مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي خلال تشييع سليماني - 6 يناير 2020

534609 4

مايكل آيزنشتات، كوري شيك، وديفيد ديبتولا/

"في 7 فبراير، خاطب مايكل آيزنشتات، كوري شيك، واللفتنانت جنرال (متقاعد، سلاح الجو الأميركي) ديفيد ديبتولا منتدى سياسي في معهد واشنطن. وآيزنشتات هو زميل "كاهن" ومدير برنامج الدراسات العسكرية والأمنية في المعهد. وشيك هي مديرة دراسات السياسة الخارجية والدفاعية في "معهد أميركان إنتربرايز". وديبتولا هو عميد "معهد ميتشل لدراسات الفضاء الجوي". وفيما يلي ملخص المقررة لملاحظاتهم".

مايكل آيزنشتات

في مايو 2019، أطلقت إيران حملة ضغط مضادة ردا على سياسة الضغط القصوى التي تمارسها الولايات المتحدة، بهدف حثّ واشنطن على تخفيف العقوبات أو رفعها. وقد استخدمت هذه الحملة على نطاق واسع الأعمال التي تصبّ في "المنطقة الرمادية" بين الحرب والسلام.

وتقوم الجهات الفاعلة في هذه المنطقة الرمادية بالتدقيق والاختبار لتحديد ما يمكنها القيام به من دون عواقب. فهي تخلق الغموض من خلال أنشطة سرية أو بالوكالة، وإجراءات تدريجية لجعل الأعداء مرتبكين حول كيفية الردّ. كما تقوم هذه الجهات بتفادي الاشتباك العسكري الحاسم. وتقوم بكل ذلك من أجل النهوض بجدول أعمالها الرافض للوضع الراهن وإدارة المخاطر في الوقت نفسه، والتخفيف من التصعيد المحتمل وتجنب الحرب.

وتمت مناقشة استراتيجية المنطقة الرمادية لإيران، والاستراتيجية الأميركية المضادة المقترحة للمنطقة الرمادية الموضحة أدناه بمزيد من التفصيل في تقرير معهد واشنطن الصادر حديثا بعنوان: "العمل في المنطقة الرمادية: مواجهة طريقة الحرب الإيرانية غير المتكافئة".

وفي حين أن هناك احتمال للتصعيد ونشوب صراع أوسع مع إيران، إلا أنه من غير المرجح نشوب "حرب شاملة" ـ ما لم تلجأ الولايات المتحدة إلى ذلك ـ لأن الهدف الكامل من طريقة عمل إيران في المنطقة الرمادية هو تجنب مثل هذه النتيجة. ومن جانبه، صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرات عديدة بأنه لا يريد حربا مع إيران.

ولطالما كافحت الولايات المتحدة للرد بشكل فعال على استراتيجية المنطقة الرمادية الإيرانية، ولم تشكل الإدارة الأميركية الحالية استثناء على ذلك. فمنذ مايو الماضي، تأرجحت بين ضبط النفس المفرط والردود التصعيدية المحتملة مثل القتل المستهدف لقائد "قوة القدس" قاسم سليماني. وقد أضاف مقتله طبقة أخرى من التعقيد على لعبة متعددة المستويات ومعقدة بالفعل.

قد يكون لدفع القوات الأميركية خارج العراق عدة عواقب سلبية على إيران

أولا، هناك رغبة في الانتقام لمقتل كل من سليماني وزعيم ميليشيا "كتائب حزب الله" أبو مهدي المهندس. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا، هل أغلقت ضربة إيران الانتقامية بالصاروخ الباليستي على قاعدة "عين الأسد" الجوية في العراق ملف سليماني، أم هل ستحاول طهران أيضا قتل مسؤول عسكري أميركي كبير ردا على ذلك؟ أما بالنسبة لوكلاء إيران العراقيين، فمن المنطقي الافتراض بأنهم لم ينتقموا بعد لمقتل المهندس.

وهناك عامل آخر يجب أخذه بعين الاعتبار وهو تأثير السياسات المحلية. فقد دأب المتشددون الإيرانيون على تهميش خصومهم المحافظين العمليين. كما تشهد البلاد اضطرابات شعبية متواصلة، مثلها مثل العراق ولبنان، وكل ذلك قد يؤثر على قرارات إيران المستقبلية.

