كيف يفهم "الأزهر" التجديد في الفكر الإسلامي؛ من خلال أبرز ما طرحه في المؤتمر العالمي الذي عقده في 27 ـ 28 يناير 2020؟ السؤال هنا مشروع؛ لأن المؤتمر انعقد بِرَسْم التجديد تحديدا. موقف الأزهر ـ وهو الراعي الرسمي لهذا المؤتمر ـ مُهِمٌّ جِدا، إذ هو، أي الأزهر، الذي يُحدّد كثيرا من السياقات في الخطاب الديني الإسلامي بشكل مباشر أو غير مباشر.

الأزهر ـ وكما قلت في المقال السابق ـ هو المؤسسة الدينية السنية الأشهر والأعرق في العالم الإسلامي، كما هو ـ أيضا ـ الأكثر حظوظا في حيازته صفة: "الاعتدال"؛ مقارنة ببقية المؤسسات الدينية الرسمية المشابهة له، هذه المؤسسات التي تتنافس ـ أو تتعاضد في سياق تنافسي ـ على تقرير ما هو "الإسلام الصحيح" من جهة، وكيف يُمكن تفعيل هذا "الإسلام الصحيح" في الواقع؛ من جهة أخرى.

في المقال السابق أخذت في مقاربة عابرة للكلمة الارتجالية التي رَدّ بها الإمام الأكبر/ شيخ الأزهر على رئيس جامعة الأزهر، منافحا عن التراث وعن الثوابت...إلخ. وقد اخترت أن تكون تلك الكلمة الارتجالية نقطة ارتكاز حديثي؛ لأن "الاعترافات اللاّواعية" كثيرا ما تتساقط من خلال من ثقوب عثرات الارتجال.

البيان الأزهري يقول عكس ما يقول به التراث، والبيان لم يحدد لنا الموقف اللازم اتباعه من هذا التراث

لكن، إذا كان كثيرون لا يأخذون مثل هذه الكلمات الارتجالية ـ بحَرْفِيّتها ـ على محمل الجد، أو لا يأخذونها كتعبير مسؤول عن رأي الأزهر كمؤسسة دينية، فإن الكلمة الختامية/ البيان الختامي للمؤتمر الذي ألقاه شيخ الأزهر بقراءته لنص مكتوب ـ مدروس ومراجع سلفا ـ هو الذي يَعدّه الجميع مرجعَ الرؤية "الأزهرية" للتجديد (بل المرجع الإسلامي العالمي من خلال رؤية أزهرية)؛ لأن البيان صدر بوصفه نتيجة مداولات ونقاشات واتفاق صريح أو ضمني من عموم المجتمعين الذي دعاهم الأزهر لهذا المؤتمر بوصفهم أشهر/ أبرز/ أهمّ علماء الإسلام، أو مُمَثلي علماء الإسلام.

إذن، البيان الختامي يتحدث بلسان الأزهر، ومن ورائه عموم الإسلام السني الرسمي وشبه الرسمي. وحيث إن المؤتمر لم ينعقد إلا بصفة "التجديد"، وفي سياق تاريخي يستدعي هذا التجديد كـ"حالة طوارئ دينية"؛ تُبرّر هذا الاجتماع، فمن حق المراقبين أن يتساءلوا عن التجديد الذي خرج به هذا المؤتمر لحل أزمة الخطاب الإسلامي من جهة، ولحل أزمة المجتمع الإسلامي، والمجتمع العالمي، مع هذا الخطاب من جهة أخرى؟

يتضح من خلال هذا البيان الختامي أن "العقل التراثي" هو ـ وحده ـ المنوط به مهمة التجديد المنتظر. وكما هو الحال في تلك الكلمة المرتجلة التي أكد فيها شيخ الأزهر على أن "التجديد مقولة تراثية"، تأتي الكلمة المكتوبة التي يُفْترض فيها أنها صادرة عن "إجماع" أو "شبه إجماع"؛ لتؤكد حقيقة الدوران في الحلقة المفرغة للتراث: تجديد التراث بالتراث على يد التراثيين!.

يؤكد شيخ الأزهر على المقولة السلفية التي تقول كل شيء؛ ولا تقول شيئا في الوقت نفسه، أقصد قوله: "النصوص القطعية في ثبوتها ودلالتها لا تجديد فيها بحال من الأحوال". هذه المقولة ذاتها تحتاج إلى فحص/ تفكيك، ومن ثم تجديد. فما هو معيار الثبوت القطعي هنا؟ القرآن محل اتفاق، ولكن لم ـ ولن ـ يقصد البيانُ القرآنَ فقط، وإلا لأصبح الأزهرُ قرآنيا، بينما هو يُضَلّل القرآنيين (الذين يتخذون القرآن مصدرا وحيدا).

