وصل السباق الديمقراطي الأميركي إلى ولاية نيفادا غربا التي أسقطت قبل أن تفتح صناديق الاقتراع يوم السبت الرهانات التقليدية والحسابات الحزبية حول الشخصية الأكثر ترجيحا لمواجهة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فالمنافسة الديمقراطية تحولت إلى معركة بين وجهين متناقضين؛ الأول هو اليساري الشعبوي بيرني ساندرز والثاني هو الملياردير مايكل بلومبرغ.

نائب الرئيس السابق جوزيف بايدن، الذي رأت فيه المؤسسة الحزبية "المنقذ" ضد ترامب الصيف الفائت يحتاج إلى من ينقذ حملته. أداءه السيء في الولايات الأولى، وضعفه في المناظرات أفقده الزخم والحماسة ووضع حملته على شفير الهاوية.

فبايدن هو في طريق الخروج إلا في حال تحقيق مفاجأة في نيفادا أو اكتساح كارولينا الجنوبية نهاية الشهر. أما المرشحات السناتورات آيمي كلوبتشار وأليزابيت وارن، فدفعتا ثمن الاعتدال والهدوء في الحملة أمام ضجيج ذكوري يستميل الرأي العام الأميركي. يبقى عمدة ساوث بند سابقا بيت بوديجاج، أول مرشح مثلي يصل إلى هذه النقطة، إنما عدم خبرته وصغر سنه (38 عاما) يقللان من حظوظه اليوم.

مواجهة بيرني ـ بلومبرغ على اللقب الديمقراطي هي مواجهة بين عملاقين من طرفين نقيضين 

التمس بلومبرغ ضعف بايدن ودخل السباق متأخرا في نوفمبر الفائت معولا على فوز ساحق يوم الثلاثاء الأكبر (3 مارس) ومن دون المشاركة في أول أربع منافسات في أيوا ونيو هامبشير ونيفادا وكارولينا الجنوبية. وهو يجلس على ثروة تناهز الـ 55 مليار دولار ويدير شركة معلومات قادرة على منحه خزانا استراتيجيا وماليا لا يتوفر للباقين.

أما بيرني فهو لم يغادر المنبر الانتخابي لكي يعود إليه. فمنذ خسارته في 2016 أمام هيلاري كلينتون، وهو يمضي في مجلس الشيوخ بأجندة يسارية واضحة هدفها الترشح مرة أخرى. ساندرز رغم عمره (78 عاما) نجح في نقل الحزب الديمقراطي الى اليسار حول قضايا الضمان الصحي والسياسة الخارجية والتبادل التجاري، وهو جيّش قاعدة شعبية ضخمة بين الشباب والنقابات العمالية.

تعكس الاستطلاعات الأخيرة الخضة الكبيرة في السباق الديمقراطي مع تقدم بيرني، وخلفه بلومبرغ فيما تراجع بايدن وتصدع حصنه في الولايات الجنوبية.

مواجهة بيرني ـ بلومبرغ على اللقب الديمقراطي هي مواجهة بين عملاقين متناقضين. بيرني في أقصى اليسار "الاشتراكي" بين الديمقراطيين، وبلومبرغ في أقصى اليمين الرأسمالي في الحزب.

بيرني وبلومبرغ، وفي سابقة للحزب الديمقراطي ينحدران من الأقلية اليهودية ـ الأميركية، ما يزيد من تاريخية اللحظة أن يحصد يهودي ـ أميركي لقب الحزب للمنافسة على المقعد الرئاسي. عائلة ساندرز هاجرت من بولندا هربا من معاداة السامية، فيما جذور بلومبرغ هي من روسيا.

بيرني لم يغادر المنبر الانتخابي لكي يعود إليه

في السياسة الخارجية هما نقيضين. ساندرز يريد تخفيض القوة العسكرية الأميركية في الخارج، الدفاع عن حقوق الفلسطينيين والعودة للاتفاق النووي الايراني. أما بلومبرغ فهو من خط الوسط، يريد تقوية قبضة أميركا، محاورة روسيا والصين، والدفاع بشراسة عن إسرائيل. داخليا، يلتقيان حول ملفات البيئة ويختلفان حول نوع الضمان الصحي، ومبادئ العولمة التي يتحفظ عليها ساندرز ويعتنقها بلومبرغ.