وبالفعل، قد تكون السياسات المحلية قد صاغت رد إيران السريع غير الاعتيادي على مقتل سليماني في محاولة لإظهار العزم خشية أن تلاحظ المعارضة الضعف وتقوم باستغلاله. وتمرّ إيران والولايات المتحدة أيضا في عام انتخابات، وبالتالي فقد تفجّر طهران مفاجأة من نوع ما في أكتوبر قد تكلف الرئيس ترامب إعادة انتخابه.

كما تُطرح مسألة أخرى وهي ما إذا كان مقتل سليماني قد أعاد إحلال الردع الأميركي. فللردع حياة قصيرة ويجب رعايته بشكل دائم. لذا ستسعى إيران إلى اختبار عزم الولايات المتحدة، وعلى واشنطن الردّ بحزم على مثل هذه الاختبارات، وإلا فقد تشتد عزيمة طهران.

ويواجه القادة الإيرانيون عددا من المعضلات ما بعد مقتل سليماني، إذ أن حملتهم المعارِضة لم تكسبهم تخفيفا للعقوبات وكلفتهم القائد العسكري الذي يتفاخرون به أكثر من غيره. وقد يترتّب عن المزيد من التصعيد مع الولايات المتحدة التي لا يمكن التنبؤ بأفعالها مخاطر كبرى. لذلك، عليهم أن يسألوا أنفسهم اليوم ما إذا كان اغتيال سليماني يمثّل مقاربة أميركية جديدة أو حدثا واحدا منفصلا.

بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لدفع القوات الأميركية خارج العراق عدة عواقب سلبية على إيران، التي قد تخسر مصدرا قويا للضغط على واشنطن، كما أن العقوبات الأميركية التي تم التلويح بها على العراق قد تؤذي إيران؛ بالإضافة إلى ذلك، قد تُضطر طهران إلى القيام بنفسها بالجهد الكبير في العمليات المستقبلية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" المنبعث من جديد. فهل تفوق فوائد طرد الأميركيين هذه العوائق المحتملة؟

وتؤكد جميع هذه التداعيات المرتبطة بسليماني على الحاجة إلى استراتيجية منطقة رمادية أميركية تجاه إيران. فمن المرجح أن تؤدي أنشطة المنطقة الرمادية السرية أو غير المعترف بها إلى عرقلة الجهود الأميركية للتفاوض على اتفاق نووي جديد مع طهران بشكل أقل. كما قد يكون لها تأثير مخلّ بشكل أقل على السياسة الداخلية للولايات المتحدة، مما سيجعل من سياسة الإدارة الأميركية أكثر استدامة في الداخل.

بالإضافة إلى ذلك، ستكون أكثر توافقا مع البيئة التشغيلية ـ أي أنها أقل عرضة لإثارة رد فعل سياسي في أماكن مثل العراق، وستكون أكثر تناغما مع متطلبات المنافسة الاستراتيجية الطويلة الأجل، والتي تميل إلى الانتصارات الصغيرة بدلا من الضربات القاضية.

وأخيرا، ستكون أكثر توافقا مع استراتيجية الدفاع الوطني التي تسعى إلى تحويل تركيز الولايات المتحدة والقوّات العسكرية إلى المنطقة المشتركة بين المحيطين الهادئ والهندي.

وتشمل العناصر الرئيسية لمثل هذه المنطقة الرمادية ما يلي: الردّ بحزم على الاختبارات الإيرانية من أجل تعزيز الردع، واستخدام الردع بالعقاب وكذلك بالنفي، واستخدام الإجراءات السرية كلما كان ذلك ممكنا، والقيام بالأعمال بصورة علنية عند الضرورة، واعتماد مقاربة متوازنة تقوم على تفادي كل من الكبح المفرط والتصعيد غير الضروري، والتصرّف بشكل غير متوقّع وغير متوازن من أجل استغلال انشغال إيران بإدارة المخاطر، وتغيير إطار إيران التحفيزي من خلال عدم وضعها في موقف حرج، والمماطلة بدل الإفراط من خلال البحث عن ميزة عن طريق مكاسب تدريجية بدلا من الإجراءات السريعة والحاسمة، وتوسيع خيارات المنطقة بحيث لا يكون التصعيد العمودي هو الخيار الوحيد المتوفّر لدى المسؤولين الأميركيين.

