قدم الموقف العربي من صفقة القرن مثالا جديدا على أن العرب يتعاملون مع قضاياهم بطريقة تختلف عن بقية العالم. الدولة في العالم المعاصر تقوم ابتداء من وحدتها الأساسية المكوّنة لها وهي المواطن الفرد، وواجب المنظومة السياسية التي تدير الدولة تقديم أساسيات الحياة من غذاء وسكن وأمن ورعاية صحية وتعليم وكافة الخدمات بما فيها وسائل الترفيه لهذا المواطن. ويعبّر الأفراد عن رضاهم أو تذمّرهم من سياسات حكوماتهم في الانتخابات الدورية التي تدور حملاتها حول هذه القضايا المعيشية، بينما تأتي القضايا الوطنية بما فيها مواجهة التهديدات الخارجية في المرتبة الثانية.

وهذا يشمل حتى المناطق التي شهدت صراعات على خلفيات قومية أو طائفية، فإيرلندا الشمالية مثلا التي كانت لعقود طويلة ساحة حرب دموية بين الكاثوليك الإيرلنديين والبروتستانت البريطانيين، تحوّلت خلال عقدين فقط بعد توقيع اتفاق سلام عام 1998 تخلى فيه الإيرلنديون عن مطلبهم بالاستقلال عن بريطانيا إلى مركز لتقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتسارعت زيادة الرواتب فيها لأرقام قياسية بحيث أصبحت مقصدا للباحثين عن حياة أفضل.

وفي إقليم كتالونيا الذي يطالب بالاستقلال عن إسبانيا يناقش الكتالونيون مطلبهم الوطني المحق آخذين بعين الاعتبار انعكاس الانفصال على حياتهم اليومية، ويقف بعضهم ضد الانفصال لسبب قد يبدو غريبا عند أصحاب الشعارات الوطنية وهو عدم إمكانية فريق برشلونة لكرة القدم اللعب بالدوري الإسباني إذا استقلّ الإقليم.

لا يحاسب القادة على ما يترتب على قراراتهم من نتائج كارثية

وضمن نفس الأولويات يناقش سكان اسكتلندا استقلالهم عن بريطانيا، ومع أن لهذه الصراعات تاريخ دموي طويل أقدم بكثير من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، لكن حسب الثقافة الغربية يجب أن يكون الهدف من أي قرار يتم اتخاذه تحسين ظروف حياة المواطن.

وضمن طريقة التفكير الغربية هذه رأى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن خطة السلام التي عرضها مؤخرا فرصة للشعب الفلسطيني يجب أن يغتنمها لأنها تعده بحياة أفضل وتمنح أطفاله ما يستحقونه من أمان وغذاء وسكن وخدمات تعليمية وصحية بدل انتظار مساعدات الدول المانحة، واعتقد بأن لهذه الأمور الحياتية الأولوية عند أي حكومة أو سلطة فلسطينية.

ولكن في الجانب الفلسطيني وحسب الثقافة العربية السائدة، لا قيمة للفرد ولا لمعاناته وظروف حياته البائسة أمام مفاهيم مجردة مثل الوطن أو الطائفة، ففي سبيل هذه المفاهيم تهون التضحية بالأفراد.

ظهر ذلك في طريقة تعبير شريحة واسعة من الفلسطينيين عن رفضهم لما اصطلح على تسميته شعبيا بـ "صفقة القرن"، حيث رفع العلمانيون صور علم فلسطين ورفع الإسلاميون صور المسجد الأقصى، وفي الثقافة العربية هذه ليست مجرد رموز تستخدمها مجموعة من البشر لتمييز نفسها عن سواها، بل هي رموز مقدسة أكثر أهمية بكثير من الأفراد المنضوين تحتها، والواجب الطبيعي على الأجيال الفلسطينية حسب هذه الثقافة أن تموت وتعاني إلى ما شاء الله حتى يبقى علمها مرفوعا أو حتى لا "يدنّس" الغرباء مقدساتها.

كما أن الكلمة في الثقافة العربية أكثر أهمية من الفكرة أو الموضوع، والعبارة هي التي تشكّل الموقف وتدفع باتجاه اتخاذ قرار معين؛ فـ"العربي" مثلا قد يقتل ابنته من أجل كلمة "العار" أو "الفضيحة"، وتعطي هذه اللغة لرافضي صفقة القرن كل ما يحتاجون إليه من الجمل المنمّقة والعبارات الخطابية ليستخدموها في الرد عليها، مثل "القدس ليست للبيع"، أو "لا لدولة منقوصة السيادة" بالإضافة لللاءات التي يكررها العرب منذ سبعة عقود دون تغيير "لا للاستسلام ولا للمسّ بالثوابت الوطنية ولا لتصفية القضية الفلسطينية".

