منذ خروج مصر من فلك الاتحاد السوفياتي بعد حربها مع إسرائيل في أكتوبر 1973، ومنذ تقويض التحالف الأميركي ـ الإيراني عقب إطاحة الثورة الإسلامية بالنظام الملكي في إيران في 1979، عدّلت الولايات المتحدة من استراتيجيتها في المنطقة بعد هذه التغييرات الكبيرة التي شهدها عقد السبعينيات بما في ذلك الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، والهجوم الدموي الذي شنّه مسلحون متطرفون احتلوا الحرم المكي لأسبوعين، لتتموضع على أربعة أعمدة: اثنان منها عربيان مصر والسعودية، واثنان غير عربيين، تركيا وإسرائيل.

وعلى مدى أربعين عاما كانت إنجازات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها نتيجة لتعاون واشنطن مع واحدة أو أكثر من هذه الدول وأبرزها: معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية؛ احتواء الثورة الإيرانية، بما في ذلك دعم الولايات المتحدة والسعودية للعراق في حربه مع إيران خلال ثمانينيات القرن الماضي؛ هزيمة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان نتيجة تنسيق الجهود الأميركية ـ السعودية ـ المصرية (مع باكستان) لدعم تنظيمات المجاهدين الأفغان؛ والحرب ضد تنظيم "القاعدة" والتنظيمات المتفرعة عنه، وأخيرا هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" كقوة قتالية منظمة في العراق وسوريا.

مشهد جديد

ولكن المشهد الإقليمي اليوم يختلف كثيرا عما كان عليه قبل أربعة عقود. صحيح أن النظام الإسلامي في إيران عزز من نفوذه بشكل كبير في العراق وسوريا ولبنان واليمن، على حساب واشنطن وحلفائها في المنطقة، إلا أن إيران محاصرة أميركيا، ونفوذها في العراق يواجه تحديات جدية. والأهم من ذلك يواجه النظام الإسلامي نقمة شعبية إيرانية وصلت في نهاية السنة الماضية إلى مستويات غير معهودة من التشكيك بشرعيته.

مع هكذا حلفاء في الشرق الأوسط، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى أعداء

الاتحاد السوفياتي، الذي انهار في تسعينيات القرن الماضي، أعطى الحياة لروسيا القومية التي يحكمها الأوتوقراطي الشوفيني فلاديمير بوتين مع عصابة من الأوليغارشية الذين يسعون إلى استعادة النفوذ السوفياتي القديم في أوروبا والشرق الأوسط، والذي ترجمه بوتين بإجراءات عدوانية وتوسعية مثل ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية في 2014 والتدخل العسكري في سوريا في 2015، والتدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأميركية في 2016، وفي الانتخابات الأوروبية لصالح القوى القومية والشوفينية في أوروبا الغربية المعادية للمهاجرين واللاجئين من الشرق الأوسط وأفريقيا.

وبينما كانت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) قبل 40 سنة تتحكم إلى حد كبير بأسواق وأسعار النفط، فقدت هذه المنظمة الكثير من نفوذها اليوم، حيث أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للطاقة في العالم. هذا الواقع الجديد في مجال الطاقة ساهم، إضافة إلى إرهاق المجتمع الأميركي من أطول حربين في تاريخ البلاد: أفغانستان والعراق، بدفع الرئيس السابق باراك أوباما لبدء الانسحاب التدريجي، العسكري والسياسي من منطقة لم تعد واشنطن تعتمد كثيرا على نفطها، وتراها بازدياد عصية على النفوذ الأميركي والإصلاح السياسي واحترام حقوق الإنسان، كما تبين من إخفاق معظم الانتفاضات الشعبية التي عصفت بعدد من الدول العربية في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

تزامن ذلك مع بروز الصين في العقود الماضية كثاني أكبر اقتصاد في العالم، وكقوة مصممة على بسط نفوذها العسكري والسياسي في آسيا وما وراء آسيا، وهو تحد لا تستطيع واشنطن تجاهله وتحول في السنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق أوباما إلى ما يشبه الهاجس.

ترامب والحروب التي لا نهاية لها

خلال حملته الانتخابية، كرر المرشح دونالد ترامب دعوته لإنهاء حروب أميركا "التي لا نهاية لها" في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، مؤكدا رغبته بسحب القوات الأميركية من أفغانستان والعراق.