كوري شيك

تمثلت نظرية إدارة ترامب بأن سليماني كان قادرا بشكل فريد على وضع استراتيجيات وبناء تحالفات وتنفيذ حروب غير متماثلة. ومن وجهة نظر الإدارة الأميركية، بنى سليماني عمقا استراتيجيا لإيران بشكل فعّال.

ورغم أن هذا التقييم كان صحيحا إلى حد كبير، إلا أن استراتيجية سليماني تجاوزت على ما يبدو ذروة نجاحها قبل مقتله. فبانشغاله في الحصول على التقدير [لما كان يقوم به]، فقد كان يخسر من السكّان الشيعة الساخطين الذين كان يمكنه استغلالهم، كما أظهرت الاحتجاجات في لبنان والعراق.

ومن هذا المنطلق، كان من الممكن الإبقاء عليه ومشاهدته وهو يفشل، وفي الوقت نفسه اتباع استراتيجية مشابهة لتلك التي استُخدمت ضد تنظيم "القاعدة" ـ أي استهداف القادة من الصف الثاني. غير أن واشنطن لم تقم بالرد علنا على الهجمات الإيرانية على السفن المحايدة ومنشآت النفط السعودية قبل استهداف سليماني، الأمر الذي جعل حلفاء الولايات المتحدة قلقين جدا بشأن أمنهم.

لإعادة إحلال الردع، على المسؤولين الأميركيين العمل مع حلفائهم

لقد قادت الإدارة الأميركية الأمور في أعقاب موته بشكل جيّد للغاية، حيث أرسلت إشارات عبر السويسريين واتخذت خطوات لإدارة التصعيد. وقد ساهمت تصريحات إيران المضطربة بأن الضربة الصاروخية الباليستية ستكون ردّها الوحيد في المساعدة على استقرار الوضع ـ وكانت هذه نتيجة يَسَّرتها الإدارة الأميركية.

لكن في النهاية، من غير المرجح أن تتمسّك إيران برأيها حول هذا الانتقام فقط، إذ أن قيامها بذلك سيثبّت صحة ما تقوله الإدارة الأميركية بأن سليماني كان قادرا بشكل فريد على تعبئة ردود غير متماثلة. وفي الواقع، يبدو أن النظام الإيراني يعود بالفعل إلى الوضع السابق، مع قيام وكلائه بإطلاق صواريخ على أهداف أميركية في العراق.

ولإعادة إحلال الردع، على المسؤولين الأميركيين العمل مع حلفائهم. إلا أن دول الخليج تدرك أن واشنطن تميل إلى أن تكون غير جديرة بالثقة ما لم تحمل قِيَما مشتركة بعمق مع شريك معيّن ـ وحتى في ذلك الحين لا يمكن الاعتماد عليها تماما.

ويُعتبر الوضع في العراق حتى أكثر تعقيدا، لأن بغداد بحاجة إلى المساعدة الأميركية لكنها تريد أيضا تقييد الأنشطة التي تقوم بها الولايات المتحدة. وعند تناول هذه المعضلات، على جميع الأطراف الأخذ بعين الاعتبار أن المعلومات الاستخباراتية التي تحصل عليها واشنطن من خلال العمل في بلدان أخرى والتعاون معها لا تُقدّر بثمن.

أما بالنسبة للتعاون البحري في الخليج العربي، فيتردد الحلفاء في الانضمام إلى القوة التي تقودها الولايات المتحدة. إذ هناك عدد أكبر من الدول في القوة البحرية للاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا من نظيرتها الأميركية. فاستراتيجية إعادة التطمين التي اعتمدتها إدارة ترامب لنشر 1400 جندي إضافي في المنطقة، وتنفيذها عمليات قتل مستهدفة غير كافيَين. إذ ليس غياب القدرة العسكرية هو ما يجعل الشركاء الأميركيين يشعرون بالقلق، بل الافتقار إلى المصداقية السياسية هو الذي يؤدي إلى ذلك.

