534366 4

مالك العثامنة/

الكلمات ـ أي كلمات ـ تحمل مخزون قيمتها في المعاني، وفي الشرق الأوسط، المتخم بالأساطير والموروثات واللغات والتاريخ المتشابك، فإن الكلمات أيضا مثقلة بفائض قيمة من المعاني. وعليه فإن تصريحا منفلتا من هنا أو هناك، يجب ألا يتم إهماله، فالعبارات التي تنطلق أحيانا هي مشاريع عمل لاحقا، ما لم تجد ما يصدها ويفرغها من محتواها ويعيد وضع المعنى في مكانه الصحيح كهراء لا أكثر، فتسقط الكلمة وجوبا، تتحول إلى ثرثرة بلا معنى.

أغلب تصريحات العالم العربي الصادرة منه وعنه وفيه، ثرثرات بلا معنى، وهذا درس واقعي من تاريخ الخيبات الطويل، لكن تصريحات ـ أي تصريحات ـ صادرة من إسرائيليين أو أميركيين في قضايا الشرق الأوسط (قضايا نعم، فلم يعد هناك قضية واحدة) لها مدلولاتها ودلالاتها وربما تكون بداية لأزمة جديدة في جغرافيا خصبة لاستنبات الأزمات.

يناير الماضي، مطلع هذا العام، وبعد سلسلة مفاجآت ما تم تسميته صفقة القرن، والتي أعلنها الرئيس الأميركي كخطة أميركية للسلام في الشرق الأوسط، خرج السفير الأميركي في إسرائيل ديفيد فريدمان بتصريح خطير، لا يمكن اعتباره زلة لسان، ولا يمكن تصنيفه "رأيا شخصيا"، فهو صادر عن رجل سياسي خبير، ويمثل واشنطن دبلوماسيا في دولة هي الحليف الأكثر أهمية، والرجل يدرك تماما ما يقوله، ولا يقوله إلا مدركا بما يدور في العقل السياسي الأميركي الحالي.

آن الأوان أن يتحدث المؤمنون بمنطق الجغرافيا والتاريخ والسكان، بوحدة الضفتين

السفير فريدمان، صرح بأن الضفة الغربية كانت تحت الاحتلال الأردني لمدة 19 عاما.

وهو يبني على تلك الفرضية التي أطلقها كحقيقة تاريخية ما مفاده أن إسرائيل، استعادت أرضها التاريخية من احتلال أردني!

تصريح السفير فريدمان، ليس لغوا ولا ثرثرة على ضفاف المتوسط، ومن المدهش أن رد الفعل الأردني "الرسمي" تعامل مع التصريح بصمت لا يمكن فهمه، لكن المفارقة كانت برد تيار الإخوان المسلمين في الأردن إذ استنكر ذراع التيار السياسي ـ حزب جبهة العمل الإسلامي ـ بشدة تصريحات السفير الأميركي، والتي قال الحزب إنها "تزور التاريخ عبر وصف التواجد الأردني في الضفة الغربية بين عامي 1948 و1967 بالاحتلال، وادعاء أنها أراض تابعة لسيادة الكيان الصهيوني"، مطالبا وزارة الخارجية "باتخاذ مواقف واضح وعلني تجاه هذه التصريحات لما تمثله من إساءة للأردن وانحياز فاضح للاحتلال!".

♦♦♦

فعليا، وعلى أرض الواقع، كانت الضفة الغربية لنهر الأردن، نصف جغرافيا المملكة الأردنية الهاشمية، والحديث عن "ضم" أو "وحدة" لن يغير من واقع التاريخ والجغرافيا منذ تاريخ 24 أبريل عام 1950. وهو العام الذي أصبحت فيه الضفة الغربية بسكانها جزءا من المملكة الأردنية الهاشمية، بعد عامين من قيام دولة إسرائيل عام 1948، وقد حصل سكان الضفة الغربية بالفعل على الحق في المطالبة بالمواطنة الأردنية في ديسمبر 1949.

