534349 4

حسين عبدالحسين/

مقلق أن يتصدر رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر المشهد السياسي في العراق. اهتزاز الرجل فكريا وثقافيا وعاطفيا واضح. تصريحاته غامضة. مواقفه متضاربة. يقول الشيء وعكسه، ويفعل الشيء وعكسه. من غير المفهوم من مات وطوّب مقتدى ملكا على العراق: لم ينتخبه أحد، لم يعينه أحد في أي منصب حكومي، ولم يكن صوته مسموعا لولا أنه من عائلة الصدر. ولم تكن لعائلة الصدر أهمية لولا هوس عدد كبير من الشيعة برجال دينهم، وتطويبهم كقادة عظام.

آل الصدر ينحدرون من رجل دين من جنوب لبنان هرب من سجون والي عكا أحمد باشا الجزار إلى النجف، واستقر فيها، واستقر عدد من أبنائه في إيران. في العام 1959، انتقل موسى الصدر من إيران ليشغل منصب مفتي في جنوب لبنان، وأقنع غالبية شيعة لبنان أنهم مستضعفون مهمشون ماسحو أحذية، وأنه سيحصّل لهم حقوقهم من دولة لبنان. طبعا لم يختلف الشيعة عن باقي اللبنانيين في مستوى انتشار الفقر في صفوفهم، بل كانوا كغيرهم من الطوائف، فيهم من الإقطاع والثراء، وفيهم من النخبة، وفيهم كذلك من المعدومين، وخصوصا في الأرياف.

لم يؤيد الصدر الإطاحة بشاه إيران، ولا هو كان من أصدقاء الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، بل إن الصدر صادق جنرال سوريا الصاعد حينذاك حافظ الأسد (عدو عرفات)، ومنحه فتوى نصت أن طائفة الأسد العلوية هي مذهب إسلامي، ما سمح للأسد بالاستيلاء رسميا على منصب رئيس سوريا. والعلويون ليسوا من الشيعة ولا المسلمين في شيء، بل هي ديانة صوفية باطنية، تؤمن بتناسخ الأرواح، وبعض تعاليم الفلسفة اليونانية. وبعد سنوات من عمله ممثلا لشيعة لبنان، وإجهازه على زعامات الشيعة التقليدية، اختفى الصدر في ظروف غامضة في ليبيا في العام 1978.

تبدو ضحالة فكر الخميني جليّة، وينقل معاصروه عنه تصريحات عجيبة

تزامن صعود الصدر في لبنان مع صعود قريبه محمد باقر الصدر في العراق، وتأسيسه "حزب الدعوة الإسلامية". ولمحمد باقر مؤلفات في الفلسفة والاقتصاد يعتقدها أتباعه أعمالا ذات شأن، فيما هي فعليا ضحلة بمقاييس العلوم الإنسانية. صدر العراق لم يتحول إلى مرجعية دينية عليا، ربما لأنه كان منشغلا عن الدين بالسياسة، وهو كان أول من قدم "الحكومة الإسلامية" بصيغتها الأكثر بدائية، أي أن يلعب رجال الدين دور ناصحي الحكومة، لا أن يحكموا بأنفسهم.

تلقف الخميني هذه الفكرة أثناء سني نفيه في النجف، وطورّها إلى حكومة إسلامية بزعامة ولي فقيه واحد. ومثل فكر الصدر، جاء فكر الخميني عن شكل الدولة الإسلامية ضعيفا مفككا، فهي جمهورية، إذن تستمد شرعيتها من الشعب، وفي نفس الوقت يتربع على رأس الحكم فيها رجل دين بالنيابة عن إمام الشيعة الثاني عشر محمد بن الحسن، الذي يعتقد الشيعة أنه حي ومتواري عن الأنظار منذ 12 قرنا، وأنه سيعود في آخر الزمان، ويسمونه المهدي. هكذا، يصبح مصدر السلطات في "الجمهورية الإسلامية" غامضا: هل هو الشعب؟ أم الإمام الغائب؟ أم من؟

لم يتحمل رئيس العراق الراحل الطاغية صدام حسين محاضرات رجال دين النجف عن شكل الحكم والحكومات، فأراد تصفية الخميني، لولا أن أميركا أوعزت لشاه إيران محمد رضا بهلوي بعدم الموافقة على ذلك. ربما كانت واشنطن تخشى الشيوعية أكثر من الإسلام السياسي، واعتقدت أنه يمكن للشاه الاتكاء على الخميني والدين لمواجهة الخطر الشيوعي. وفي العام 1980، قامت استخبارات صدام بتعذيب محمد باقر الصدر بثقب جمجته بمثقب كهربائي، على غرار إعدامات تنظيم "داعش" الإجرامية.