إن أفضل رهان لواشنطن هو القيادة من الخلف [من المؤخرة]. فقد أساءت إدارة أوباما استخدام "القيادة من الخلف"، لكن عندما يتم تطبيقها بشكل صحيح، تُعتبر سياسة جيدة جدا. واليوم هو الوقت المناسب لتطبيقها في الشرق الأوسط، من خلال دعم الأصدقاء بصمت وتزويدهم في الوقت نفسه بالقوة الأميركية.

ديفيد ديبتولا

ليست هناك احتمالات عالية لنشوب حرب شاملة مع إيران. فالهدف الرئيسي لطهران هو الحفاظ على بقاء النظام، وليس لدى إدارة ترامب رغبة في شن حرب أخرى في الشرق الأوسط. إن التصعيد غير المنضبط أمر مُمكن لكن غير محتمل. فالرئيس ترامب حدد خطا أحمر يتمثّل بـ "لا إصابات [في صفوف القوات] الأميركية" وحذّر طهران من تجاوزه. وعندما قتل وكلاء إيرانيون متعهدا أميريكيا في العراق، تصرّف كما وعد لحماية الأفراد الأميركيين والمصالح الأميركية.

وتتوافق تصفية سليماني مع استراتيجية واشنطن المؤلفة من ثلاثة أجزاء: (1) تقييد أنشطة إيران الخبيثة، و(2) دحر تأثيرها في المنطقة، و(3) ردع أي أعمال عدائية إضافية. ويُعتبر العنصر الرادع مهما بشكل خاص؛ ولتحقيق نجاحه، يجب على القادة الإيرانيين أن يفهموا أن الولايات المتحدة ستستخدم قوّتها.

ويبعث مقتل سليماني رسالة قوية بشكل خاص لأنه لا يمكن استبداله على المدى القصير. فقد كان إرهابي إيران البارز، وقائدا لأيديولوجيتها الثورية، ومفكرا استراتيجيا مهما. وفي الوقت الحالي، على الأقل، سيكون "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني أقل قدرة على التكيف، وسيعاني أتباعه السابقون كثيرا لملء مكانه.

وللمضي قدما، لا يجب أن يحول الخوف من العواقب دون اتخاذ إجراء قوي من جانب الولايات المتحدة، فهو أمر ضروري في بعض الأحيان لأن التقاعس عن اتخاذ خطوات يميل إلى زيادة احتمالات حدوث المزيد من العنف. إن الطريقة الأكثر فعالية لتجنب الحرب مع إيران هي إقناع قادتها بأن العنف المستمر سيؤدي إلى دفع ثمن باهظ. فباستطاعة الولايات المتحدة فرض تكاليف مدمّرة على إيران، بينما تفتقر إيران إلى الوسائل اللازمة للرد بالمثل، ولهذا السبب تعتمد على الوكلاء والإرهاب بدلا من ذلك.

يبعث مقتل سليماني رسالة قوية بشكل خاص لأنه لا يمكن استبداله على المدى القصير

على واشنطن التصرف أيضا بعيدا عن مقاربة المفارقة التاريخية الحالية التي تعتمدها، والتي تفترض أن المناورة الأرضية الواسعة النطاق هي العنصر المهيمن في الحرب. فالاشتراك الفعال يعني استخدام القوة المناسبة في المكان المناسب وفي الوقت المناسب، وعدم استخدام كل قوة في كل مكان وكل زمان.

وإذا أصبحت الأفعال الأميركية القوية الإضافية ضرورية، فقد تؤدي القوة الفضائية الجوية المطبقة بشكل ملائم، والمكتملة بعمليات سيبرانية هجومية، إلى انهيار اقتصاد إيران وإبطال فعل جيشها والقضاء على برنامجها النووي ووضع حد لنفوذها الإقليمي. كما أن قدرة إيران الحاسمة على تكرير النفط، وشبكتها لتوزيع النفط، وشبكة كهربائها يمكن أن تصبح جميعها غير فعّالة بهذه الوسائل، دون حاجة إلى نشر قوات أميركية على الأرض.

ووفقا لذلك، إذا ارتكبت إيران المزيد من الأعمال العدائية ضد أفراد أميركيين ومصالح أميركية، فلا ينبغي لواشنطن أن تتبع الاستراتيجيات التي طبقتها على مدار السنوات التسعة عشر الماضية في أفغانستان والعراق.

