| Source: Courtesy Image

هي مسألة تلهب العواطف: البعض يعتبرها حقا صريحا لا يجوز التغاضي عنه. البعض الآخر يراها إمعانا بل إفراطا بالصواب السياسي، هذا الميل التقدمي إلى مواقف تريد أن تكون أخلاقية ولكنها، من وجهة نظر من يعترض عليها، أقرب إلى الغيبية في انقطاعها عن الواقع وغياب الجدوى أو رجاء التحقق. والبعض الأخير يعتبر أن مخزونها الخلافي غير قابل للتوفيق وأن الأفضل بالتالي لهذه المسألة ألا تطرح.

ولكنها تعود، دوريا وبمزيد من الإصرار، وهي إن همدت موضوعيا، سرعان ما تجد من يرغّب بها ويدعو إليها، أو يرغّب عنها ويهوّل بها، لأغراض التعبئة السياسية. والزمن هو للشعبوية الحارقة، فلا بد أن تشهد هذه المسألة الاشتعال وإن بعد حين.

هي مسألة "التعويضات" المتوجبة لصالح الأفارقة الأميركيين نتيجة زهاء قرنين من الاسترقاق الذي طال أجدادهم، من منتصف القرن السابع عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر، وما تحملته أجيالهم المتعاقبة من الإساءات. هي مسألة خلافية دون شك، يقف منها الصفين التقدمي والمحافظ في الولايات المتحدة على طرفي نقيض.

القراءة التقدمية مبنية على اعتبار ما جرى للأفارقة المسترقين، أي الذين وضعوا في الخدمة ضمن المنازل، والمستعبدين، وهم الذين أرغموا على العمل في المزارع، خطأ وخطيئة.

قدر كبير من الثروات عامة والخاصة في الولايات المتحدة قد تولّد من ناتج عمل المستعبدين

أما الخطأ، أي العدوان على حياة الأفارقة وحريتهم وكرامتهم، وتسخيرهم مكرهين للخدمة المهينة والعمل الشاق، وللضرب والقتل والاغتصاب، والاستيلاء على ناتج جهودهم، فلا سبيل إلى تصحيح مباشر له لانقضاء المرحلة وإعتاق الأفارقة قبل قرن ونيّف، فالمطلوب تقدميا السعي إلى استدراك عواقب ما جرى من خلال تخصيص الموارد لإتاحة الفرص الإضافية للتعليم والعمل أمام أحفاد من تعرّض للظلم.

أما الخطيئة، أي تطبيع "البيض" لاستعباد "السود"، وإيجاد المبررات المؤطرة بالدين والعلم والتاريخ لتبرير الفعل ما قبل الإعتاق، وللتنصل من مقتضيات تصحيحه، وهو ما يستمر إلى اليوم، فلا بد، ضمن وجهة النظر التقدمية، من الاعتراف بها والتوبة لها والتكفير عنها. وحيث أن ما تمّ تخصيصه من موارد لم يؤدّ إلى الغاية المنشودة، إذ لا يزال المجتمع "الأسود" في الولايات المتحدة متأخرا عن "الأبيض" وفق مؤشرات التعليم والعمالة والإنتاج والثروة، فلا بد من مضاعفة التعويضات وتنويعها.

أما الرأي المحافظ، فيرفض مقولة الخطيئة ويقدّم بدلا عنها طرحا لتاريخ توالت عليه السيئات والحسنات. والاسترقاق، من وجهة النظر المحافظة، ظاهرة صاحبت الإنسانية كافة على مدى القرون، إلى أن انجلى تعارضها مع أي مفهوم صادق للعدل وقيامها على الغلبة وحسب، فظهر الاعتراض عليها ثم توالت الدول في تجريمها وتحريمها. والولايات المتحدة في هذا الصدد كغيرها، شهدت العبودية، وهنا السيئات، ثم تخلت عنها، وهنا أولى الحسنات، وتدرجت باتجاه استيعاب الأفارقة الأميركيين ومساواتهم بمواطنيهم من "البيض" على مدى العقود، وهنا تتوالى الحسنات وفق القراءة المحافظة. فالحسنات تفوق السيئات، كما أنها الأقرب إلى الآن.

5 فتيات تعملن في مطبخ في صورة تعود للفترة الزمنية ما بين 1925 و1930 (مصدر الصورة: مكتبة الكونغرس)

فالحديث عن خطايا وكفارات لا مبرر له لدى المحافظين، بل الأصح الإقرار بفضل الولايات المتحدة على سكانها من "السود" كما "البيض" لما منحتهم من فرص ورقي دون مثيل في العالم، والأجدى طيّ صفحات التاريخ القاتمة.