المناكفة العربية ـ الأردنية بدأت منذ ذلك الوقت، ولم يكن هناك أكثر فداحة على الفلسطينيين أكثر من رهاناتهم الخاسرة على المدى الطويل في مغامرات تلك الأنظمة العربية ومتاجرتها بقضيتهم باسم القومية والتضامن العربي المشترك، والذي انتهى اليوم إلى خلاصة مفادها "اذهبوا أنتم وربكم أو بدونه فقاتلوا وتحرروا".

رفضت الجامعة العربية وحدة الضفتين، بل وطالبت السعودية ولبنان وسوريا ومصر بطرد الأردن من الجامعة العربية.

ومع انضمام الأردن إلى الأمم المتحدة عام 1955 والتي أقرت وحدة الضفتين (أو ضم الضفة الغربية)، كانت الجامعة العربية قد أعلنت سابقا في 12 يونيو 1950، أن الضم كان إجراء مؤقتا وعمليا وأن الأردن كان يحتفظ بالإقليم كـ "أمين" عليه في انتظار تسوية مستقبلية! وهو تفسير ساذج وسخيف يحاول الحفاظ على ماء وجه المعترضين أمام واقع موجود.

العلاقة الأردنية الفلسطينية شابها كثير من التشويه والمسخ

تلك الأنظمة التي قادتها مصر عبدالناصر حينها، بهوس قومي جارف وأوهام البطولة الكاذبة، هي التي قادها عبدالناصر نفسه فيما بعد في يونيو 1967 إلى مغامرة عسكرية غير محسوبة، بعد أن قرر من طرف واحد إغلاق مضائق تيران، مما تسبب بحرب يونيو التي انهارت فيها أوهام القوة بهزيمة عسكرية ثلاثية انتصرت فيها إسرائيل بامتياز (ويكذب على نفسه من لا يرى ذلك)، واحتلت احتلالا عسكريا أراض من ثلاث دول: سيناء من مصر، والجولان من سوريا، والضفة الغربية من الأردن.

الأردن الذي تثبت كل يوميات ووثائق حرب يونيو أنه كان آخر المنسحبين بقرار القيادة العربية الموحدة، التي تقودها مصر عبدالناصر.

تحولت الهزيمة في أدبيات العرب إلى "نكسة"، ونتج عنها من زاوية أردنية خسارة نصف جغرافيا المملكة في الضفة الغربية للدولة التي تحمل اسم النهر الذي يفصل بين الضفتين.

وهو ما جعل الأردن هو الطرف المقصود بقرارات المجتمع الدولي ذات الفاعلية القانونية خصوصا في قراري 242 و338، وفيهما أن تنسحب إسرائيل من أراض محتلة (أو الأراضي المحتلة)، وكانت الضفة الغربية ولا تزال حسب القرارات الدولية حتى اليوم، أراض تم احتلالها وكانت تحت السيادة الأردنية.

♦♦♦

فريدمان، بتصريحاته المضللة والمزورة، يبني على لعبة "هنري كيسنجر"، فحسب يوميات السيد عدنان أبوعودة وهو أحد شهود ذلك العصر ومن دائرة صناعة قرار الملك الأردني الراحل حسين، فإن كبسولة "المنظمة ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني" كانت وصفة كيسنجرية تم تمريرها من تحت الطاولة للقيادة المصرية أيام الرئيس الراحل أنور السادات، وانتهت إلى تجييش عربي برعاية الجامعة العربية في قمة الرباط عام 1974، حيث ضغط الجميع على الملك حسين لقبول تلك الشرعية الوحيدة بديلا عن شرعية سيادته على الضفة الغربية والتي خسرها هو لا غيره في حرب عام 1967.