فقد تضمنت تلك الاستراتيجيات نشر مئات الآلاف من قوات المشاة لتنفيذ احتلال لفترة طويلة، وعمليات بناء الدولة ومكافحة التمرّد. وليس أي من هذه الخيارات محبذا داخليا، كما أنها ليست قابلة للتطبيق في إيران. ولتحقيق التأثيرات المرجوة بسرعة، يجب أن يأخذ أي إجراء مطبّق في إيران شكل العملية الحاسمة التي نُفذت عام 1991، خلال عملية "عاصفة الصحراء" في العراق.

باختصار، إن الطريقة الأمثل لردع إيران هي زيادة القدرة على إبراز القوة الجوية الأميركية في المنطقة من أجل إظهار قدرة الفتك لديها من دون الكشف عن الضعف. هذا ما فعله الجيش الأميركي بصمت منذ أحداث أوائل يناير، وأخيرا فهمت إيران الرسالة.

أعدت هذا الملخص حانا كوب. أمكن تنفيذ سلسلة برامج منتدى السياسات بفضل سخاء "عائلة فلورنس وروبرت كوفمان".

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الاستراتيجية الأميركية تجاه إيران: إعادة إحلال الردع وتمكين الدبلوماسية 6649DCAF-A48A-4A8F-A1BD-8449EA2ACF02.jpg AFP الاستراتيجية-الأميركية-تجاه-إيران-إعادة-إحلال-الردع-وتمكين-الدبلوماسية مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي خلال الصلاة على قاسم سليماني قائد فيلق القدس - 6 يناير 2020 2020-02-19 17:34:22 1 2020-02-19 17:39:48 0

A memorial exhibition featuring Iranian political prisoners and organised by opposition group the  People's Mujahedin…

انتشار فيروس كورونا في إيران ألزم النظام للاستجابة إلى بعض الضغوطات. حيث دفع الوباء النظام إلى الإعلان عن إطلاق سراح 85 ألف سجين بشكل موقت من أجل الحدّ من خطر انتشار الفيروس في السجون المكتظة. غير أن سياسة العفو هذه استثنت عشرات الآلاف من السجناء السياسيين الذين قد يواجهون على الأرجح مزيجا مرعبا من ظروف السجن اللاإنسانية وقدرتهم على نشر الأمراض بسرعة ـ بما في ذلك فيروس كورونا.

ومن بين هؤلاء المعتقلين هناك العشرات من المعتقلين السياسيين الأحواز، ذكورا وإناثا، في سجون النظام المكتظة. وبعد أن بعث إعلان العفو الأمل في نفوس عوائل هؤلاء السجناء السياسيين، سرعان ما تبدّدت الآمال عند الاطلاع أن أيا من هؤلاء الأحوازيين لم يشملهم القرار. وقد تأججت التوترات الناتجة عن ذلك وترتبت نتائج فتاكة.

سلط السجناء الأحوازيون، الذين حاولوا الفرار من السجون، وتبع ذلك سقوط عشرات القتلى، الضوء على الوضع الخطير في السجون الإيرانية في إقليم الأحواز. علاوة على ذلك، فإن محاولة هروبهم هي أحد الأمثلة لإثبات الحقائق الواقعية حول تفشي الفيروس التاجي في أنحاء البلاد، وهذه الأحداث تنافي رواية النظام الإيراني بأن الوباء أصبح تحت السيطرة تماما.

في 30 و31 مارس، تردّد أن أفراد الأمن في النظام الإيراني قتلوا وتسببوا بإصابة العشرات من السجناء الأحوازيين الذين كانوا يحاولون الفرار بسبب الظروف الخطيرة في سجن شيبان، سبيدار وسجن عبادان، وسط إصابة الكثير من المعتقلين الآخرين. 

ولغاية الآن، يُقال إن خمسة عشر سجينا في سجن سبيدار وعشرين في شيبان قد قتلوا. وتسربت العديد من الأسماء من القتلى والجرحى في تلك السجون تم التوصل إلى أسماء 6 قتلى و25 مصاب.