بل تنتشر في أوساط المحافظين الطروح الناقدة لإصرار التقدميين على تقديم الامتيازات التعويضية للأفارقة الأميركيين. فمن القراءات المحافظة ما يشير إلى النتيجة العكسية لهذه الخطوات، بما أرسته في الأوساط الأفريقية الأميركية إزاء برامج الرعاية من حاجة غير قابلة للانفكاك. ومنها ما يرى بأن التبعية هذه ليست حالة عرضية، بل هدف متعمد لإبقاء "السود" في حالة عوز وولاء للحزب الديمقراطي، والذي يغلب عليه التقدميون. ومنها ما يشير إلى مضاعفة هذه الخطوات للتفرقة العرقية، ولا سيما نتيجة شعور العديد من "البيض"، من ذوي الدخل المحدود والفرص الضيقة، بأنهم يعانون من الغبن والحرمان نتيجة لتخصيص الموارد للسود دونهم.

وإذا كان ثمة إفراط في القراءة التقدمية في إلقاء المنظومة الأخلاقية المعاصرة على الماضي، فإن المحاولة المحافظة لإدراج تجربة الاسترقاق والاستعباد في الولايات المتحدة في سياق تاريخي عام، لإعفاء الحاضر من مسؤوليات الماضي، تنضوي على تجاوزات هامة لخصوصيات هذه التجربة.

فما شهدته القارة الأميركية من استقدام قسري وتسخير استعبادي للأفارقة هو تحول نوعي في تاريخ الرق. السوابق قائمة، ومنها مثلا من المنطقة العربية استجلاب المستعبدين من الأفارقة، والذين تكشف "ثورة الزنج" في القرن التاسع عن رفضهم للسخرة. غير أن الحالة الأميركية، على مستوى القارة بشكل عام، وعلى مستوى الولايات المتحدة بشكل خاص، مميزة من عدة أوجه.

الوجه الأول هو الطبيعة الحداثية لهذه الحالة الاستعبادية، والاستعمال الممنهج لرأس المال والتخطيط الإقدامي لتحقيق دورة اقتصادية عالية المستوى، تشكل طاقة الإنتاج للمستعبدين أحد مواردها المحسوبة. فالأمر ليس استمرارا لاقتصادات سابقة للحداثة، بل المباشرة باقتصاد حداثي ابتكر الاستيلاء على قدرات مستعبدين جدد والاستفادة منها.

الوجه الثاني هو في الفصل العرقي الصارم، نظريا، والهادف إلى عدم تشتيت الطاقة الإنتاجية الأسيرة، وذلك من خلال فرض صفة "الأسود"، وما يلحق بها من فرز، على من سرت في عروقه "قطرة دم سوداء واحدة"، أي لا إقرار ببنوة، ولا "أم ولد"، لإتاحة المجال أمام اندماج تدريجي، كما جرى في المجتمعات ما قبل الحداثية والتي اعتمدت الاسترقاق.

الوجه الثالث هو أن هذا الاستعباد الحداثي وهذا الفصل العرقي تحققا فيما المستعمرات التي أصبحت الولايات المتحدة بعد عقود كانت ناشطة باستيعاب "الأنوار" القادمة من القارة الأم، بما تتضمنه من إشهار لمركزية الإنسان وإقرار بحقوقه الطبيعية. أي أن الحالة الفكرية في العالم الجديد لم تكن متحجرة عند قراءة فارزة للناس، بل هي عملت على تطوير قراءة من هذا النوع لتأطير الممارسة الاستعبادية.

الوجه الرابع هو أن الدولة التي قامت على منهجية الاستعباد واستفادت من ناتج عمل المستعبدين، أي الولايات المتحدة، لا تزال هي ذاتها القائمة إلى اليوم. واستمرار الشخصية المعنوية يقتضي وجوبا استمرار المسؤولية المادية.

قد تكون المقاربة التقدمية غيبية ودينية في بعض أوجهها، ولكنها بالتأكيد ملحمية، أبطالها كيانات جماعية مشخصنة كانت على علاقة غير متكافئة، والدعوة اليوم إلى تقويمها، بالاعتراف والاعتذار والتعويض. والقراءة المحافظة، فيما هي إنكارية، تعمد بدورها كذلك إلى الملحمية، إذ تريد للكيان المشخصن الغالب استثنائية وعظمة من حقه العودة إليها، لا سيما وأنه أحسن إلى الكيان المشخصن الآخر، فاستحق منه الإقرار بالفضل، وربما بالتفوق.