ترامب، الذي يتلذذ اليوم بمراقبة السباق الديمقراطي والتخبط بين معارضيه، سيراهن على أن تمتد المنافسة حتى المؤتمر الحزبي في يوليو المقبل.

ويحاول عبر تغريداته تغذية الانقسام بين جناحي اليسار والوسط في الحزب الديمقراطي. واقع الأمر أن أميركا في الانتخابات العامة في العام 2020 هي أكثر انقساما من العام 2016 أيا كان منافس ترامب. أما اسم الفائز فستحسمه ثلاث ولايات هي بنسلفانيا وميشيغان وويسكونسن.

اختار الحزب الديمقراطي المضي بمواجهة بين عملاقين متناكفين هما بيرني ساندرز ومايكل بلومبرغ. المواجهة ومصيرها، بغض النظر عن حظوظ ترامب، ستقرر مستقبل الحزب الديمقراطي بين الاتجاه صوب الصبغة اليسارية داخليا وخارجيا أو الحفاظ على الصبغة التقليدية التي طبعت تاريخه.

Paris Las Vegas Hotel & Casino table game dealer Kelly Douglas, who is on leave from her job due to the coronavirus (COVID-19)…

في مثل هذه الأوقات الحرجة، ومع استمرار المدّ القاسي لجائحة كورونا، تتردد كلمة المنزل آلاف المرات في اليوم الواحد ضمن صياغات مختلفة: الزم منزلك، Stay home، ابق في المنزل، خليك بالبيت، وغيرها من العبارات أو الجمل أو الوسومات التي تتبادلها البشرية بمختلف لغاتها، تتمحور جميعها حول أهمية المنزل كبطل عظيم، دون منازع.

في اللغة الإنكليزية، يحمل المنزل معنيين أو دلالتين، بيت الإنسان وموطنه، وهما معنيان لا يختلفان في جوهرهما العظيم، حتى أن المقر الرسمي لجميع رؤساء الولايات المتحدة في واشنطن منذ أكثر من قرنين، سماه الرئيس روزفلت سنة 1901، البيت الأبيض وليس القصر الأبيض، للدلالة على أنه بيت الأمة، وكثيرا ما تتردد في الأفلام عبارة  العودة إلى المنزل-Home ، بمعنى العودة للوطن، المنزل الكبير، الذي يحتضن الفرد ومنزله وأسرته.

لا تختلف اللغة العربية في تجلياتها اللغوية الغزيرة والبديعة لمعاني المنزل، فهو أيضا الوطن والأرض، والمسكن الذي تسكن إليه العائلة وتتعاقب عليه أرواح  قاطنيه، وهو المكان الذي إن تهدم أو زال أو دُرِسَ في الأرض، أو أقفر من ساكنيه بسبب موت أو حرب أو هجرة، أو بسبب واحدة من الكوارث الطبيعية وعاديات الزمن، استحق الحزن والرثاء الشديد لضياعه بأبلغ الكلمات المؤثرة، التي أكثر من التنويع عليها شعراء العرب القدماء، في مرثياتهم الكثيرة عن الترحال المستمر للقبائل والوقوف على الأطلال، واستعملوا كلمة المنازل في سياقات لغوية وشعرية لامتناهية، من أجملها وأكثرها دلالة لأبي تمّام: "كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى.. وحنينه أبدا لأول منزل".

هذا الأمر ربما يعيد الاعتبار لنمط الحياة العائلية القديمة في بعض المجتمعات، واستعادة فكرة الأسرة الكبيرة في منزل واحد

للقمر، ولكل فصل من فصول السنة وللكائنات الحية منازل، وفي سلوكيات الحياة الاجتماعية، لكل إنسان عند الآخرين منزلة، بمعنى قدره ومكانته الخاصة في نفوسهم، وفي الفن التشكيلي تحظى اللوحات التي ترسم بيوتا بانطباع وجداني أكبر، كما تتقدم المدن الشهيرة ببيوتها الجميلة القديمة أو الحديثة قائمة المدن الأكثر إبهارا وتميزا.