ظروف قاتلة

حين أعلن المتحدث باسم السلطة القضائية في النظام غلام حسين إسماعيلي عن إطلاق 10 آلاف سجين بمناسبة عيد النوروز (رأس السنة الفارسية) وأن نصف هذا العدد سيكون من بين "السجناء الأمنيين" ـ وهو مصطلح مستخدم لمن "يمثلون تهديدا للأمن القومي الإيراني" وهي تهمة مشتركة للناشطين والمنشقين عن النظام ـ أمل الكثيرون في اقليم الأحواز في إطلاق سراح البعض من هذه الإعداد الهائلة من السجناء السياسيين الأحوازيين.

وكانت الأوضاع في السجون الإيرانية سيئة حتى قبل التهديد الذي يطرحه فيروس كورونا، لكن قلق الناشطين الأحوازيين ازداد بشكل كبير في ظل التهديد الذي يمثّله الاكتظاظ في أوساط مئات السجناء السياسيين المعتقلين في الجناحين 5 و8 من سجن شيبان الخاضع لسيطرة النظام الإيراني، على بعد بضع كيلومترات خارج الأحواز، عاصمة الإقليم. كما شكّلت الظروف المعيشية التي أبلغت عنها سجينات سياسيات من الأحواز معتقلات في القسم النسائي المكتظ في سجن سبيدار سيء السمعة التابع للنظام مبعث قلق آخر.

على هيئات حقوق الإنسان الدولية الضغط على السلطات الإيرانية لإطلاق سراح كافة السجناء السياسيين على الفور

واستنادا إلى تقارير خرجت من السجن واستنادا إلى حسابات معتقلين سابقين على غرار الناشطة في حقوق الإنسان سبيدة قليان، فإن وضع السجناء بدأ يتدهور بسرعة في ظل انتشار فيروس كورونا، بما في ذلك بسبب فيضان مياه المجارير وندرة مصادر المياه.

وفي حين تردّد أن الأحوازيين في السجون اعترضوا مرارا على غياب المرافق الصحية الأساسية والمعقّمات والنظام الغذائي السيئ في السجون، محذّرين بأن هذه المسائل وفّرت بيئة مثالية لانتشار المرض، تجاهل النظام هذه الاحتجاجات.

وخلال الأسبوع الفائت، أصدرت "منظمة العفو الدولية" بيانا عبّرت فيه عن قلقها الكبير بشأن سلامة المعتقلين على ضوء وباء كورونا، بما في ذلك مخاوف بشأن السجناء السياسيين الأحوازيين في سجنيْ سبيدار وشيبان. وحضّ البيان النظام الإيراني على تحرير السجناء من دون فرض شروط كفالة متشددة يتعذر على غالبية الأسر الأحوازية الإيفاء بها.

ومع بدء انتشار فيروس كوفيد-19 بالفعل في أوساط السجناء، لم يتمّ بذل أي جهود لمعالجة هذا الانتشار. وفي البداية، تمّ تأكيد إصابة ثلاثة معتقلين أحوازيين بالفيروس، جميعهم في قسم السجناء السياسيين في سجن شيبان ـ وهم الناشطان ميلاد بغلاني وحامد رضا مكي والمصوّر مهدي بحري.

وعلى الرغم من معرفة مخاطر الوباء المعدي إلى حدّ كبير والذي يمكن أن يكون قاتلا، تردّد أن سلطات السجون تأخرت للغاية في عزل السجناء والحصول على المساعدة الطبية للمعتقلين المصابين الثلاثة، ما عزز بشكل كبير احتمال أن يكونوا نقلوا الفيروس إلى سجناء آخرين وإلى موظفي السجن.

احتجاج وانتقام 

خلال الأيام التي سبقت الانتفاضة، ازداد يأس السجناء في سجن سبيدار وسط انتشار كبير للتقارير التي أفادت عن تشخيص معتقلين مصابين بفيروس كورونا، وغياب أي مؤشرات تشير إلى احتمال إطلاق هؤلاء السجناء بموجب تدابير العفو. ومع ذلك، رد النظام على هذه الاحتجاجات من خلال نشر أعداد كبيرة من قوات الأمن من محافظات أخرى في إيران لتطويق السجون كتدبير وقائي.