وهنا تأتي معضلة السنة/ الأحاديث النبوية، فما هو القطعي ثبوتا، هل ما صححه الأوائل ثابت قطعا؟، ثم تصحيح مَن يُعتمد هنا؟، ثم كيف يكون قطعيا تصحيح الأوائل (على افتراض اتفاقهم، وهو ما لم يحدث قطعا) وقد دخل عليه خلاف الأواخر، وأصبحت السنة محل جدل/ خلاف طويل؟.

هذا في مسألة قطعية الثبوت. أما مسألة قطعية الدلالة، فمن هو الذي يحكم بقطعيتها، من هو الحَكَم في نهاية الأمر؟، إذا كان المقصود بِضعة أحكام/ فرائض/ محرمات قليلة جدا لم تكن محل خلاف تأويلي في السياق العام، فلا أظن الأزهر، ولا المجتمعين في رحابه، يحصرون ثبوت الدلالة فيها، بل هم يقصدون كثيرا من المسائل التي قطع بها التراث، أي يقصدون ما توافر علماءُ "أهل السنة المشهورين" على قطع الدلالة فيها. وهنا، يقطع الأزهر ومشايعوه بدلالة أمر/ حُكم ليس قطعي الدلالة بالإطلاق؛ نظرا لاجتهاد عموم المسلمين، واختلاف مدارس المجتهدين.

وحينما يُحَدِّد البيان الأزهري أن محل "الاجتهاد التجديدي" هو ـ فقط ـ في النصوص الظنيّة، فإنه يُحاصِر هذا الفضاء المتبقي للاجتهادِ باشتراطٍ عام لا يُمكن ضبطه على سبيل القطع، وهو قوله ـ بعد تحديد الاجتهاد بالنصوص الظنية ـ: "شريطة أن يجيء التجديد فيها على ضوء مقاصد الشريعة، وقواعدها العامة، ومصالح العباد".

وهنا نتساءل: مَن الذي يضبط مقاصد الشريعة وهي محل نظر عقلي واسع؟، ومَن الذي يضع القواعد العامة، أو أية قواعد ـ من أية مدرسة/ أي منهج ـ التي يجب أن يُؤخذ بها؟، ومَن هو الذي يحدد مصالح العباد (وليس هنا مناقشة مصطلح "العباد" مقابل مصطلح "المواطنين")؛ وفي تحديدها تحار أعرق البرلمانات وأكثرها انضباطا واتساقا؟.

بل ويزيد البيان في محاصرة دائرة الاجتهاد التجديدي؛ عندما ينص على أن "التجديد صناعة دقيقة لا يحسنها إلا الراسخون في العلم، وعلى غير المؤهلين تجنب الخوض في هذا الموضوع حتى لا يتحول التجديد إلى تبديد". فمن هم "الراسخون في العلم"؟، هل هم "الأزهريون"، أم هم الذين يُزَكِّيهم الأزهريون؟، هل هم حملة الشهادات الشرعية، أم هم العاكفون على دراسة العلوم الشرعية باجتهاد غير مؤسسي/ باجتهاد مشيخي؟، ثم ما هو حد الدراسة/ البحث الذي يصل به "الشيخ" ليكون من "الراسخين في العلم" الذين يجوز لهم ـ وفق هذا الشرط الأزهري ـ خوض غمار التجديد؟.

التراث ـ عكس ما يقوله البيان ـ لا يقول بأن التكفير حكم لله وحده، وبالتالي، لا يعلمه غير الله

ومع كامل الاحترام والتقدير لشيخ الأزهر، يحق لنا أن نطرح هذا التساؤل عليه: هناك باحثون/ دارسون قرأوا في العلم الشرعي ولوازمه أضعافَ ما قرأه شيخ الأزهر ذاته، وكتبوا من البحوث والدراسات أضعاف ما ألّفه، ولكنهم لا ينتمون لأية مؤسسة دينية رسمية، فما موقع هؤلاء من شرط "الرسوخ في العلم"؟. مَنْ يُزَكّي مَن؟.

وطبعا، لا يغيب عن علم شيخ الأزهر أن بعض هؤلاء الباحثين الذين قرأوا وألّفوا ودرّسوا أضعافَ ما قرأ وألّف ودرّس، لا يعترفون بالأزهر ولا بشيوخه أصلا، بل يرونه الأزهر مؤسسة رسمية لا تملك ـ بذاتها ـ حرية الاجتهاد أصلا. وعلى هذا، هل يُرْخِي المسلم مَسامِعه للباحثين المستقلين أم يتبع المؤسسات الرسمية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ شروط حضورها وفاعليتها كمؤسسة اجتماعية لها مصالحها، فضلا عن شروط تفاعلاتها الداخلية/ البَيْنِيّة في السياق الفكري الخالص (على اعتبار إمكان التجرد هنا)؟.

