533242 4

حسين عبدالحسين/

في صفوف النخبة العربية، وعدد كبير من العرب السنة في المشرق، حنين لماضٍ عثماني مجيد متخيل، كما في كتب الصحافي اللبناني الأميركي الراحل أنتوني شديد، والأكاديمي اللبناني أسامة مقدسي، والمستشرق الأميركي مايكل بروفنس، وهو حنين مبني على العداء للإمبريالية الغربية ولسلطة الانتداب في المشرق والعراق ومصر والخليج، وهو العداء نفسه الذي بنى عليه الفلسطيني الأميركي الراحل إدوار سعيد نظريته حول "الاستشراق".

في هذه النظريات المعادية للإمبريالية تصور أن السلطنة العثمانية لم تكن مريضة، ولا متعثرة، بل كانت متقدمة ومتطورة، ولكن مختلفة في عاداتها وطرقها عن الغربيين، الذي اجتاحوا السلطنة مدفوعين بنظرية غربية مسيحية فوقية تجاه ما كانوا يعتبرونه دونية الشرقيين المسلمين.

ولأن الكولونياليين حاقدون أشرار، عمدوا إلى تفتيت السلطنة وتقاسم مغانمها، بما في ذلك إهداء قسم منها لليهود لإقامة دولتهم في ولاية القدس وجزء من ولاية بيروت.

ولا يرى معادو الإمبريالية التناقض بين عدائهم لترسيم الأوروبيين لحدود دول المشرق وتمجيدهم لفلسطين واعتبارها قائمة منذ الأزل. حتى أن معادي الإمبريالية غالبا ما يسخرون من دول مثل لبنان، ويعتبرونه صنيعة الإمبريالية الأوروبية، وكأن فلسطين لم يصنعها الانتداب الأوروبي نفسه.

لم تكن السلطنة العثمانية دولة الأحلام التي تآمر عليها الأوروبيون

"في العام 1874، هزم محافظو بنيامين دزرائيلي رئيس حكومة بريطانيا وليام غلادستون وحزبه الليبرالي"، يكتب بروفنس في كتابه "الجيل العثماني الأخير وصناعة الشرق الأوسط الحديث". ويضيف أنهم كمعارضين كانوا يستعدون لاستعادة السلطة، راح الليبراليون يحرّضون ضد المسلمين العثمانيين وشنوا حملة ضد دزرائيلي وسياسته المتسامحة تجاه السلطنة. واعتبر بروفنس أن هذا العداء البريطاني العنصري أجبر السلطنة على التخلي عن صداقتها مع بريطانيا وإقامتها تحالفا مع ألمانيا.

غريب ألا يتنبه مؤرخ إلى أن العلاقة البريطانية لم تتأثر بالثرثرة السياسية داخل لندن، بل كانت نتيجة تغير في طرق التجارة الدولية، فبريطانيا كانت حصلت على امتيازات تجارية داخل السلطنة، منذ العام 1520، وهي امتيازات سمحت لها بالاتجار مع الهند على مدى أكثر من 300 عام، إلى أن تم شق قناة السويس في مصر الخديوية، في العام 1869، وهو ما قلّص المسافة بين أوروبا والهند، وجعلها تجارة بحرية فقط، بدلا من حاجتها لعبور الجسر البري العثماني. لهذا السبب، تلاشى الاهتمام البريطاني بالسلطنة، وانصب على احتلال مصر وقناتها الاستراتيجية.

ومع تراجع الاهتمام البريطاني، تراجعت أموال الرشاوى التي كانت تقدمها لندن للطبقة السياسية العثمانية الغارقة بالفساد، وهو ما دفع السلطنة إلى البحث عن حلفاء أوروبيين، فوجدت ضالتها بمنافسة بريطانيا الصاعدة ألمانيا، التي مولّت خط قطار برلين بغداد، الذي كان من المفترض أن يصل الكويت، وهو ما كان من شأنه منافسة قناة السويس والتجارة البريطانية مع الهند، فقامت لندن بكفالة استقلال الكويت عن السلطنة، وأحبطت وصول خط القطار إلى مياه الخليج.

وبعد الحرب العالمية الأولى، حاولت بريطانيا إدارة المشرق بمفردها، لكنها تراجعت تحت ضغط فرنسي، ورسم الحليفان خريطة الشرق الأوسط، في الغالب بشكل يضمن تدفق النفط المكتشف في البصرة وكركوك إلى شواطئ المتوسط، حتى تحمله الناقلات إلى أوروبا.

