534392 4

د. ابتهال الخطيب/

وكأن العمل الحقوقي في أقل درجات إخلاصه يتطلب أعلى درجات التجرد والمثالية، فأي خطوة خارج دائرة التجرد والمثالية تخرجك مباشرة، مجرجرا ذيل الهزيمة والعار، خارج دائرة العمل الحقوقي.

والحقوقيون، كما تصفهم دكتورة القانون الكويتية مشاعل الهاجري في مدونتها الرائعة المعنونة "التباس" وتحت موضوع بعنوان "الجدل القانوني وشرف السلاح"، هم "افتراضا (وثقة) من مجتمعهم... لن يتحرّوا إلا الحق، ولا شيء عدا الحق. لهذا فقط سُموا ـ تشريفا ـ باسم نِسبةٍ إلى "الحق"، فهم "حقوقيون".

المعضلة العميقة هنا هي أن الحق نسبي في أغلب الأحيان، وإن اختلف على هذا الرأي الفلاسفة على مر الأزمان، وهو يبدو بوجوه عدة من زوايا الحياة المختلفة، فإن كنت تقف في شرق الكرة الأرضية فالحق لربما سيبدو ساخنا، غاضبا وحزينا وإن كنت تقف في غربها لربما سيبدو مرتفعا قويا فارضا نفسه؛ أحيانا يبدو الحق صديقا للفقر والمعاناة وأحايين أخرى يبدو متوازيا والمخاطر الجمة وأحايين ثالثة يبدو عدوا للخير والعدل والسلام. الحق مائع لزج، كأنه صابونة كثيفة الرغوة، لا أنت قادر أن ترى جوفها ولا أن تحكم قبضتك عليها.

هنا تحديدا معضلة الحقوقي، فهو يجب أن يستشعر قوة إيمان كل فرد بحقوقه، وأن يقف موقفا محايدا من هذه الحقوق في ذات الوقت، فالحقوقي يجب أن يؤمن بكل شيء وبلا شيء في آن، أو بالأحرى أن يظهر عمق مساندته وكذلك عمق حياده تجاه المواضيع الإنسانية العميقة الحساسة في ذات اللحظة، وتلك مهمة مستحيلة استحالة وجود حقوقي مثالي.

كيف تقارع بالحجة من يعتقد أن له حقوقا كفلها له حظ لا يد له فيه مطلقا؟

رغم ذلك، علينا كلنا أن نحاول وأن نستمر في المحاولة للوصول إلى درجة مقبولة من الحياد والتعاطف، من فصل القيم والمعتقدات ودمج المشاعر والأحاسيس، من أن نكون على درجة عالية من الموضوعية دون فقدان الاندماج الإنساني والتداخل العاطفي. وفي هذا تقول الدكتورة الهاجري:

"السلاح" الحقوقي ـ مثل أي سلاحٍ نبيل ـ لا يُسحب من غمده إلا بعد فك العديد من الأحزمة القيميّة (التثبّت من الحقيقة، التزام المنطق، اللغة النظيفة، الاستعداد للاعتراف بالخطأ، عدم التحزب، القبول بالمسلمات، افتراض حسن النية، تجنب التضليل، الامتناع عن الخوض بالنوايا، احترام الآخر، دعم الاجتهاد، و عدا ذلك كثير). وفي هذا كله، على الحقوقي دائما أن يضمن مسافة كافية لخصمه يحفظ فيها كرامته، لا تفضلا، وإنما كضمانة أخرى من قبل الحقوقي نحو الوصول إلى الحقيقة، فتمكين الخصم من حفظ ماء وجهه سوف يعني ضمان خطٍ سلسٍ لعودته إلى جادة الصواب، مما يعني مساهمة نبيلة أخيرة من الحقوقي نحو عدم عرقلة أية مساعٍ تقود إلى الحقيقة المرجوّة، بل وفتح كافة المسالك الموصلة إليها".

تأهيل للنفس للوصول إلى قمة المتناقضات التي يتطلبها العمل الحقوقي، أي الموضوعية التامة والمشاعرية الخالصة، أقول انطلاقا من تجربتي، إن استحققت فعلا شرف لقب "حقوقية"، إن تدريب العقل على التثبت من الحقيقة والتزام المنطق واللغة النظيفة والاعتراف بالخطأ وعدم التحزب واحترام الآخر وغيرها من التوصيات التي جاءت على لسان الدكتورة الهاجري ممكن، وإن كان على درجة بالغة من الصعوبة، فهو تدريب يحتاج للذهاب إلى "نادي العقل الصحي" بشكل يومي، لرفع أثقال البحث العميق وتمرين عضلات المنطق واللغة النظيفة واحترام الآخر بشكل مستمر.

