533721 4

حازم الأمين/

قال لي ديبلوماسي غربي يعمل في بيروت إن كل لقاءاته بسياسيين لبنانيين انتقلت من المقاهي إلى المنازل، ذاك أن هؤلاء صاروا يتفادون التواجد الأماكن العامة تفاديا لمواقف مثل تلك التي واجهها النائب زياد أسود أو النائب إيلي الفرزلي وغيرهما كثيرون ممن تعرضوا لطرد أو للشتيمة أثناء تواجدهم في المقاهي والمطاعم في بيروت!

والحال أن "نواب الأمة" يعرفون إذا أنه لم يعد مرغوبا بهم بين الناس، ويعرفون أنهم ارتكبوا بحق ناخبيهم ما ارتكبوه، لا بل أنهم "يتفهمون" أي انفعال يواجهونه في الشارع وفي السيارة وقريبا في مكاتبهم وربما منازلهم، وعلى الرغم من ذلك توجهوا نهار الثلاثاء الفائت كالقطيع إلى مجلس النواب، ومنحت غالبيتهم الثقة لحكومة يرفضها الناس، فيما تولى من حجب الثقة تأمين النصاب لانعقاد الجلسة في محاولة لمراوغة الشارع، وللتعمية على فساد يخترق الطبقة السياسية التي يتشكل منها نصاب الفساد والارتهان والمهانة اللبناني.

مواجهة هذه السلطة صارت تقتضي قدرا أكبر من المراوغة

كان مذهلا بالفعل قدرة هؤلاء السياسيين على تحمل المهانة، وهي مهانة مضاعفة؛ مهانة الشارع الذي اخترقت مواكبهم المصفحة الجدران البشرية التي نُصبت لهم فيه، ومهانة رؤسائهم الذين ساقوهم كما تساق الإبل إلى قاعة التصويت.

ومرد الذهول هو ما تنطوي عليه فعلتهم من طاقة على هضم الإهانة. ما قاله النائب سليم سعادة الذي تعرض للكمة على وجهه أثناء محاولته اختراق المتظاهرين بسيارته، يضاعف الذهول، إذ قال "كنت أعرف أنني سأتعرض للضرب، وكان سائقي يعرف أيضا، لكنني وعلى رغم ذلك قررت التوجه إلى المجلس"!. هذا لسان حال جميع النواب في ذلك اليوم.

لا أمل في هؤلاء، والرهان على نقل الاحتجاج من مضامينه العامة إلى ضغط شخصي فشل بعد يوم الاقتراع، ذاك أنهم فاقدون لمشاعر يمكن أن تدفع المرء للانكفاء. حين كان موكب أحدهم يخترق الحواجز البشرية في يوم التصويت، كان يتحول واحدهم إلى كتلة معدنية مصفحة. وحين كان المتظاهرون ينهالون بالحجارة أو بالبيض على سياراتهم، لم يكون المشهد أكثر من ارتطام حجر بحديد مصفح. أحدهم أصابت بيضة وجهه عندما فتح نافذة سيارته كاشفا عن وجهه الصفيق، لكن ذلك لم يتطلب منه سوى توجهه إلى حمام المجلس ليغسل وجهه ويتابع بعدها جلوسه في مقعده في القاعة، وكأن شيئا لم يكن.

لكن يبدو أن الجشع أقوى من أي غريزة أخرى، فأن تشهد جلسة المناقشة استعادة لاحتمال رسو بواخر الكهرباء على شواطئنا، فهذا ما يُجدد طموحات هؤلاء بحصص من احتمالات الفساد والنهب، والأرجح أن من حضر الجلسة وأمّن النصاب، من معارضين مفترضين للحكومة، جاؤوا لكي يحجزوا لأنفسهم حصة، ولكي لا تفوتهم فرصة سرقة، ذاك أنهم، وعلى رغم بقائهم خارج الحكومة وعدم منحها ثقتهم، جزء من التوازن الذي تشكلت على أساسه عملية تحويل الدولة إلى حصص توزع بالتساوي على مافيات الطوائف المنتخبة.

