تحدثت في المقال السابق عن الضائقين ذرعا بالجمود الديني والباحثين عن طرق جديدة للتصالح بين إيمانهم الديني الشخصي، وتحديات العصر. والواقع أن ذلك لا يشمل فقط المسلمين في الدول العربية، وإن كانت أهميته ودلالته هنا أكبر، ولكنه ينطبق أيضا على المسيحيين وغيرهم في الدول الغربية الذين سبقونا في هذا المضمار.

فقدان الثقة

ففي الولايات المتحدة أظهر تقرير لمؤسسة غالوب العام الماضي أن أعدادا متزايدة من الأميركيين فقدت ثقتها في المؤسسات الدينية. والمؤسسات المقصود بها هنا هي الكنائس الرسمية، كما يشمل أيضا تعبير الأديان المنظمة (المسيحية، الإسلام، اليهودية... إلخ).

ففي عام 1975 كان 86 في المئة من الأميركيين إما لديهم ثقة كبيرة أو معقولة في المؤسسات الدينية، لكن هذه النسبة انخفضت إلى ما دون الخمسين في المئة عام 2002، ووصلت العام الماضي إلى 36 في المئة.

هذه الاتجاهات لا تعيد الحيوية فقط لعلاقة الإنسان بالخالق وإنما أيضا تنقلها إلى آفاق جديدة

وبينما يعزي التقرير سبب هذا التراجع الحاد إلى عدد من العوامل، بينها الانتهاكات الجنسية التي لازمت بعض الكنائس في السنوات الأخيرة، والارتباط المتزايد لبعض القيادات الكنسية مع جماعات أقصى اليمين، وكذلك عدم وجود شخصيات كارزماتية في المؤسسات الدينية تتمتع بالكفاءة والنزاهة وعدم التحزب... إلخ، إلا أنه لا يستبعد أيضا أن الناس ببساطة إنما يحولون اتجاهاتهم الدينية والروحية إلى منافذ جديدة ومختلفة، تاركين الدين المنظم خلفهم بشكل متزايد.

ويشير التقرير إلى نقطة مهمة، وهي أن هذا الانخفاض لا يعكس بالضرورة الموقف من الدين نفسه، كما أنه ليس دليلا على تزايد الإلحاد. فعدد الذين يعتقدون بدور ما لله أو الخالق في حياتهم أو في حياة الإنسان عموما لا يزال كبيرا رغم ذلك.

الدين الفردي

وباعتقادي هنا يكمن مربط الفرس، سواء بالنسبة لشعوب الدول الغربية أو المسلمين أو غيرهم من أتباع الأديان. فثمة شعور متزايد بأن الإيمان بالله أو بوجود خالق أو قوة/طاقة ما في الوجود، لا يعني بالضرورة أن الإنسان بحاجة إلى الانتماء إلى دين معين. وبالطبع لا يعني أن عليه الانتماء إلى مؤسسة دينية.

هذا الاتجاه، ليس جديدا، فهو موجود منذ القدم، لكنه آخذ في التزايد بصورة مضطردة في العقود الأخيرة، بحسب ما تبينه عدد من الدراسات الحديثة واستطلاعات الرأي المختصة بالموضوع.

وإحدى آيات هذا التزايد هو الانتشار السريع للاتجاهات الروحانية في العالم، بما في ذلك المجتمعات الإسلامية، والتي تؤكد على الصلة الشخصية والمباشرة بين الله والإنسان، من دون المرور بالضرورة برجل الدين.

هذه الاتجاهات لا تعيد الحيوية فقط لعلاقة الإنسان بالخالق ـ والتي تيبست بفعل المؤسسة الدينية ـ وإنما أيضا تنقلها إلى آفاق جديدة، تحرر الإنسان من الخوف وعقدة الشعور بالذنب، والخطيئة الأصلية، وتصحح صورة الله لدى الإنسان والتي تشوهت بفعل ممارسات وتعاليم المؤسسات الدينية.