ورعت بريطانيا الغالبية السنية في أراضي نفوذها، فيما رعت فرنسا الأقليات غير السنية، فثارت الأقليات، مثل شيعة العراق من عشائر الفرات الأوسط، ضد الحكم السني لهم، وثار السنة في سوريا ولبنان ضد حكم الأقليات لهم. أما السعودية، فرسمت حدودها مع المشرق والعراق بحسب ديار العشائر التي تحالف معها المؤسس عبدالعزيز ابن سعود، الذي خاض معارك سياسية ضد الأوروبيين لتوسيع رقعة حكمه إلى أقصى حد ممكن.

وفي وقت لاحق، وجدت الولايات المتحدة فرصة ممتازة للتحالف مع السعودية ضد الأوروبيين في الشرق الأوسط، وحاولت أميركا توسيع تحالفها ليشمل مصر الناصرية، التي استفادت من الدعم الأميركي لانتزاع قناة السويس من أيدي الأوروبيين.

لكن المستشرقين ومدرسة إدوار سعيد لا ترى الأمور من باب المنافسة التجارية العالمية، بل من باب صراع الهويات والإثنيات والقوميات، فيما يثبت التاريخ أن صراع الهويات هو العنوان الشكلي للصراع الفعلي، أي صراع المصالح.

وبسبب نظرتهم الهوياتية للتاريخ والصراعات، يتمسك المستشرقون وسعيد بتاريخ متخيل تبدو فيه السلطنة العثمانية واحة من التسامح والعيش الحر، وكأن الفرق الموسيقية العثمانية كانت تعزف على قارعة الطرقات للمواطنين الذين كانوا يرقصون فرحا.

أما الواقع، فمختلف. لم تكن السلطنة دولة عصرية، بل إمبراطورية قروسطوية، حكمها مبني على شرعية إلهية إسلامية، يتآمر فيها السلاطين على بعضهم البعض، وينحازون لحكام ولاياتهم الموالين لهم ضد الأقل ولاء.

هكذا، شن ولاة عكّا، شمال فلسطين، حملات عسكرية متكررة ضد جنوب لبنان ذي الغالبية الشيعية والمسيحية، وأحرقوا القرى، واعتقلوا رجال الدين والأعيان. من رجال الدين اللبنانيين كان صدرالدين شرف الدين، الذي هرب من طغيان والي عكا إلى النجف، وانتقل فيما بعد قسم من أبنائه إلى إيران. صدرالدين هذا، هو الذي أعطى اسمه لعائلة رجال الدين الذين لعبوا أدوارا قيادية في لبنان، مثل موسى الصدر، وفي العراق، مثل محمد باقر الصدر ومحمد محمد صادق الصدر ونجله مقتدى.

لم تكن السلطنة دولة عصرية، بل إمبراطورية قروسطوية، حكمها مبني على شرعية إلهية إسلامية

وفي زمن السلطنة، قامت اسطنبول بمحاكمة حكام جبل لبنان فخرالدين المعني وبشير الشهابي. وفي زمنها كانت حروب أهلية في جبل لبنان في 1840 و1860. وفي زمن السلطنة اجتاح ابراهيم محمد علي، ابن حاكم مصر، المشرق، ولم يتوقف لولا منعته بريطانيا، التي كانت ما تزال ترغب في حماية امتيازاتها التجارية مع العثمانيين. وفي زمن السلطنة، مجازر بحق الأقليات على أنواعها، الأرمن والسريان المسيحيين وغيرهم.

لم تكن السلطنة العثمانية دولة الأحلام التي تآمر عليها الأوروبيون، بل كانت دولة إسلامية، على غرار معظم دول العرب اليوم، يحكمها فاسدون، ويغرق سكانها في دوامة حروب مذهبية وعرقية، ويلجأ حكامها إلى الشعبوية الإسلامية، ويحرّضون ويضطهدون الأقليات.

لم تأت الفوضى إلى الشرق الأوسط مع الأوروبيين، ولا مع العثمانيين، بل تعيش المنطقة في صراعات مستمرة، حتى في ذروة زمنها الذهبي المتخيل، انخرط ولدا الخليفة هارون الرشيد في حرب أهلية على الحكم.

أما القول إن الشرق الأوسط كان يعيش في وئام إلى أن جاء الأوروبيون وولوا، فقول المستشرقين والمتعدين على مهنة التأريخ.

اقرأ للكاتب أيضا: لماذا تخشى إسرائيل فلسطين؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
السلطنة العثمانية وفسادها وطغيانها E98EB138-1D2A-42BB-96CF-820F85EF80C4.jpg AFP السلطنة-العثمانية-وفسادها-وطغيانها جنود يقفون بالقرب من جماجم لضحايا أرمن قتلوا خلال المجازر العثمانية 2020-02-11 12:52:35 1 2020-02-10 19:10:54 0

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.