كان مذهلا بالفعل قدرة هؤلاء السياسيين على تحمل المهانة

مواجهة هذه السلطة صارت تقتضي قدرا أكبر من المراوغة. يجب المواظبة على إشعارهم بالحصار، لكن أيضا يجب الشروع ببناء قاعدة معلومات موثقة والتوجه بها نحو مؤسسات قضائية دولية، بهدف عرقلة عمليات غسل الأموال التي يجريها هؤلاء في الأماكن التي يرسلون إليها ثرواتهم. وهناك تجارب كثيرة على هذا الصعيد يمكن الاستعانة بها، كما أن هيئات دولية احترافية في مجال الاستقصاء يمكن الاستعانة بخبراتها، وبكم هائل من المعلومات التي بحوزتها، والتي يحتاج فرزها وتعقبها إلى فِرَق تقصٍ محترفة، وهؤلاء متوفرون بيننا.

لقد أقدمت هذه الطبقة السياسية على عملية سطو معلنة على مدخرات الناس، ومن السذاجة أن نتوقع أن تبدي خجلا من مهمة أقل لصوصية من واقعة السطو، ومن المنطقي أن ينزع النواب وجوههم وأن يودعوا كراماتهم في خزنات منازلهم ويتوجهوا إلى مجلس النواب لكي يجددوا تفويض الحكومة بمواصلة نهب ما تبقى في جيوب المواطنين. وأول بشائر هذا التفويض هو عودة الحديث عن بواخر الكهرباء.

الحكومة نالت الثقة ونالت النصاب، لكن المتظاهرين حولوا ذلك اليوم إلى وصمة عار على جبينها وعلى جبين رؤسائها الكثر. والـ"مومانتوم" في طريقه لكي يصبح أسرع، فقريبا جدا سيتسارع الانهيار، وستكشف الدولة عن مزيد من العجز، وسيرسل النواب والوزراء عائلاتهم إلى سويسرا والمنتجعات الأخرى تجنبا لمفاعيل الانهيار، ويجب أن نكون بانتظارهم هناك. يجب أن يبدأ الحصار من هناك أيضا، ففي تلك البلاد لدينا فرصة.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هي العونية؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

"نواب الأمة" عارها A0857A3E-B467-4559-9319-B156C0BB6D30.jpg Reuters نواب-الأمة-عارها متظاهرون في بيروت رفضا لحكومة حسان دياب 2020-02-13 14:01:17 1 2020-02-13 14:06:17 0

Lebanon's President Michel Aoun presides a cabinet session at the Baabda palace, Lebanon October 21, 2019. REUTERS/Mohamed…
ميشال عون مترئسا إحدى جلسات الحكومة اللبنانية

لم يسبق للبنان أن عرف موجة من الشائعات تطال حياة رئيس الجمهورية، كما عرفها في بداية هذا الأسبوع.

لم يقدّم أحد خلفية واضحة لهذه الشائعات التي طاولت حياة الرئيس ميشال عون ولا لأهدافها ولا للمستفيدين منها، حتى يستطيع إلقاء شبهة على طرف محدّد.

أقرب تفسير إلى المنطق ربط بين هذه الشائعات وعمر عون "المُعلّن" الذي ناهز عامه الخامس والثمانين. الدليل على ذلك، أن شائعات من النوع نفسه استهدفت المطربة اللبنانية الكبيرة "فيروز" التي يكاد عمرها يوازي عمر عون.

ولكن، كان لمكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية رأي آخر، فهو، إذ هدّد بملاحقات قضائية تستهدف مروّجيها، وجد أن "هذه الشائعات الرخيصة هدفها خلق بلبلة في البلاد وبث القلق في نفوس المواطنين".

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز

وعلى الرغم من هذا البيان، فإنّ القضاء اللبناني لم يطلق أيّ ملاحقة، ولم يُعلن حتى عن فتح تحقيق لمعرفة مصادر هذه الشائعات التي ألقى عليها مكتب الإعلام الرئاسي "لبوس المؤامرة".

لنترك الخلفيات جانبا، طالما أنها موزّعة، بالتخمين، بين "جاذبية السن" وبين "لبوس المؤامرة"، ولنستخلص العِبَر.

الرئيس والمطربة

في مقارنة بسيطة بين الشائعات المتشابهة التي استهدفت عون وبين تلك التي استهدفت فيروز، يتّضح، بما لا يقبل الشك، أن العاطفة الشعبية تجاه المطربة اللبنانية كانت، بغالبيها، إيجابية، فيما كانت، بالنسبة لعون، في غالبيتها، سلبية.

فيروز لم تكن بحاجة إلى "جيش إلكتروني" لتُظهر تعلّق الناس بها، ولا إلى مكتب إعلامي ليُغطّي الشائعات بأبعاد تآمرية. عون، بلى.