معضلتي اليوم هي في "تمكين الخصم من حفظ ماء الوجه" خصوصا وأن الكثير من خصوم هذا الزمن ما عاد لهم ماء وجه يحفظ. وعلى أنني ألتزم الأدب والهدوء الخارجي، أصبح التحكم في الداخل الثائر عصي على النفس إبان وبعد أي حوار عنصري، حيث باتت نفسي تفور داخليا بغضب أكاد أستشعره حروقة في معدتي أو مادة لاسعة في عيني، لا أدري أهو غضب فار نتاج سنوات من محاولة كبحه وتحجيمه أم انطلق نتاج ارتفاع نسبة العنصريات في منطقتنا وهبوط لغة الحوار حول مواضيعها؟

قبل أيام دار حوار قصير بيني وبين إحدى المعارف، أخبرتني من خلاله ما معناه أن التفاوت بين البشر حقيقة لا بد من القبول بها، أن هناك بشر حظهم أن يكونوا فوق وآخرون حظهم أن يكونوا تحت، وأن الحظ هذا عامل لا بد من الاعتراف به ولربما أيضا احترام ضرباته مهما بدت عشوائية وغير عادلة.

دارت بعض الجمل الشائعة من نوع "نعم على رأسنا ريشة" و"هؤلاء يموتون على الدينار" وغيرها بما ذكرني بكلام الجهل والتغييب الذي يدور حول عموم المواضيع الإنسانية في بلدان النفط الغنية حيث أعمت الراحة المادية البصيرة الجمعية لشعوبها، مع الاعتذار عن تعميم غير مقصود هنا وإنما المقصد هو انتشار وافر أعطى الكارثة الأخلاقية هذه صفة الظاهرة المنتشرة.

المعضلة العميقة هنا هو أن الحق نسبي في أغلب الأحيان

كان صعب عليّ أن أستمر في الحوار، وكان أصعب أن أقدم محاولة حفظ ماء وجه وتوفير خط عودة. شعرت ببقايا أكل في معدتي تتسلق مريئي ببطء، حروقة هاجمت عيناي، وغضب ماج في أمعائي، لا أعرف كيف يصل الغضب إلى الأمعاء؟ التزمت الصمت أمام هذه الرؤية الداروينية البشعة التي تحول الحياة إلى غابة، حيث عدد القابلين المقتنعين بها في ارتفاع مستمر، ماذا سيحدث لو أصبحت هذه الفكرة هي سيدة الموقف، هي الكود الأخلاقي الجديد؟

صمت حتى لا أقول شيئا قبيحا، حتى لا أتلفظ بشيء قاس، حتى لا أقطع آخر طرق الرجوع كما تقول دكتورة الهاجري. سكت لحظتها حين لم أجد لطفا ولا منطقا قادرين على تولي المهمة الدفاعية، كيف تستخدم المنطق لمواجهة العنصرية؟ كيف تستخدم المبادئ الإنسانية النبيلة لمصارعة من يتمرغ فرحا في لحظة حظ، لحظة نشوة وضعته في هذا الرحم عوضا عن ذاك؟ كيف تقارع بالحجة من يعتقد أن له حقوقا كفلها له حظ لا يد له فيه مطلقا؟

لا أعلم حقيقة لم أخذني هذا الحوار تحديدا إلى هذا البعد من الغضب، فأنا أسمع من الكلام العنصري وبشكل يومي ما قدم وافر التمرين لعقلي على تحمله والتعامل معه، فما الذي أخذني إلى هذه الدرجة من الغضب والألم، درجة أرقدتني بآلام شديدة في الخاصرة كأنني أمشي بسكين مسنون مغروس فيها؟ أهو مخزون الصبر نفذ؟ أهو تكرار البشاعة حتى مرضت الروح بسبب من روائحها الكريهة؟ أم تراني كبرت وما عدت أتحمل؟ نعم، كبرت وتراكمت عليّ السنوات، وتعبت من القسوة، فمتى "أنجو من الأسر وتنجو؟... لست أدري"*.

*البيت للعظيم إيليا أبو ماضي

اقرأ للكاتبة أيضا: كوميديا فاشلة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

متى ننجو؟ 632EEC6E-891A-4D9D-B797-A732AD23C36A.jpg AFP متى-ننجو "أصبح التحكم في الداخل الثائر عصي على النفس إبان وبعد أي حوار عنصري" 2020-02-18 15:38:01 1 2020-02-18 15:55:33 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