وفي أفضل حالات البيان تجاوزا، نجد أنه يقول ـ بلسان الأزهر ـ شيئا، بينما التراث الذي يمتاح منه الأزهر (التراث الذي يسكت عنه الآن؛ في سياق تقديسه من جهة، وتجريم منتقديه من جهة أخرى) يقول شيئا آخر لا يجرؤ الأزهر عل البوح به.

فعندما يُدِين الأزهر التيارات المتطرفة وجماعات العنف الإرهابية، يذكر أنهم يقولون بـ"مبدأ الحاكمية" في سياق فهم خاطئ. البيان يذكر أن الإرهابيين يقولون بأن الحكم لله وحده، وأن لا حكم للبشر. وهذا تدليس ظاهر، فالإرهابيون الذين يستندون في التكفير على مبدأ الحاكمية لا يقولون بهذا، بل يقولون: إن البشر لا يحكمون فيما فيه حكم شرعي ثابت. والدليل على ذلك أنهم يحكمون بأنفسهم في مناطق نفوذهم، ويصدرون الأوامر المدنية ـ فيما ليس فيه حكم شرعي ـ بصفتهم الدينية التي تضفي المشروعية الدينية على الأداء المدني.

واضح أن ثمة ما يحاول البيان الالتفاف عليه، أو تجاهله بالسكوت عليه، فمثلا، إشكالية التكفير ـ المرتبطة عضويا بالإرهاب ـ طُرِحت في كلام عمومي غائم غامض. يقول البيان: "والتكفير حكم على الضمائر، يختص به الله وحده دون غيره". عبارة جميلة، ولكن، هل هذا رأي جديد للأزهر يتجاوز به التراث الذي تتأسس مشروعيته عليه، أم هو ـ فيما يزعم ـ رأي التراث؟.

التراث ـ عكس ما يقوله البيان ـ لا يقول بأن التكفير حكم لله وحده، وبالتالي، لا يعلمه غير الله. التراث الذي يقدسه الأزهر، كتب شيوخ الإسلام الذين يحترمهم الأزهر ويرجع إلى مقولاتهم، آراء الأسلاف المقدسة، كل هذا زاخر بالتكفير الصريح والتضليل والتفسيق، بل وبإقرار حكم "قتل المرتد" على من صدر بحقه التكفير. وكما هي المراوغة هنا في "مسألة التكفير"، فكذلك ظهرت المراوغة في "مسألة الجهاد"، حيث يقرر البيان أن الجهاد يأتي بمعاني كثيرة، وأن "القتال" معنى من معانيه، ولكن القتال ـ كما يقول البيان الأزهري صراحة ـ لا يكون إلا دفاعا ضد العدوان.

الأزهر عاجز عن النهوض بمهمة التجديد الحقيقي؛ بعجزه الواضح جدا عن الشروع بنقد الذات

هكذا يقول المؤتمر الأزهري، بينما التراث المعتمد على امتداد التاريخ يقول عكس ذلك، إذ هو/ التراث يشَرِّع "جهاد الطلب" ـ أي الهجوم ـ ابتداء، فما هو موقف الأزهر من هذا التراث المتراكم في تقرير/ تأكيد هذا "الجهاد الهجومي"، هل يكفي مجرد السكوت والتجاهل؟.

البيان الأزهري يقول عكس ما يقول به التراث، والبيان نفسه لم يحدد لنا الموقف اللازم اتباعه من هذا التراث؟، هل يُصدِّق/ يتبع الشبابُ المسلم بيانا أزهريا مُؤطّرا رسميا، أم يتبع التراث الضخم الممتد لأكثر من ثلاثة عشر قرنا، أيهما الأجدر بالثقة الدينية (بالنسبة لشاب مسلم يبحث عن الخلاص باتباع ما يتصوّره حقا)، أربع أو خمس صفحات من بيان أزهري عابر متناقض، أم مئات المجلدات من الأقوال المتعاضدة التي تقول بعكس ما يقوله البيان؟.

إن هذه الأسئلة التي أطرحها على بعض فقرات البيان تفضح حيرة البيان واضطرابه، وبالتالي، حيرة الأزهر ورجاله إزاء التجديد، والهروب من معالجة المشاكل من أصولها (رُهَاب نقد التراث)؛ ليكون التجديد هنا التفافا على التجديد، أو مراوغة للهروب من استحقاقات التجديد. وأنا متأكد أنه فيما لو تَبرّع الأزهر بالإجابة على هكذا تساؤلات، فلن تكون "الإجابات الدينية الدبلوماسية" إلا مقولات مراوغة تزيد من حجم الحيرة والاضطراب.

على أي حال، هذا بعض تعليق أو شيء من مُسَاءلة عابرة لبعض ما في البيان، حيث يتضح من خلالها العجز الأزهري عن النهوض بمهمة التجديد الحقيقي؛ بعجزه الواضح جدا عن الشروع بنقد الذات/ نقد تراث الذات. أما مناقشة البيان بكل ما جاء فيه، فتلك مهمة تضيق عنها مساحة هذا المقال.

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.