عندما جرى نفيّ الشائعات المتصلّة بفيروز، انصبّ عليها المديح. بالنسبة لعون، حصل النقيض.

لا يحتاج التفتيش عن أسباب هذا التباين في التفاعل إلى عناء كبير، ففيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه.

اللبنانيون، في الواقع، يهربون من كابوس يمثلّه عون إلى الحلم الذي تُدخلهم إليه فيروز.

وعندما تُغمِض فيروز عينيها، في تلك اللحظة الحتمية، باتت تعرف أنها ستحمل معها عطر محبّة الناس. الشائعات التي استهدفت عمرها لم تتآمر عليها، بل قدّمت لها خدمة ذهبية. أعطتها عيّنة مبكرة عن العاطفة الجيّاشة التي يختزنها الناس لها. أفهمتها أن نهاية الجسد لن يكون إلا تخليدا للمجد.

في المقابل، وبالنسبة لعون، ونظرا للتعليقات التي واكبت انتشار الشائعات ومن ثم نفيها، لم يكن ممكنا إلا التلطّي وراء "نظرية المؤامرة".

الشائعة... فرصة!

ولكن، أليس الأجدى اعتبار ما حصل فرصة للتأمّل واستشراف الآتي الذي يستحيل نفيه وتصحيحه والتذاكي اللفظي عليه؟

إن التدقيق في الشائعات المتصلّة بحياة الإنسان، يُظهر أن فيها ملامح هذا الخيال الروائي والرومانسي والدرامي، حيث يُمنح المرء فرصة العودة إلى الأرض بعد موته، من أجل إنقاذ من تقاعس عن إنقاذه، وتصحيح ما تلكأ عن تصحيحه، وإفهام رسالة كان قد فشل في إيصالها.

الشائعات التي استهدفت حياة عون، منحته هذه الفرصة التي طالما تمنّاها الإنسان وخصّبها الخيال، فهل يستغلّها للتأمّل بما يثير نقمة غالبية اللبنانيين عليه؟

مسبّبات هذه النقمة لا تحتاج إلى تنقيب، بل هي متوافرة بسهولة، ولا يستلزم فهمها سوى إسقاط المكابرة الإنسانية التي تدفع المرء، رئيسا كان أم مرؤوسا، إلى إقناع نفسه بما يستنبطه من تبريرات، لإثبات صحة كلّ ما يقدم عليه.

فيروز حملت اللبنانيين على جناح حنجرتها الى الحلم بالعَظمة والعدل والمساواة والسلام والوطنية والاستقامة والإبداع والحب، فيما عون يتحمّل كلفة الكابوس المرعب الذي يعيشونه

وفي ما يأتي بعض "الإحداثيات" الصالحة لواجب المراجعة.

إن رئيس الجمهورية في لبنان، حتى لو أراد ذلك، فهو لا يمكن أن يكون ديكتاتورا، فلماذا، والحالة هذه، يستعجل كثيرون موت العماد عون، كما استعجلوا ويستعجلون موت أي ديكتاتور؟

ما هي العلاقة التي تربط هذه العاطفة الشعبية السلبية بمحاولات عون "توريث" صهره جبران باسيل رئاسة الجمهورية، في ظل نظام ديمقراطي يقوم، بالمبدأ، على الانتخاب الحر؟

كيف يُمكِن لمن يُطلِق على نفسه لقب "بيّ الكل"(والد الجميع) أن يكون في نهجه الوطني حزبيا، فيتبنّى مصالح قيادة الحزب التي اختارها وفرضها بنفسه، متوهما أنها هي نفسها مصالح سائر اللبنانيين؟

كيف يُعقَل لمن بنى قامته السياسية على شعارات السيادة وخاض حروبا في سبيلها، أن يكون عاملا أساسيا، في مسار رهن مصير لبنان إلى "الحرس الثوري الإيراني"، من خلال تبادل صفقة نفعية مع "حزب الله"؟ 

كيف يمكن لمن يربط بين معافاة لبنان المالية والاقتصادية بمكافحة الفساد أن يكون عائليا في تطلعاته، حزبيا في قراراته، مصلحيا في تحالفاته، وفقيها لانحيازه؟

الموت لا تصنعه شائعة. الشائعة تصلح فرصة لحياة... تستحق المديح.