وإذ يشعر هؤلاء السجناء أن ما من خيار أمامهم سوى محاولة الهروب حتى رغم معرفتهم أن حراس السجن لن يترددوا في قتلهم. حيث أضرم السجناء اليائسون في سجن سبيدار النار في بطانياتهم وغيرها من الأغراض في 30 مارس. وكانت النيران مسعى لتوفير غطاء من الدخان من أجل خفض الرؤية قبل محاولة تسلّق جدران السجن. وردا على ذلك، اقتحمت قوات الأمن الزنزانات وأطلقت الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية.

ذكرت أسر السجناء أنها تلقت اتصالات من عملاء النظام "للحضور واستلام الجثث"، وطُلب منهم دفن أولادهم بالسر

كما تمّ الإعلان عن مشاهد مرعبة مماثلة في سجن شيبان الذي أصابه الفيروس بدوره والواقع في مدينة الأحواز والتي تعد عاصمة إقليم الأحواز في الأول من أبريل، حيث دفع فيروس كورونا ونفي مسؤولي السجن وجود أي عفو أو إطلاق سراح، بالسجناء إلى استخدام الوسائل نفسها التي لجأ إليها نظراؤهم في سجن سبيدار.

فقد أضرم المعتقلون في الجناح 6 و7 و9 و10 النار في زنازينهم وحاولوا خلع البوابة الأولى للسجن الذي يشتهر بتعذيب و"إخفاء" السجناء السياسيين. وأتى رد السلطات بإطلاق النار وقتل خمسة سجناء بالرصاص  من مسافة قريبة، وإصابة الكثير منهم بجروح بالغة. وحصل أمرا مشابها في سجن عبادان وراح ضحيته العديد من السجناء أيضا.

ووفق تقارير صادرة من المنطقة، سارع أفراد عوائل السجناء إلى السجون بعد سماع خبر اندلاع النيران والتقارير بشأن النيران الكثيفة ليكتشفوا ما حلّ بأحبائهم. ولدى وصولهم، أشارت تقارير صادرة عن المنطقة أن أفراد العوائل المذكورين تعرضوا للغاز المسيل للدموع والرصاص من الذخيرة الحية أطلقها حراس السجن المنتشرون في محيط السجن وقوات الحرس الثوري الإيراني، حيث أفاد ناشطون عن تعرّض ثلاثة منهم لإصابات خطيرة.

ويُظهر فيديو مصوّر على هاتف محمول عن الاعتداء نُشر على موقع "يوتيوب" إحدى أمهات المعتقلين الأحوازيين المذهولة وهي تصرخ خارج سجن شيبان وتندب ابنها، في حين يبيّن فيديو آخر نقل جثث سجناء من السجن في سيارات إسعاف.

رد فعل المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات الأخرى بطيئ، ولم يرتقِ حتى إلى إدانة النظام على أفعاله

وأكّدت الأسر عن وفاة 15 شخصا من معتقلي الأحواز في سجن سبيدار سواء رميا بالرصاص أو حرقا حتى الموت. ومن بين السجناء القتلى الذين تمّ تحديد هويتهم نذكر محمد سلامات ثلاثين عاما من مدينة الأحواز، وسيد رضا الخرساني وشاهين الزهيري، ومحمد تامولي الطرفي، مجيد الزبيدي، وعلى الخفاجي. 

وذكرت أسر السجناء أنها تلقت اتصالات من عملاء النظام "للحضور واستلام الجثث"، وطُلب منهم دفن أولادهم بالسر. كما طلب موظفو النظام أن يدفع أفراد عائلة الرجال المقتولين تكاليف الأضرار التي تسبّب بها أولادهم في السجون خلال محاولاتهم الفرار. هذا وجرى تحذير العوائل من عدم التحدث عن عمليات القتل هذه إلى المنظمات الحقوقية أو المنظمات غير الحكومية.

وبعد محاولة الفرار من السجن، تمّ نقل سجناء 14 سجينا سياسيا منهم محمد علي عموري إلى السجن الإفرادي في سجون جهاز استخبارات النظام السرية بعد أن اتهمت الأجهزة الاستخباراتية الإيرانية عموري بأنه قاد الاحتجاجات في سجن شيبان.

وبالنسبة للذين لا يزال يقبعون في السجون، عبر ذويهم عن قلقهم البالغ من أن يتمّ تعذيب أبناءهم للإدلاء باعترافات كاذبة وأن تصدر بحقهم أحكام سجن لسنوات أطول ليجعلوا منهم عبرة للآخرين ومنع حصول أي أحداث مشابهة في المستقبل في السجون.

