في الوقت الذي يدور نقاش مُحتدم في الأردن حول آلياته وخطته لمواجهة خطة السلام الأميركية المعروفة بـ "صفقة القرن"، يثور سؤال آخر ممزوج بطعم القلق إن كان النظام الأردني سيتعرض للمعاقبة بسبب موقفه الرافض والمُحرض ضد "صفقة القرن" على المستوى العربي والإقليمي والدولي.

حتى الآن لا توجد إجابات رسمية مُعلنة عن خطة الأردن للتصدي لـ "صفقة القرن" أكثر من تجاهلها وعدم التعامل معها، والاتكاء على الرفض الفلسطيني الصريح لإسقاطها وإفشالها، ومحاولة تقديم وإظهار المجموعة العربية بموقف واحد مُصر على مُبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية.

المخاوف الأردنية من العقوبات عبر عنها بشكل صريح رئيس الوزراء الأسبق عبد الرؤوف الروابدة؛ حين أعلن أن الأردن سيتعرض للحصار، وسيدفع ثمنا غاليا لمواقفه، وعلى الناس أن تكون مُستعدة لذلك.

ولكن هذا التحذير يجد مُخالفين له يروْن أن الإدارة الأميركية حتى تحت ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب ـ الأكثر اندفاعا لتأييد ومُساندة إسرائيل ـ لن تُقدم على خطوات فعلية لمُعاقبة الأردن أو عزله.

أصحاب هذا الرأي يقدمون شروحات ومُبررات كثيرة لاعتقادهم أن الأردن لن يُحشر في الزاوية، وستبقى العلاقات مع واشنطن مُستقرة حتى وإن أغضب موقف الأردن الطاقم الذي يُدير ملف "صفقة القرن" وعلى رأسهم كبير مستشاري البيت الأبيض جاريد كوشنير.

خضع الأردن من قبل لعقوبات قاسية حين عارض الحرب والتدخل الأميركي والدولي لتحرير الكويت عام 1990، بعد أن احتلها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، ففي ذلك الوقت قرر الرئيس جورج بوش الأب وقف المساعدات الأميركية لعمّان، وتزامن ذلك الموقف مع قرار الدول الخليجية بوقف كل المساعدات للأردن، وصنفت النظام الأردني آنذاك باعتباره من "دول الضد"، ورغم كل محاولات الراحل الملك الحسين لما يقرب العامين من فك الحصار السياسي والاقتصادي عن بلاده، إلا أنها باءت بالفشل.

خضع الأردن لعقوبات قاسية حين عارض التدخل الدولي لتحرير الكويت عام 1990

وظلت عمّان المُصنفة على أنها تؤيد النظام العراقي السابق تُعاني من الهزات الارتدادية لحرب الخليج، إلى أن بدأت تباشير ما سُمي عملية السلام التي استهلت بمفاوضات مدريد والوفد الأردني الفلسطيني المُشترك عام 1992، عندها بدأ شعار "دول الضد" يخبو، وبدأ الأردن قادرا على تحقيق اختراقات دولية وإقليمية، وبدأ يستعيد دوره كلاعب أساسي في المنطقة بعد سنوات من الإقصاء والتهميش.

هل يتكرر الآن سيناريو الحصار للأردن؟ هل تذهب الإدارة الأميركية إلى مزيد من إجراءات التصعيد ضد عمّان، خاصة إذا ما فاز ترامب بالانتخابات المقبلة، وتمكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو من الصمود والبقاء في المسرح السياسي بعد الانتخابات الثالثة التي ستجري بداية الشهر المقبل؟

لا تجد في أروقة الدولة الأردنية أن سيناريو التصعيد والأزمة مع واشنطن مطروح على طاولة البحث وأن حدوثه وشيك. المسؤولون الأردنيون يفسرون ما حدث بأنه لم يكن مفاجئا للإدارة الأميركية، فمنذ بدء التسريبات عن "صفقة القرن" والأردن يقدم سردية واضحة لمواقفه؛ فهو لا يُعارض حتما تقديم رؤية للسلام، لكنه لا يقبلها حين تتعارض مع مصالحه الوطنية. ويضيف هؤلاء أن هذا الخطاب قيل للرئيس ترامب وكوشنير، وهذا ما تجلى حين عارض الأردن قرار الإدارة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها.

حين حدث ذلك لم يرتجف الأردن من تهديدات ترامب بمُعاقبة دول العالم التي صوتت ضد القرار في الجمعية العامة للأمم المُتحدة، وذهبت تهديداته بقطع المُساعدات أدراج الرياح؛ بل على العكس نجحت عمّان بتوقيع اتفاقية المساعدات بعد ذلك بزيادة واضحة للسنوات القادمة. واليوم يقدم الكونغرس موازنته لدعم الأردن بقيمة مليار و275 مليون دولار لعام 2021.

مهما غير ترامب من قواعد اللعبة السياسية في واشنطن؛ فالأردن يعلم أن أميركا في نهاية المطاف ليست ترامب والمستشارين في البيت الأبيض فقط، وما زال لعمّان مُناصرين وأصدقاء في الإدارة الأميركية، والكونغرس، وهؤلاء كانوا ومازالوا يشكلون رصيدا داعما له و"وسائد صد" تحميه من أي إجراءات عقابية مُحتملة.