وفي منتصف التسعينيات، برز صدر ثالث في بغداد هو محمد محمد صادق الصدر، والد مقتدى، وانشغل مثل قريبيه موسى ومحمد باقر بالسياسة أكثر من العبادة، وأفاد من الحصار الاقتصادي الدولي، الذي تسبب بفقر ومجاعة في العراق، ليجني شعبية عارمة في مدينة الثورة، ضاحية بغداد التي اتخذت اسمه بعد انهيار نظام صدام، الذي كان صفّاه في 1999.

وبعد سقوط صدام في 2003، برز مقتدى نجل محمد محمد صادق. منذ ذلك التاريخ والعراقيون مجبورون على مواكبة بهلوانيات مقتدى: يقيم "جيش المهدي"، ثم يحلّه، ثم يقيم "سرايا السلام"، فـ "القبعات الزرقاء". يزور طهران، ثم الرياض، ثم طهران مجددا، ويصدر تصريحا مع عروبة العراق، وآخر يرضي إيران، وبينهما تصريحات غير مفهومة.

لا أفكار تنويرية تذكر للصدريين الأربعة، ولا سبب لما على اللبنانيين أو العراقيين الاستماع لما يقولونه أو الاقتداء به. ومثل الصدريين، تبدو ضحالة فكر الخميني جليّة، وينقل معاصروه عنه تصريحات عجيبة، مثل قوله إن شعوره لدى وصوله طهران من منفاه الباريسي كان "هكذا"، أي لا شعور، وتعليقه على حوار مع الاقتصاديين الذين أرادوا استمزاج رأيه بقوله إن "الثورة الإيرانية لم تأت لتخفّض سعر البطيخ".

ومثل الخميني خلفاؤه: مرشد إيران الأعلى علي خامنئي غالبا ما يطلق تصريحات عجيبة: يريد إقامة "اقتصاد المقاومة"، الذي تبدو نتائجه "الباهرة" في انهيار اقتصادات إيران ولبنان واليمن، ويتحدث في العلاقات الدولية.

ربما حان الوقت أن ينشغل رجال الدين الشيعة بالعبادة، وأن ينشغلوا عن العباد

ومثل خامنئي زعيم "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله، الذي يتعامل بعض اللبنانيين مع تصريحاته وكأنها الوصايا العشرة، فيما نصرالله يناقض نفسه باستمرار: يشن حربا "استباقية" على إسرائيل، ثم يعبّر عن ندمه لشنّها، ويصرّ أن إسرائيل قتلت رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري من دون أن يتوعد اسرائيل بالثأر، على عادته. ثم يحاضر في الاقتصاد، ويرى أن حلّ انهيار مخزون الاحتياطي النقدي الأجنبي هو بيع بطاطا لبنان للعراق.

يقول المثل "أعط خبرك للخبّاز ولو أكل نصفه"، وهكذا على الأحزاب الشيعية في العالم أن يخلعوا الهالة الإلهية عن أفكارهم ونقاشاتهم في الحكم والاقتصاد والسياسية، وأن يطلبوا من رجال دينهم أن ينشغلوا بالعبادة، وأن ينخرط الشيعة في دنيا الحاضر واقتصاد العالم، وأن يخرجوا من التاريخ، فكربلاء عبرة للمؤمنين حول الصبر على البلاء، لا درس في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية.

ربما حان الوقت أن ينشغل رجال الدين الشيعة بالعبادة، وأن ينشغلوا عن العباد، وأن يتركوهم يتدبرون شؤون الدنيا بعيدا عن الدين.

اقرأ للكاتب أيضا: السلطنة العثمانية وفسادها وطغيانها

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

لما لا ينشغل رجال الدين الشيعة بالعبادة؟ BD6E85EB-D1FD-4E55-8F18-B13CFFFF22A4.jpg AFP لما-لا-ينشغل-رجال-الدين-الشيعة-بالعبادة بعد سقوط صدام في 2003، برز مقتدى نجل محمد محمد صادق 2020-02-18 13:25:41 1 2020-02-18 13:30:41 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