534739 4

سناء العاجي/

اليوم، إن كنت عاملا في القطاع الخاص في المغرب، وكان مشغلك سيسجلك لأول مرة في نظام التغطية الصحية والضمان الاجتماعي، فاعلم أن كل تفاصيل حياتك ستكون في متناول المدير أو مسؤول الموارد البشرية. ببساطة لأن إدارة "الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي"، وهي المؤسسة العمومية المكلفة بالحقوق الاجتماعية للعاملين في القطاع الخاص، تطلب عددا من الوثائق من ضمنها نسخة من عقد الزواج، عقد ميلاد الأطفال، شهادة عدم عمل الزوج\ة (في حالة رغبة الشخص المعني في الاستفادة من التغطية الاجتماعية للأولاد، والتي تعادل حاليا حوالي 29 دولار عن كل طفل في حدود ثلاثة أطفال و... 3 دولار عن كل طفل بالنسبة للأطفال الرابع والخامس والسادس!)، نسخة عن بطاقة التعريف الوطنية للزوج(ة) (بما فيها من معطيات) وغير ذلك من الوثائق... التي يفترض أنها ضمن المعطيات الشخصية للفرد.

بمعنى أن مشغلك أو مسؤول الموارد البشرية سيطلع على عقد زواجك، وعلى بطاقة شريك حياتك ومهنته، وتاريخ ميلاده وتواريخ ميلاد أطفالك، وغيرها من المعطيات الشخصية التي لا يفترض أن يطلع عليها في إطار العلاقة المهنية التي تجمعكما.

على أي أساس يحق للمشغل أن يطلع على مبلغ ومدة قرض السكن التي يحصل عليها شخص ما؟

ألا يفترض أن يكون هناك نظام وطني شامل يضم كل المعطيات عن الشخص (زواجه، أطفاله، تاريخ ميلاده، مداخيله، علاجه...) والتي تستعملها كل مؤسسة (مع احترام شروط حماية المعطيات الشخصية) دون الحاجة للمرور عبر أطراف أخرى؟ في هذه الحالة مثلا، لماذا لا يكون هناك صندوق وطني موحد للضمان الاجتماعي والتغطية الصحية، يتوجه له المواطن بمعطياته، بحيث لا يمر عبر مشغله وعبر قسم الموارد البشرية للشركة التي يعمل بها؟ طبعا، يمكن أيضا تأطير حق الشركة في الحصول على بعض المعطيات الطبية التي تضمن قدرة الشخص على مزاولة مهامه أو حمايته في حالة حوادث الشغل مثلا.

باستثناء ذلك، لماذا على مسؤول الموارد البشرية أن يعرف سن شريك(ة) حياتك وعمله(ا) وعدد الأطفال وتفاصيل عقد الزواج وغيرها من المعطيات التي يفترض أن تكون شخصية؟

لماذا يكون على نفس المسؤول أن يعرف مرض وفحوصات الشخص المعني وفحوصات أفراد أسرته، عبر ملفات التغطية الصحية والتأمين الصحي التكميلي في الشركات التي توفره؟ على سبيل المثال، حين تزور سيدة ما طبيب النساء من أجل فحص الرحم والثدي، إن رغبت في الاستفادة من التغطية الصحية أو التأمين الصحي التكميلي، فسيمر ملفها الطبي عبر مسؤول الموار البشرية في الشركة التي تشتغل بها أو التي يشتغل بها زوجها، في حين يفترض أن هناك خصوصية لهذا النوع من المعطيات.

مؤسساتنا لم تعِ بعد شروط حماية المعطيات الشخصية للمواطن

وقس على ذلك فيما يتعلق بتطبيب الأطفال والاستفادة من تخفيض ضريبي على الدخل في بعض الحالات التي يحددها القانون، وغيرها. مثلا، في حالة الحصول على قرض للسكن، يستفيد العامل في القطاع الخاص في المغرب من تخفيض في الضريبة على الدخل. لكن، لكي يستفيد من هذا الإجراء، عليه أن يقدم جدول القرض لمسؤول الموارد البشرية في الشركة الخاصة التي يعمل بها. على أي أساس يحق للمشغل أو لمسؤول الموارد البشرية أن يطلع على مبلغ ومدة قرض السكن التي يحصل عليها شخص ما؟

هذه أمثلة ضمن نماذج أخرى كثيرة تبين أن مؤسساتنا لم تعِ بعد شروط حماية المعطيات الشخصية للمواطن. هناك تفاصيل ومعطيات يفترض أن يدبرها المواطن في علاقة مباشرة مع الإدارة المسؤولة عن حقوقه، حماية لخصوصيته... لا أن تصبح متاحة لأطراف أخرى لا يحق لها الحصول عليها.

اقرأ للكاتبة أيضا: الله خلق المتعة (خطأ؟)

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

حقوقك... مقابل انتهاك خصوصيتك! 26D01F76-B275-4254-9E24-DAC99FB4C3FA.jpg AFP حقوقك-مقابل-انتهاك-خصوصيتك بمعنى أن مشغلك أو مسؤول الموارد البشرية سيطلع على عقد زواجك، وعلى بطاقة شريك حياتك ومهنته، وتاريخ ميلاده وتواريخ ميلاد أطفالك، وغيرها من المعطيات الشخصية التي لا يفترض أن يطلع عليها في إطار العلاقة المهنية التي تجمعكما 2020-02-20 14:56:23 1 2020-02-20 15:22:22 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