الأقاليم الدينية

وفي شأن ذي صلة بالموضوع كان لافتا أن مؤسسة غالوب نشرت قبل عامين (2018) تقريرا عما أسمته بالأقاليم الدينية في الولايات المتحدة، حيث أجرت 130,959 مقابلة مع السكان في ثمانية أقاليم تشمل الخمسين ولاية أميركية.

وفي التقرير جاء إقليم "نيو إنغلاند" في أقصى الشمال الشرقي، والذي يضم ولايات فيرمونت ومين وماساشوستس ونيوهامشر ورود آيلاند وكونيتيكت، الأقل تدينا، يليه إقليم الباسفيك ويضم ولايات الساحل الغربي وهي كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن وآلاسكا وهاواي. فيما أظهر إقليما "ساوث إيست وساوث ويست" ـ واللذان يضمان الولايات المعروفة بحزام الإنجيل وتبدأ من جنوب ولاية فرجينيا، مرورا بنورث كارولاينا وحتى فلوريدا جنوبا وآلاباما والمسيسيبي غربا وحتى ولاية تكساس ـ الأكثر تدينا. أما باقي الولايات فقد تراوحت فيها النسب والأرقام.

بين المدينة والريف

طبعا هذه الأرقام هي على المستوى العام لكل ولاية، لكن البيانات تختلف داخل الولاية نفسها ما بين المدن والأرياف أو المناطق النائية. فكلما اقترب الإنسان من المدينة أو المناطق الحضرية كلما قل التدين التقليدي والعكس صحيح.

ومغزى هذا التفاوت، هو أنه يبين أن الحاجة للارتباط بالمؤسسة الدينية، ليس نابعا بالضرورة من العلاقة المباشرة مع الدين نفسه، بقدر ما يعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية والحاجة إلى الشعور بالانتماء والأمن الاجتماعي.

الأديان المنظمة والمؤسسات الدينية تنتظرها تحديات جسام في المستقبل وخياراتها تضيق مع الوقت

ففي المدن وحيث الجامعات والمؤسسات الكبيرة، وحيث الإمكانية أكبر للانفتاح والاختلاط بالعالم الخارجي، تنتشر قيم الفردية والحرية الشخصية على نحو بارز. ويكون في متناول الإنسان تأمين نمط من المعيشة أكثر استقلالية ولا يعتمد بالضرورة على الآخرين.

بينما في الأرياف أو المناطق النائية حيث ظروف الحياة الأصعب وانعدام التنوع الاجتماعي وضعف الاتصال بالخارج، تجعل الإنسان بحاجة إلى انتماء أو تعريف اجتماعي وثقافي، يتجاوز نطاقه الضيق، وهنا يأتي دور المؤسسة الدينية.

أفضل المخارج

يمكن القول إن الأمر نفسه ينطبق على أجزاء كبيرة من المجتمعات العربية، التي يتشابه نمط الحياة الاجتماعية فيها مع المجتمعات الأميركية الريفية، حيث أن الارتباط بالدين أو المحافظة يتعلق أساسا بالحاجة إلى الشعور بالانتماء والتعريف أو الاندراج ضمن جماعة ما.

لكن هذا الواقع يتغير في الولايات المتحدة وفي العالم أيضا، وإن ببطء، مع اتساع حجم المدن وتآكل الريف وبالتالي ينعكس ذلك على العلاقة بالدين نفسه.

وخلاصة القول إن الأديان لن تختفي والإنسان يظل بحاجة إلى شكل من أشكال الدين، لكن الأديان المنظمة والمؤسسات الدينية تنتظرها تحديات جسام في المستقبل وخياراتها تضيق مع الوقت، ولعل من بين أفضل المخارج أمامها هو الروحانية أو العلاقة الشخصية بين الإنسان وما يؤمن به.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.