وبقي ترامب على موقفه بعد وصوله إلى البيت الأبيض، وسعى أكثر من مرة لسحب القوات الأميركية من سوريا، إلى أن نجح قبل أشهر بسحب معظمها، ولا تزال إدارته تحاول التوصل إلى تفاهم مع القوى المختلفة في أفغانستان، بمن فيها حركة "طالبان" يسمح له بسحب حوالي نصف عديد القوات الأميركية من أفغانستان.

تتعرض إسرائيل إلى انتقادات متزايدة من سياسيي الحزب الديمقراطي

صحيح أن ترامب أمر بإرسال قوات جديدة بحرية وجوية إلى منطقة الخليج لردع إيران في اعقاب هجماتها العسكرية ضد منشآت النفط السعودية وفي أعقاب تفجير ناقلات نفط يملكها حلفاء واشنطن في الخليج وأوروبا، إلا أن هذه الإمدادات لا تغير من حقيقة أن الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج لن يبقى على هذه المستويات لوقت طويل، كما أن الاهتمام السياسي بالشرق الأوسط ونزاعاته، ينحسر وسوف يستمر بالانحسار، كما نرى من تسليم واشنطن بأن موسكو هي الطرف الدولي الأكثر تأثيرا في النزاع في سوريا وإلى حد أقل في ليبيا.

الإعلان الأخير عن ما سمي بخطة أميركية لتحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل لا يغير من حقيقة أن الولايات المتحدة في عهد ترامب قد تخلت كليا عن دورها كوسيط شبه نزيه بين العرب وإسرائيل.

إسرائيل في الذاكرة الجماعية الأميركية

خلال الأربعين سنة الماضية تغيرت علاقات الولايات المتحدة بهذه الدول الأربعة، كما تغيرت مكانة هذه الدول لدى الشعب الأميركي وممثليه في الكونغرس. ولعل المفارقة الصارخة في هذا السياق هي أنه في الوقت الذي طوّر فيه الرئيس ترامب علاقات شخصية وودية مع الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس التركي طيب رجب إردوغان ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو ـ وجميعهم متهمون إما بالفساد أو بالتسلط وإساءة استخدام صلاحياتهم أو ترهيب واغتيال خصومهم ـ نجد أن مكانة هذه الدول الأربعة لدى الأميركيين قد انحسرت وتراجعت، ولم تعد هذه الدول تحظى بثقة وتأييد العديد من المشرعين الأميركيين أو المؤثرين على الرأي العام.

الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والتركي رجب طيب إردوغان

وحتى إسرائيل التي لا تزال تتمتع بتأييد ملحوظ في الكونغرس، فقدت مكانتها السابقة في الذاكرة الجماعية للأميركيين كدولة ديمقراطية تستحق الدعم الأميركي، بسبب انتهاكاتها السافرة لحقوق الفلسطينيين، وجنوحها اليميني الشوفيني المتمثل بالتحالف الحاكم والذي يضم شخصيات سياسية معروفة بعنصريتها ضد الفلسطينيين وتعصبها الديني.

وتتعرض إسرائيل وسياساتها في الأراضي المحتلة إلى انتقادات متزايدة من سياسيي الحزب الديمقراطي وقادته في الكونغرس، كما تتعرض حكومة نتانياهو إلى انتقادات ملحوظة في أوساط اليهود الأميركيين. المرشح الديمقراطي السناتور بيرني ساندرز وصف نتانياهو في أكثر من مناسبة "بالعنصري". المرشحة الديمقراطية السناتور اليزابيث وارن، دعت إلى ربط المساعدات الأميركية لإسرائيل باستمرار التزام الحكومة الإسرائيلية حل الدولتين، وأنه إذا استمر الاستيطان الإسرائيلي وتهديد هذا الحل فإن المساعدات الأميركية سوف تكون "على الطاولة" في حال انتخابها، أي أنها ستكون مستعدة لتعليق هذه المساعدات.

مصر والدور الإقليمي المفقود 

في السابق كان للدول الثلاثة الأخرى (مصر، السعودية وتركيا) أصدقاء في الكونغرس وفي أوساط الإعلام الأميركي، ولكن الأمر تغير الآن. خلال جلسات الاستماع في الكونغرس أو خطب المشرعين، لم نعد نسمع مشرعين يتحدثون بإيجابية عن مصر، بل نسمع انتقادات متزايدة لسجل الرئيس عبد الفتاح السيسي الرديء في مجال احترام حقوق الإنسان وميله المتزايد لترهيب من يتجرأ على انتقاده. كما لم نعد نسمع من المحللين عن أهمية مصر وفائدتها للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة.