لا ترى المجموعات المناصرة للأردن داخل أميركا أن الدور الأردني يختزل بمواقفه من عملية السلام في الشرق الأوسط، وإنما تجده من أفضل الشركاء لهم في مكافحة الإرهاب، واستدعاء خطاب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في الألفية الثانية ما زال ممكنا حين أشاد بجهود المخابرات الأردنية حتى يهنأ الشعب الأميركي باحتفالات الألفية.

إذن الخلاصة المبدئية أنه ليس سهلا على إدارة ترامب إن أرادت حشد التأييد داخل المجتمع الأميركي لحصار عمان سياسيا واقتصاديا، فما هو واضح أن مواقفه تتماشى معها الكثير من الدول في العالم والإقليم، وإن كانت واشنطن تُريد اتخاذ موقف متشدد ممن يعرقلون رؤيتها للسلام؛ فإن عليها أن تتخذ نفس الموقف ليس ضد الأردن وحده، وإنما ضد تركيا وباكستان وماليزيا على سبيل المثال لا الحصر.

ربما تُدرك واشنطن أن عمّان الأكثر قربا للسلطة الفلسطينية، والأكثر تأثيرا بمواقفها وهذا صحيح؛ ولكنها فرضية يكون لها قيمتها ووجاهتها بالطرح إن كانت السلطة الفلسطينية مُرحبة وقابلة للتعاطي مع "صفقة القرن"، والأردن هو من يضع العصي في الدولاب، وهذا ليس واقع الحال؛ فالسلطة الفلسطينية تعتبر أن الصفقة تطلق آخر رصاصة على "الحلم الفلسطيني".

ولنفترض أن الأردن رفع شعاري "لن نكون فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم"، و"أهل مكة أدرى بشعابها" وأبدى مرونة في التعاطي مع الرؤية الأميركية، وسعى لتحسين شروطها فيما يتعلق بمصالحة ونقصد تحديدا القدس، واللاجئين، والحدود وتحسين الفرص والدعم الاقتصادي، وتراجع عن اللاءات التي أعلنها العاهل الأردني الملك عبد الله، فهل ستنتهي المعارضة لـ "صفقة القرن؟ وماذا سيحدث لو أصر الفلسطينيون على رفضها فهم أصحاب القرار، وهم أصحاب الأرض ولا يمكن لأي حل سياسي أن يمر دون موافقتهم وتوقيعهم.

لن يقفز الأردن من العربة الأمريكية للعربة الروسية أو يفتح أبوابه لإيران؛ لكنه لن يتراجع عن لاءاته

يبدو أن من أعدوا الخطة الأميركية لم يقرؤوا حتى التاريخ القريب، فالرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات رغم كل الضغوط والحصار الذي تعرض له طوال عقود رفض التوقيع حتى مات؛ ولم تجد، ولن تجد إسرائيل من يقبل بالتفريط بالحقوق الفلسطينية العادلة حتى لو مرت مئة عام أخرى، فهناك خطوط لن يستطيع أي زعيم فلسطيني مهما كان أن يتخطاها ويتجاوزها.

المُتفق عليه أن الوضع السياسي حرج، والأشهر القادمة ستُظهر جدية الإدارة الأميركية بفرض أجندة "صفقة القرن"، وهذا يزيد الجدل عن الخطوات التي يتوجب على الأردن أن يُقدم عليها استباقيا؛ حتى لا يكون الضحية على مذبح المصالح السياسية.

في الأردن تتعالى وتتزايد الأصوات المُطالبة بتحشيد الجبهة الداخلية على غرار ما حدث عام 1990 قُبيل حرب الخليج، ويُطالب سياسيون بسرعة تشكيل حكومة وطنية سياسية قادرة على مواجهة كل الاستحقاقات، وكالعادة تذهب المطالبات السياسية للحكومة إلى تنويع خياراتها الدبلوماسية، والاستدارة عن التحالف التقليدي مع أميركا، وفي هذا السياق يقول د. مروان المعشر وزير البلاط الملكي الأسبق، ووزير الخارجية والسفير الأردني الأسبق في واشنطن لسنوات "العلاقات الأميركية الأردنية على مستوى القادة تمر بأسوأ حالاتها منذ 30 عاما".

لن يقفز النظام الأردني من العربة الأميركية؛ ليجلس في العربة الروسية مثلا، أو مُناكفة واشنطن بفتح الأبواب لإيران؛ ولكنه بذات الوقت لن يستطيع التراجع عن لاءاته في رفض توطين اللاجئين، والوطن البديل، والتنازل عن عروبة القدس، فهذا الخيار لا يمكن قبوله أو السكوت عليه شعبيا.

إذن أسئلة المستقبل حائرة في عمّان، ووعود الرفاه الاقتصادي بضاعة لم ولن يشتريها الأردن، وتماسك الموقف الشعبي والعربي لم يُبدد مخاوف الحكم الهاشمي من استهداف له، وعقوبات مُحتملة لتأديبه وإجباره على التراجع عن موقفه.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.