ولعل أجمل ما قيل في السياق، جاء على لسان الروائية العالمية التشيلية إليزابيت الليندي، التي فرقت بوصف أدبي مؤثر بين معنى البيت House  والمنزل Home،  بقولها إن البيت يصير منزلا، حين تحدث فيه ولادات ووفيات.

ممارسة العمل عن بعد الذي فرض كأسلوب مهني مستجد بسبب حظر التجوال الذي تشهده معظم دول العالم اليوم، اضطر العديد من الشخصيات الشهيرة مثل بعض الساسة والمحللين السياسيين والاقتصاديين ونجوم الفن والرياضة وغيرهم، للتواصل عبر الإنترنيت أو شبكات التلفزة من منازلهم، وتميز بينهم الإعلاميون ومراسلو الشبكات التلفزيونية بشكل خاص بالظهور المستمر وغير المتكلف لمواكبة تداعيات الحدث، الأمر الذي منح العمل الاعلامي عفوية أجمل، وإلفة، وكسرا للمألوف، بحيث بات المشاهد يتابع الحدث من منزل الإعلامي، ويجرب بدقائق خاطفة التدقيق في تفاصيل منزله التي تبدو في الخلفية، واكتشاف هوية أصحاب هذا المنزل وذوقهم الشخصي في اختيار الأثاث وأناقة ترتيبه، ويبدو أن زوجة أحد الإعلاميين لاحظت أن خلفية غرفة الجلوس التي يظهر فيها زوجها ناقصة، فسارعت بحسٍّ أنثوي لمّاح إلى إضافة بعض الأزهار في الخلفية التي ظهرت أكثر إشراقا في الاتصال الثاني.

المنزل، كملجأ معنوي وفيزيائي وحلم دائم للأفراد، بحضوره الطاغي وحاجته الماسة المتصاعدة اليوم، سيصاب في القريب العاجل بالآثار المهولة لخسائر الاقتصاد العالمي الناجمة عن الوباء، وفي الواقع، توحش الغلاء العالمي لقطاع العقارات ليس بالأمر الجديد أو الطارئ، لكنه سيصير أكثر ضراوة واستحالة، وكل السنوات التي سيقضيها الأفراد في العمل الدؤوب سعيا لامتلاك منزل ولو صغير لأسرهم، قد لا تكفي مهما اجتهدوا أو اقترضوا. 

توحش الغلاء العالمي لقطاع العقارات ليس بالأمر الجديد أو الطارئ، لكنه سيصير أكثر ضراوة واستحالة

هذا الأمر ربما يعيد الاعتبار لنمط الحياة العائلية القديمة في بعض المجتمعات، واستعادة فكرة الأسرة الكبيرة في منزل واحد، يتقاسمه الآباء والأبناء والأحفاد معا، وهي فكرة مهما تعددت سلبياتها وباتت مرفوضة في الحياة المعاصرة مع ميل الفرد نحو الاستقلالية، إلا أن إيجابياتها قد تكون أكبر في إعادة تعزيز الروابط العائلية التي بعثرتها أنماط الحداثة وتغريباتها.

حق التملك لمسكن، والذي كان يفترض بجميع دول العالم، السعي لتكريسه ضمن أولوياتها الاستراتيجية وسياساتها المالية وتقديم كل التسهيلات المتعلقة به، حق شرعي يكتسب أهميته اليوم أكثر من أي وقت مضى، وبشكل خاص فيما يتعلق بتسهيل عودة آمنة لآلاف المهجرين قسرا الذين مازالت منازلهم في أوطانهم قائمة، أو قابلة للإصلاح، هذه المنازل التي لا تجف دموع أصحابها كلما استعادوا ذكرياتها في صورهم القديمة التي احتفظوا بها مع مفتاح المنزل، على أمل العودة إليه في يوم من الأيام، ويتعرضون كل حين لعنصريات بغيضة من قبل بعض أفراد أو أحد ساسة الدول المضيفة.

Home..Home  كانت الكلمة الأكثر تأثيرا وجدانيا للكائن الفضائي اللطيف في فيلم E.T. - 1982 للمخرج ستيفن سبيلبيرغ، وستبقى الأكثر تأثيرا ومطلبا في أوقات المحن، والأوقات السعيدة.