وقد دعت الجماعات الحقوقية الأحوازية في المنفى الأمم المتحدة ومجتمع حقوق الإنسان الدولي إلى إنقاذ سجناء الأحواز، بما أن السلطات الإيرانية ترفض اتخاذ التدابير الأساسية حتى لحمايتهم من العدوى. وما يفاقم المشكلة هي قيمة الكفالات المرتفعة بشكل غير معقول، ما يحول دون تمكّن العوائل الأحوازية من تأمينها.

وردا على المعلومات التي تمّ الكشف عنها مؤخرا، أعرب رائد بارود وهو ناشط فلسطيني اسكتلندي، عن اشمئزازه من خبث النظام الإيراني نظرا إلى إشارات النظام المتكررة إلى حقوق السجناء الفلسطينيين. 

وقال في هذا الصدد "يواصل الملالي التحدث عن اهتمامهم بالسجناء الفلسطينيين، لكنهم يستغلون معاناة الفلسطينيين كوسيلة لمسح دماء إخواننا الأحوازيين والسوريين والعراقيين عن أيديهم. وفي حين تعمل دول أخرى في العالم على إنقاذ أرواح مواطنيها في ظل تفشي وباء كورونا، يقوم النظام الإيراني بمعاملة الأحوازيين الأبرياء كحيوانات فيسجن من يجرؤ على المطالبة بالحرية ويتركهم ليموتوا من هذا المرض الرهيب. عارٌ على هذا النظام البربري وعلى العالم الذي هو شريك في الجرائم التي يرتكبها ضد الإنسانية".

لكن في وقت تمكّن فيه العديد من الأقارب والسكان المحليين من نشر فيديوهات تُظهر السجناء والهجمات التي نفذها عناصر النظام ضد متفرجين على الطريق، كان رد فعل المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات الأخرى بطيئا، ولم يرتقِ حتى إلى إدانة النظام على أفعاله. 

أكّدت الأسر عن وفاة 15 شخصا من معتقلي الأحواز في سجن سبيدار سواء رميا بالرصاص أو حرقا حتى الموت

لكن أقرباء السجناء الأحياء والأموات يسعون جميعهم بشكل ملح إلى ضمان تدبير حماية سريع للباقين، بما في ذلك مراقبة أوضاع السجون من قبل جهة غير إيرانية، وتوفير العلاج الطبي الفوري وإدراج معتقلي الأحواز السياسيين ضمن عفو عام أو تحديد كفالة منطقية لإخراجهم.

وعلى هيئات حقوق الإنسان الدولية الضغط على السلطات الإيرانية لإطلاق سراح كافة السجناء السياسيين على الفور، وجميع السجناء الذين لم يرتكبوا جرائم خطيرة في إيران بهدف منع تفشي الوباء في السجون. ويُظهر استعداد إيران لإطلاق سراح بعض السجناء السياسيين نقطة ضغط محتملة كي تشمل حالات العفو هذه مجتمع الأحواز إن تمّ ممارسة ما يكفي من الضغوط الدولية.

وبحسب تعبير السحين الأحوازي السابق والكاتب غازي حيدري الموجود حاليا في المنفى بعدما كان معتقلا وتعرّض للتعذيب بسبب نشاطه في مجال حقوق الإنسان، "إن قتل النظام لهؤلاء السجناء المساكين يُظهر أنه لا يريد أن يغادر الأحواز السجون إلا محملين بنعوش".

وإن لم تدن الجهات الدولية هذه الفظائع، سيستغل النظام انشغال العالم بفيروس كورونا ليخفي الانتهاكات التي يرتكبها بحق السجناء ورفضه منع الإصابات الجماعية ضمن سجونه في الأحواز وفي جميع أنحاء إيران. 

وحتى الآن، سياسة إيران في العفو عن "المُفرج عنهم" غطت على انتهاكات إيران المستمرة بحق السجناء السياسيين الذين ما زالوا محاصرين في السجون الإيرانية. في خضم هذه الأزمة، يجب على المجتمع الدولي أن ينتهز هذه الفرصة للضغط على إيران في تلك القضية الحاسمة.

المصدر: منتدى فكرة