انكماش دور مصر الإقليمي يبرر تجاهل واشنطن لأهمية مصر الإقليمية

في السابق كان لمصر دور في عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، أو في التنسيق مع واشنطن لمكافحة الإرهاب أو التعاون لمنع نزاعات المنطقة من التأزم أكثر. انكماش دور مصر الإقليمي ـ وهو قرار مصري يعود لحقبة حسني مبارك، ولكنه ازداد خلال حكم السيسي ـ يبرر تجاهل واشنطن لأهمية مصر الإقليمية.

في واشنطن كما في عواصم المنطقة كثيرون يتساءلون: ما هو دور القاهرة في المنطقة؟ دورها في شرق المتوسط شبه معدوم، دورها في الخليج ثانوي للغاية وهو تحت المظلة السعودية. حتى دورها في ليبيا محدود للغاية، وهي بالكاد قادرة على التعامل مع إثيوبيا لإقناعها بعدم تخفيض حجم حصة مصر من مياه النيل خلال تعبئة إثيوبيا للبحيرة الكبيرة التي ستخلقها وراء سد النهضة الضخم. مصر لا تزال عاجزة حتى الآن عن بسط سيطرتها العسكرية الكاملة على شبه جزيرة سيناء حيث كانت تطلب بين وقت وآخر من إسرائيل أن تقصف مواقع المتطرفين الإسلاميين في سيناء.

تركيا، من حليف إلى خصم؟

كانت العلاقات الأميركية ـ التركية جيدة خلال حقبة الحرب الباردة، حين كانت تركيا من أبرز أعمدة حلف الناتو بصفتها الدولة الوحيدة التي كان لها حدود مشتركة مع الاتحاد السوفياتي، وإن عكرتها لفترة وجيزة العقوبات الأميركية العسكرية التي فرضها الكونغرس ضد تركيا في أعقاب غزوها لشمال قبرص في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

ولكن العلاقات بدأت تتأزم منذ الغزو الأميركي للعراق، حين رفضت تركيا السماح للجيش الأميركي باجتياح شمال العراق من الأراضي التركية، وازدادت تأزما مع تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وأكراد العراق.

ومع ميل الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في السنوات الماضية لاعتماد مواقف "إسلامية" ملحوظة داخل تركيا وفي المنطقة مثل الدخول في تحالفات مع "الإخوان المسلمين" في مصر والتعاون مع قطر لدعم الإسلاميين في المنطقة، ومع قمعه لوسائل الإعلام والحريات المدنية، ازدادت الانتقادات الأميركية لتركيا من الكونغرس والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان.

انهارت مكانة السعودية، وسمعة ولي عهدها إلى مستويات متدنية وغير معهودة في الولايات المتحدة

وازدادت العلاقات تأزما عندما رفضت واشنطن طلبات إردوغان استرداد الداعية الإسلامي فتح الله غولن، حليفه القديم الذي تحول إلى خصم كبير من منفاه الطوعي بولاية بنسلفانيا، ووصلت إلى مستويات عالية من التشنج في أعقاب اتهام إردوغان لشخصيات أميركية بالتورط في محاولة الانقلاب العسكري ضده في صيف 2016. 

هذه التطورات مهدت لبروز مشاعر عدائية لأميركا في أوساط الرأي العام التركي المؤيد لإردوغان، وساهمت وسائل الإعلام التي يسيطر عليها إردوغان وحزبه في تأجيجها. ومرة أخرى لجأت الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات عسكرية ضد تركيا، التي انتهكت سياسة حلف الناتو عندما قررت شراء منظومة صواريخ مضادة للطائرات روسية الصنع. هذا التطور وما صاحبه من انتقادات قوية لتركيا في الكونغرس الأميركي أوصل العلاقات إلى أدنى مستوياتها، كما رأى العديد من المحللين.

ولكن مكانة تركيا في أميركا تعرضت إلى نكسة كبيرة حين قررت اجتياح شمال سوريا وضرب القوات الكردية السورية وحلفائها السوريين العرب الذين حاربوا مع القوات الأميركية ضد قوات تنظيم "الدولة الإسلامية" وتكبدوا الكثير من الخسائر. "مباركة" الرئيس ترامب الانتهازية للاجتياح التركي لشمال سوريا لم تغير أو تقلص من حدة الانتقادات لتركيا في الكونغرس أو في الإعلام.

