534710 4

حازم الأمين/

يدرك حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أن وزير الخارجية اللبنانية السابق ورئيس التيار العوني جبران باسيل شريكه، بين شركاء آخرين، في المسؤولية عن إفلاس لبنان وفي عملية السطو الكبرى على مدخرات اللبنانيين، لكنه يتفهم إقدام الوزير على دعوة تياره للتظاهر أمام المصرف لـ"الضغط" على المصرف لكي يكشف عن عمليات تهريب الأرصدة التي جرت في الأشهر الأخيرة، ذاك أن الشركاء يقدرون ظروف بعضهم بعضا، ويدرك الحاكم أن الوزير السابق صاحب نفوذ كبير في الحكومة الحالية، ولا بأس من مشهد احتجاج عابر أمام المصرف، يصرف فيه باسيل بعضا من ضائقته. ويحضر في هذه اللحظة بنك سيدروس، والطائرة الخاصة التي أقلت الزعيم الكبير إلى دافوس، وصورته متسوقا في المتجر السويسري.

هذه الملهاة التي تجري تحت أنظار اللبنانيين، يجري ما يوازيها كل يوم في بيروت بين سياسي ومصرفي، أو بين وزير وأمير طائفة. وفي كل يوم يزداد الخناق على الناس، ويشعر الجميع بأن كل ساعة تمضي، يمضي معها شيء كان متاحا. الدولار في طريقه لأن يختفي، والعملة الورقية اللبنانية تزداد وهنا في أيدي مستهلكيها من الفقراء المتزايدة أعدادهم.

أيها الرجل المفلس وأيتها المرأة المفلسة عليكما بانتزاع حقكما بأيديكما

للانهيار وجوه كثيرة بدأنا نختبرها. السلع صارت نادرة في المتاجر، والأدوية في طريقها لنفس المصير. تستيقظ في الصباح لتجد رسالة صوتية من صديق يسأل فيها عن سر بقائنا في المنازل وعدم تحطيمنا المصارف، وما أن تغادر المنزل حتى تكتشف أن مواطنين غير محتجين وقفوا في صفوف طويلة أمام المصرف لتقاضي مبلغ المئة دولار الأسبوعي الذي أتيح لهم سحبه من ودائعهم.

لقد أصبح المشهد ثقيلا بالفعل في بيروت. حل الانهيار في النفوس، فصارت ثقيلة ومرهقة، ولم تعد تظاهرة تكفي لتفريغ الغضب. قد تصرخ في وجه مدير المصرف فيفرج لك الأخير عن مئة دولار إضافية، لكن ماذا عن المرة المقبلة، وهل يستقيم عيش شرطه الصراخ؟ الأمر نفسه بالنسبة للمهزلة أمام مصرف لبنان. لقد وصل العونيون إلى باحة المصرف، وها هم يحاولون مشاركتك في الصراخ، مثلما تولى زعيمهم مشاركتك بمدخراتك. ضاقت أعينهم باحتجاجك فقرروا سلبه منك، مثلما فعل جبران براتبك وبتعويضك في الضمان الاجتماعي!

لم يعد الأمر مجديا، وصار عليك أيها المواطن المدخر أرقاما لا توازي شيئا أن تعثر على وسيلة أخرى غير الاحتجاج في المصرف أو خارج المصرف. عليك أن تحول تعبك إلى غضب مكبوت. أن تصطحبه معك إلى العمل، أو إلى المقهى، وأن تتشاركه مع أصدقاء يكبتونه بدورهم. أن يصير جزءا غائرا من ملامح وجهك، وأن يرتسم عميقا في ابتسامتك.

لا بأس عليك، فأمين عام حزب الله حسن نصرالله رسم طريقا موازية لك ولأمثالك. ليس مهما ما أنت فيه من جوع وتعب. عليك أن تقاطع أميركا. افعل ذلك ولا تتردد. ستنتصر قريبا. ألم ينتصر صاحب هذه الدعوى في لبنان وفي سوريا وفي العراق وفي اليمن. تأمل جيدا بهذه المصائر وهذه الانتصارات، وتنفس الصعداء. تأمل جيدا بأحوال الناس في هذه الانتصارات.

ثم أن رئيس تيار المستقبل سعد الحريري، وهو الشريك الثالث في الانهيار وعدك بأن يعترف بذنوبه وأفعاله، فهل من شفافية أرق وأعذب من هذه الشفافية؟ قريبا جدا ستعرف من تولى عملية النهب. لكن شرط الحريري أن لا يبقى وحيدا في الفضيحة، وأن يقدم غيره على ما سيقدم عليه.

الساحات خالية، والمهزلة هي الخيار، إذا لم نملأها مجددا

بدأ الانهيار بالوصول إلى النفوس. لم يعد مجديا الصراخ، وحلت المهزلة مكان التظاهرة. باعت المصارف سندات الـ"يورو باوند" لمؤسسات في الخارج، ولم تسدد بأثمانها مدخرات المودعين. الدين صار خارجيا على نحو مفاجئ. في المصارف غُرف داخلية تجري فيها سرقات نجهل أشكالها. هؤلاء الرجال، مرتدي ربطات العنق، أمضوا سنوات في الجامعات يدرسون خططا للسطو على مدخرات الناس. فجأة باعوا السندات التي اشتروها بودائعنا لدائنين في الخارج. جرى ذلك بينما كان جبران باسيل يتظاهر أمام المصرف وحسن نصرالله يدعونا لمقاطعة أميركا وسعد الحريري يعدنا بالاعتراف.

إذا أيها الرجل المفلس وأيتها المرأة المفلسة عليكما بانتزاع حقكما بأيديكما، تماما كما سرقوكما بأيديهم. صحيح أنكما تعبتما بعد أشهر من التظاهر، لكن لا خيار ولا أفق سوى بشطب وجوه مثلث الفساد المذهبي. فالمهزلة بدأت تلوح بعد الكارثة. "مقاطعة أميركا" مشروع شيعة السلطة لمضاعفة الانهيار، ومصادرة حناجر المتظاهرين مشروع موارنتها، أما سُنتها، فينتظرون في قصر موحش ومُصادر أن ينطق سعد باعترافاته.

الساحات خالية، والمهزلة هي الخيار، إذا لم نملأها مجددا.

اقرأ للكاتب أيضا: ما هي العونية؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

المهزلة DF44766F-AA77-40C1-9DEE-80B075BADFCE.jpg AFP المهزلة من تظاهرات اللبنانيين في طرابلس أكتوبر الماضي 2020-02-20 13:31:59 1 2020-02-20 13:45:00 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