من الصعب على من يعيش في عالم الشعارات أن يقبل بالحلول السياسية

ولكن الإيمان بهذه العبارات الجذابة يصطدم بحقائق مختلفة على الأرض، فالهجرة وترك هذا الوطن "المقدّس" إلى عالم جديد يقدم له حياة كريمة هي أولى أحلام الشباب العربي. كذلك فإن من أكبر مخاوف عرب 1948 أن يتم إلحاقهم بالدولة الفلسطينية المقترحة، وذلك ليس فقط لأن دخل فلسطيني الجليل مثلا أكبر بعشر مرات من دخل فلسطيني غزة، بل لأن كرامة فلسطيني الجليل مصانة أكثر من كرامة نظيره ابن غزة، رغم أنه حسب عالم الشعارات فإن سكان غزة محكومون من قبل أبناء جلدتهم وبالتالي يجب أن يكونوا أعزاء في بلدهم، ولكن الواقع غير ذلك نتيجة انعدام الحرية السياسية والثقافية والاجتماعية في غزة كما هو الحال في بقية بلاد العرب من المحيط إلى الخليج، ولا أحد يعرف كيف يكون الوطن عزيزا إذا كانت كرامة أبنائه ممتهنة من قبل حكامه.

وكذلك من الصعب على من يعيش في عالم الشعارات أن يقبل بالحلول السياسية لأنها تعني نيل بعض المطالب والتنازل عن أخرى. فعند توفّر رغبة حقيقية في السلام وتقدير انعكاساته الإيجابية على حياة أبناء البلد، لن يستطيع خلاف على بضعة أمتار من الأرض إفساده. لكن الذين يستخدمون عبارات إنشائية من نوع "لا تنازل عن ذرة من تراب الوطن"، يقطعون الطريق على أي مبادرة تقود إلى حلول واقعية، كما أن المقتنعين بأهمية السلام يعرفون أنه لا بديل عن المفاوضات التي يطرح فيها كل طرف مطالبه، بينما يقول دعاة "الممانعة" إن أي لقاء أو مصافحة بين إسرائيلي وعربي هو تطبيع مرفوض مع "العدو الصهيوني"، ففي عالم الشعارات لا وجود للحلول الوسط.

وفي مناخ المزاودات لا يطلب من القيادات الفلسطينية أن تقدم بديلا عن المبادرات التي ترفضها، بل يكفيها أن تكرر ما فعله أسلافها بدعوة الجامعة العربية والأمم المتحدة لاجتماعات عاجلة والاتصال بالدول الشقيقة والصديقة والتي يقل عددها باستمرار وإصدار بيانات شجب واستنكار ليس لها أي قيمة أو انعكاس على الأرض، وكذلك لا يحاسب القادة على ما يترتب على قراراتهم من نتائج كارثية طالما أنها كانت منسجمة مع الخطابات الحماسية المعتادة.

فلم يدع أحد إلى محاسبة أو حتى انتقاد الزعماء الذين رفضوا قرار التقسيم في أربعينيات القرن الماضي أو قرار 242 بعد حرب 1967، رغم أن كثيرين من الفلسطينيين اليوم يعتبرون أن هذا الرفض كان خاطئا، بل ينظر إلى هؤلاء القادة كأبطال في الذاكرة الجمعية الفلسطينية.

يجد الكثيرون صعوبة في فهم المواقف الفلسطينية التي تتكرر بدون تعديل منذ أكثر من سبعة عقود

وهذه الذاكرة ترى أن الديكتاتوريين العرب كصدام حسين ومعمر القذافي وحافظ الأسد أبطال لأنهم كانوا يرددون نفس منظومة الشعارات هذه، رغم أنهم هذا الشعارات بقيت حبرا لا قيمة له تتجاوز قيمة الورق الذي سال عليه؛ هذا بالإضافة إلى أن الفلسطينيين والعرب يدركون أن حجم جرائم هؤلاء (صدام والقذافي والأسد) بحق شعوبهم وحتى بحق الفلسطينيين كان كبيرا.

وفي نفس الوقت يعتبر هذا العقل الجمعي أن من اتخذ مواقف بعيدة النظر مثل الرئيسين الحبيب بورقيبة وأنور السادات خونة مع أنهم بذلوا كل ما في استطاعتهم من أجل إقناع الفلسطينيين وبقية العرب بعدم تفويت فرص السلام.

والأهم من كل ذلك أنه مع غياب الديمقراطية ليس بالإمكان معرفة الرأي الحقيقي للإنسان الفلسطيني في الضفة وغزة المعني الحقيقي بصفقة القرن، فتهم الخيانة والعمالة جاهزة لكل من يريد حياة أفضل لأطفاله، والسلطات الفلسطينية لا تمسك بالسلطة حسب آليات ديمقراطية، ولذلك فإن الخيار الأسهل والأقل مخاطرة بالنسبة لها هو رفض المبادرات السياسية لأنها تخشى على سلطتها من تجّار الشعارات الشعبوية إذا قامت بخطوات جريئة باتجاه السلام، رغم معرفتها بأنها لا تستطيع القيام برد فعل مؤثر إذا ما اعتبرت إسرائيل مثلا أن المناطق التي منحتها لها "صفقة القرن" قد أصبحت تابعة لها وبدأت فعلا بالبناء وتوسيع الاستيطان فيها دون أن تقوم بالمقابل بإخلاء المناطق التي من المفروض أن تذهب للفلسطينيين ضمن عملية تبادل الأراضي.

لذلك يجد الكثيرون في الغرب صعوبة في فهم المواقف الفلسطينية التي تتكرر بدون تعديل منذ أكثر من سبعة عقود خصوصا أن الفلسطينيين يتوقعون في كل مرة أن يحصلوا على نتائج مختلفة بإتباع نفس الأساليب القديمة.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.