بعض كبرى الشركات القابضة في الولايات المتحدة تعود في أصولها المالية إلى زمن الاستعباد

في هذه القراءة وتلك، كما في تلك القائلة بعبثية النقاش لعمق الخلاف، يبدو الأفارقة الأميركيون وكأنهم الموضوع وحسب، أي المفعول به لا الفاعل. ليس أن موضوع التعويضات غائب عن اهتمام الأوساط الفكرية والاجتماعية بينهم، بل هذه الأوساط قد أنتجت على مدى العقود تصورات تتراوح من الدعوة إلى تسهيل المسار نحو الاندماج الكامل، إلى المطالبة بالانفصال والاستقلال في حيز مكاني خاص. بل قد يصحّ القول إن تهميش هذه الطروحات في الخطاب العام هو بحدّ ذاته دليل على استمرار الفوقية أو الأبوية إزاء مجتمع لم يحقق التقدم إلا بفعل يديه.

على أنه ثمة مقاربة أخرى، أكثر دقة وأقل انتشارا، مرشحة أن تشهد القبول المتصاعد، فيما هي قائمة على المقومات الفكرية والعقائدية الراسخة في الولايات المتحدة. هي المقاربة التي تعتبر بأنه من الجائز، بل من المطلوب، مقاضاة الدورة الاقتصادية الاستعبادية لتحصيل الأموال التي استولت عليها من المسخّرين.

قدر كبير من الثروات عامة والخاصة في الولايات المتحدة قد تولّد من ناتج عمل المستعبدين، ثم تكاثر وتعاظم مع توالي القرون. وهذا القدر هو بمثابة المال المسروق إلى أن يعود، مع كامل الحصة بما استتبعه، إلى أصحابه. ليس حصرا بشكل رمزي وتعويضي إلى المجتمع الأفريقي الأميركي ككم جماعي، ولا من الولايات المتحدة كوحدة جماعية، رغم الفائدة والضرورة من اعتماد جزئي لهذا التوجه. بل أن يعود القدر العادل من الثروة التي جناها الأفراد والشركات من عمل المستعبدين والمسترقين إلى أحفاد هؤلاء الموثقين.

الولايات المتحدة في القرن الواحد والعشرين تعيش في زمن "البيانات الكبرى". الميل إلى التوثيق الدقيق كان قائما في هذه البلاد منذ نشأتها. إمكانية جمع كافة البيانات، حول المستعبدين المستقدمين قسرا، ومن أسرهم وعبر بهم المحيط، ومن اشتراهم، ومن سخرّهم، ومن حقق الأرباح من ناتج عملهم، ومن باع ذريتهم، ومن اشتراها، وصولا إلى حين الاعتاق، وما جرى لأجيال الأحفاد بعدها. كلها بيانات موجودة، وإن كانت إلى أمس قريب عصية عن الجمع المفيد.

سلاح المعترضين سوف يكون دون شك الطعن بالأهلية والصلاحية. سبل إثبات الأهلية وثائقية ومخبرية، والمادة واسعة ومتوفرة. أما مسألة الصلاحية، فالمقاضاة المطلوبة مدنية، لا جنائية، وانطباقها على الماضي قابل للتأكيد بالحجة، وهو أيضا يستفيد من سوابق، ولا سيما منها الإقرار دون اعتراض بحق اليهود في استرداد الأموال المنهوبة خلال الحرب العالمية الثانية.

بعض كبرى الشركات القابضة في الولايات المتحدة تعود في أصولها المالية إلى زمن الاستعباد. فالمسألة اليوم ليست بإقصار التعويض عن ناتج العمل المسلوب من المستعبدين على المواطن العادي، والذي قد يكون بدوره من أصول متواضعة، أو جاء أباؤه البلاد متأخرين. هذا لا يعفيه أبدا، إذ هو استفاد من هذا السلب دون شك، وإنما بقدر ضئيل بالمقارنة مع أصحاب رؤوس الأموال. والقضية ليست نظرية. أصبح بالإمكان إعداد جردة، بالأرقام والمعطيات والبيانات، للحقوق المالية للأفارقة الأميركيين كأفراد، وإن على أقدار مختلفة من الدقة والصعوبة. غير أن الانتقال، غير الحصري، من الجماعة المشخصنة إلى الأشخاص الحقيقيين من شأنه أن يضع القضية في إطار الدين الذي لا بد من تسديده.

البديل عن هذا التصور قد يكون بأن كل شارع، كل مبنى، كل مصنع، كل سيارة، كل شيء في هذه الولايات المتحدة ملوّث بفعل جناية سرقة، والمجني عليهم، أحفادهم، حاضرون مغبونون، ولكنهم بالتأكيد ليسوا صامتين. وحقوقهم ثابتة باستمرار مطالبتهم بها.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.