وفي هذا السياق برزت تساؤلات عديدة في أوساط الإعلام ومراكز الأبحاث حول جدوى بقاء تركيا في حلف الناتو. ومن غير المستبعد أن تنتقل تركيا في المستقبل المنظور ـ إذا بقي إردوغان في السلطة ـ من دولة حليفة تقليديا لأميركا إلى خصم جديد لها في المنطقة.

السعودية وزعزعة استقرار المنطقة

خلال ولايته الثانية، حض الرئيس باراك أوباما دول الخليج العربية وخاصة السعودية على ضرورة لعب دور أكبر في حماية نفسها وحل مشاكل المنطقة بما في ذلك "مشاركة" الخليج مع إيران. وليس سرا أن علاقات أوباما مع قادة السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة كانت فاترة وغير ودية.

رأى أوباما أن الاتفاق النووي مع إيران ـ الذي جاء بعد مفاوضات سرية بين أميركا وإيران في عمان، أثارت سخط السعودية ودولة الإمارات ـ كان من أبرز إنجازاته في المنطقة. ولكن أوباما عندما كان في البيت الأبيض لم يدرك أنه ارتكب خطأ كارثيا عندما شجع السعودية على تحمل أعباء الاستقرار في المنطقة، عندما شنت السعودية وحلفاءها حربا جوية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، ساهمت واشنطن بدعمها لوجستيا.

هذه الحرب التي بدأها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، سرعان ما تحولت إلى حرب كارثية وإحدى أكبر المآسي الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. وسقط في القصف العشوائي السعودي آلاف المدنيين والأطفال اليمنيين، ما أدى إلى بروز انتقادات قاسية للغاية ضد السعودية وقرارات من الأكثرية في الكونغرس بوقف الإمدادات العسكرية الأميركية للسعودية، كانت لتنجح لو لم يستخدم الرئيس ترامب حق النقض الفيتو ضدها.

وإذا لم تكن كارثة حرب اليمن التي ارتكبها أمير شاب ومتهور ويفتقر إلى الخبرة والحكمة كافية، قام ولي العهد مع خلفائه في الخليج ومصر بفرض حصار سياسي واقتصادي ضد قطر الدولة العضو في مجلس التعاون الخليجي، الذي أصبح عمليا مجلسا للتناحر الخليجي.

مكانة تركيا في أميركا تعرضت إلى نكسة كبيرة حين قررت اجتياح شمال سوريا

صحيح أن سياسات قطر "الإسلامية" وتعاونها مع تركيا والإخوان المسلمين، (بما في ذلك دعمها السابق لـ"حزب الله" في لبنان) وتدخلها في الشؤون الداخلية لجيرانها واستخدام وسائل الإعلام التابعة لها في هذا التدخل، كلها مواقف تستحق الاستنكار والشجب، إلا أن فرض الحصار عليها، غير مبرر سياسيا أو قانونيا.

لم ينجح الحصار في إرغام قطر على تعديل سياساتها، لا بل يمكن القول إنه دفعها أكثر إلى احضان إيران، وشجعها أكثر على الطلب من تركيا أن تزيد من عديد قواتها المرابطة في قطر. وهكذا ساهمت قطر في إعادة القوات التركية إلى مياه الخليج للمرة الأولى منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية قبل قرن.

وانهارت مكانة السعودية، وسمعة ولي عهدها إلى مستويات متدنية وغير معهودة في الولايات المتحدة بعد الكشف عن تورط الأمير محمد بن سلمان وكبار مساعديه في جريمة اغتيال الصحفي والمعلق جمال خاشقجي الذي كان ينشر مقالات دورية في صحيفة "واشنطن بوست" وتقطيع جثته في القنصلية السعودية في اسطنبول في أكتوبر 2018. ولا تزال أصداء هذه الجريمة تتردد في الولايات المتحدة، على الرغم من محاولات الرئيس ترامب مساعدة صديقه الأمير السعودي على التهرب من تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية لهذه الجريمة.

مع هكذا حلفاء في الشرق الأوسط، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى أعداء.

اقرأ للكاتب أيضا: ترامب المنتصر؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.