاته قاطرة التطبيع معها، لكي يُغفَر لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وحتى يمنحوا شهادة حسن سيرة وسلوك تؤهلهم لتأبيد حكم العسكر والانقضاض على ثورة الشعب السوداني وتبديد التضحيات الثمينة التي دفعها أبناؤه من حيواتهم وأرواحهم؟

وإذا كان مفهوما أن يفعل نتانياهو كل ما بمقدوره من أجل الوصول إلى استحقاق الانتخابات المبكرة الثالثة في الثاني من مارس المقبل بأكبر قدرٍ من "أوراق القوة"، فهل من المنطقي أن تضع الدولة الأعظم قدارتها ومواردها في خدمة هذا الهدف، الصغير على أية حال، حتى وإن أدى ذلك، إلى "المقامرة" بمصائر شعب بأكمله وتهديد منجزات ثورته؟

أي أثر ستتركه هذه السياسات في وعي المواطن العربي وفي تفكير قوى الإصلاح والتغيير العربية، وأية صورة يُراد تكريسها للولايات المتحدة في الوعي الجمعي للشعوب العربية، وما الذي سيتبقى في الأذهان عن "منظومة القيم" المحركة لسياسات واشنطن، والغرب عموما، والتي طالما قيل إنها تمنح أصحابها تفوقا أخلاقيا على خصومهم الإقليميين والدوليين؟

ومما زاد الطين بلّة، أن صحفا ومصادر أميركية مرموقة، نقلت تزامنا مع لقاء عنتيبي، أخبارا مفادها أن حوارات ثلاثية تدور في القنوات الخليفة، بين إسرائيل والولايات المتحدة والمغرب، تهدف لإنضاج "صفقة" يتم بموجبها "تطبيع كامل" للعلاقات بين الرباط وتل أبيب من جهة، نظير قيام الولايات بالاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، الأمر الذي أثار جدلا وانقساما لم ينتهيا بعد في طول المغرب وعرضه...

هنا أيضا، يقفز السؤال: هل يمكن ربط أحد أهم مبادئ ويلسون حول "حق الشعوب في تقرير مصيرها"، بقضية تكتيكية "صغيرة" من حجم "تعويم" نتانياهو قبيل الانتخابات؟ هل يمكن للدولة الأعظم أن تبني موقفها من "حق تقرير المصير" و"السيادة" و"الوحدة الترابية"، على منفعة انتهازية مؤقتة وطارئة، لحليفها الإسرائيلي الذي يواجه تهما بالفساد وتلقي الرشى وسوء الأمانة؟ كيف سينعكس هذه الموقف على النزاع الجزائري المغربي الممتد، وكيف ستمتد آثاره إلى "الانتفاضة الجزائرية" الممتدة لأكثر من خمسين أسبوعا على التوالي، وما الذي سيستقر في وعي شعوب المنطقة الجمعي، حول دوافع ومحركات السياسة الخارجية الأميركية، ومن ذا الذي سيكون بمقدوره الدفاع عن "منظومتها القيمية" بعد الآن؟

ولسنا نستبعد أبدا، أن تقع "المفاجأة" التالية، من العيار نفسه، ولكن في ليبيا هذه المرة، فالجنرال المطعون في "شرعيته"، الباحث عن "الشرعية"، والمدعوم من مصر والسعودية والإمارات، ربما يحذو حذو الجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان، الذي كان سيّر مئات وألوف "المرتزقة" السودانيين للقتال في صفوف الجنرال الليبي خليفة حفتر، وبدعم وتمويل وتجنيد من قبل بعض أطراف المثلث الذي قاد ويقود "المعسكر المضاد" لثورات الربيع العربي.

والحقيقة أن الولايات المتحدة شجعت تاريخيا، حكومات وحكاما عرب على سلوك هذا الطريق فالمملكة العربية السعودية التي واجهت تحدي الحادي عشر من سبتمبر 2001، بما استبطنه من اتهامات صريحة ومضمرة لها من واشنطن، بتشجيع الإرهاب ونشر ثقافته وأيديولوجيته، لم تجد غير التقرب من إسرائيل من وسيلة لتحسين صورتها في الغرب، والولايات المتحدة بخاصة، ولقد شرح الكاتب في نيويورك تايمز توماس فريدمان في حينه، الملابسات التي أحاطت بصياغة وطرح "مبادرة الأمير عبد الله"، والتي ستصبح بعد القمة العربية في بيروت عام 2002، مبادرة السلام العربية، لتحمل عرضا بالتطبيع العربي الشامل مع إسرائيل نظير الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية.

أي أثر ستتركه هذه السياسات في وعي المواطن العربي وفي تفكير قوى الإصلاح والتغيير العربية

ثم أن موجة "التطبيع" العاتية التي تجتاح دولا خليجية اليوم، هي بنظر قادة هذه الدول، "شبكة الأمان" التي يمكن أن تحميهم من المحاسبة والمساءلة، جراء مغامراتهم غير المحسوبة في اليمن أو في القنصلية السعودية في إسطنبول وغيرهما، بكل ما أفضت أليه من انتهاكات ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفقا لتقارير المنظمات الدولية...

والأهم من كل هذا وذاك، أن "التطبيع" مع إسرائيل، بات وسيلة هذه الأنظمة لتأبيد بقائها في الحكم، وحفظ التوازنات في علاقاتها البينية المضطربة سواء داخل المنظومة الخليجية ذاتها، أو مع الضفة الأخرى للخليج العربي: إيران.

هنا، وهنا بالذات، تسود القناعة أوساط الحكم والحكومات والرأي العام العربي، سواء بسواء، أن بمقدور أي حاكم أو حكومة في العالم العربي، أن يفعل ما يشاء بشعبه، وأن يقارف ما طاب له من انتهاكات بحقه أو بحق دول الجوار وشعوبها، طالما أنه يحتفظ بعلاقات "طبيعية" مع إسرائيل، وأن هذا "التطبيع" يصبح شيئا فشيئا، بمثابة "جواز سفر" هؤلاء لواشنطن، ألم يتلق البرهان أول اتصال له بعد لقاء عنتيبي من مايك بومبيو؟ ألم يتلق أول دعوة لزيارة واشنطن بعد ذلك اللقاء من زعيم الدبلوماسية الأميركية؟

والخلاصة، أن هذه المقاربة يمكن أن تنفع في تحقيق أغراض تكتيكية ـ آنية لواشنطن أو لحليفتها "المدللة": إسرائيل، بيد أن عواقبها وتداعياتها على المديين المتوسط والبعيد، ستكون مدمرة بالنسبة لمستقبل مشروع التغيير والإصلاح في العالم العربي، وللعلاقات العربية ـ الأميركية، واستتباعا لمستقبل مسارات السلام بين العرب والإسرائيليين، فهل يدرك بعض الساسة، قصار النظر، أنهم يقارفون الكثير من الأخطاء والخطايا إذ يصرون على تبني هذه المقاربة الفجّة والصادمة؟

 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.