الأردن الصامت أمام تصريحات السفير الأميركي مطالب أن يرد بوقائع التاريخ لا أكثر

تلك اللحظة التاريخية المفصلية، هي التي خلقت تلك الثغرة الفراغية، التي يتسلل منها الجميع لوضع اليد على الضفة الغربية كأرض لا صاحب شرعي لها، وهذا مناف للوقائع، ضمن أسس القانون الدولي وعلى أرض الواقع، وفعليا، وحتى مع اعتراف الأردن "مرغما" بوحدانية المنظمة كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، فإن الواقع كان أن الإدارة الأردنية للضفة لم تتوقف وكانت حركة البضائع والأفراد بين الضفتين عبر الجسر تقفز فوق كل اعتبارات الممثل الشرعي المشغول والمنهمك في كل الاشتباكات الممكنة وغير الممكنة في العالم، وكان الدينار الأردني فعليا عملة الفلسطينيين الرسمية للتداول.

بقي هذا الواقع موجودا، حتى فاض الغضب بالملك الراحل حسين، فأعلن بقرار مزاجي لا قواعد دستورية تعمل على تأطيره بإعلان قرار فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، قرار ضخم ومأساوي وكبير ألقى فيه الملك عبء القضية على من يرى في نفسه ممثلا شرعيا لها، فانتهت القضية اليوم بسلطة فاسدة منتهية الصلاحية لا تمارس إلى دور "المخفر الأمني" بأدنى صلاحياته، وإسرائيل تعلن أن السلام مستحيل في مواجهة شريك غائب (وهو غائب فعلا)، ويخرج السفير الأميركي برؤية دينية خاصة ليعلن أن الضفة كانت تحت الاحتلال الأردني لمدة 19 عاما قبل أن تسترد إسرائيل "يهودا والسامرة".

♦♦♦

العلاقة الأردنية الفلسطينية في مواجهة صفقة القرن، كانت العبارة تلك عصبا لسؤال طرحه علي الصديق داود كتاب، ووعدته بالإجابة قريبا، وها أنا أجيب بأن الوقت قد حان للعودة إلى الأصول القانونية والشرعية لكل ما سبق الهزيمة وانتكاساتها المتوالية حتى اليوم.

العلاقة الأردنية الفلسطينية شابها كثير من التشويه والمسخ، وكان تعظيم الهويتين حد الشوفينية الواهمة، على كلا الجانبين مهزلة تاريخية هدفها توسيع عرض النهر آلاف الكيلومترات وهو الذي لا يتجاوز عرضه 30 مترا، ولكن كل الأحداث والخطايا التي ارتكبها الجميع جعلت النهر فضاء واسعا من العزل.

آن الأوان أن يتحدث المؤمنون بمنطق الجغرافيا والتاريخ والسكان، بوحدة الضفتين، والأردن الصامت أمام تصريحات السفير الأميركي مطالب أن يرد بوقائع التاريخ لا أكثر، فالتهمة بأنه دولة احتلال تتجاوز كونها تصريحا منفلتا، بل يحمل في طياته ربما مشروعا قادما أكثر خطورة.

ولا أخفي سرا حين أقول إن هناك تيارا بدأ يتصاعد في بعض العواصم الأوروبية يتحدث عن العودة إلى قرارات الشرعية الدولية ما قبل مدريد ومشتقاتها، تلك الشرعية التي تتحدث عن قرارات دولية، تبحث عن أشخاصها القانونيين الحقيقيين، لتفعيلها والعمل بها وبدون كل فائض المزاودات أو متاهات الالتباس.

اقرأ للكاتب أيضا: نعيب زماننا والعيب في أنظمتنا

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن

 

منظمة التحرير: ولادة من الخاصرة 70662884-FC36-432E-8CBC-BEB6155D1BA0.jpg AFP منظمة-التحرير-ولادة-من-الخاصرة الملك حسين وعبدالناصر وعرفات في القاهرة في صورة تعود لسبعينيات القرن الماضي 2020-02-18 14:09:31 1 2020-02-18 14:29:32 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