534790 4

عمران سلمان/

تميز عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما بالعديد من الاختراقات المهمة على صعيد السياسة الخارجية، ابتداء من قضايا المناخ إلى الدبلوماسية العامة وخاصة في الشرق الأوسط، لكن أعظم اختراقين له كانا هما الاتفاق النووي مع إيران وعدم التورط العسكري في الحرب السورية.

لم يكن سيئا

فالاتفاق النووي، رغم أنه لم يكن مثاليا، إلا أنه كان الأكثر واقعية من جملة الخيارات التي كانت مطروحة. وكان التوصل إليه ثمرة سنوات من العمل الدبلوماسي المضني ليس فقط للمفاوضين الأميركيين، ولكن أيضا للمفاوضين الأوروبيين وبمشاركة غير مباشرة من مسؤولي العديد من دول العالم. وبالتالي لم يكن هذا الاتفاق مجرد قرار أميركي أو من بنات أفكار إدارة أوباما، وإنما كان اتفاقا متعددا، حظي بالإجماع الدولي.

أما قرار الرئيس الحالي دونالد ترامب بإلغائه، فليس بسبب كونه اتفاقا سيئا أو مهادنا لإيران كما يجري تصويره. وإنما لسببين، الأول أن ترامب لم يرد أن يرتبط باتفاق أنجزه سلفه، ويريد إنجازا من صنعه، والثاني أن إسرائيل كانت تعارضه بشدة.

الحروب اليوم في معظمها استنزافية، وهي تؤدي إلى تحطم الدول وتآكلها بسرعة

وقد صادف أن الرئيس ترامب قرر أن يلغي كل ما عمله أوباما في البيت الأبيض، وكان قد وعد مسبقا خلال حملته الانتخابية بإصلاح العلاقة مع إسرائيل، التي كانت قد تدهورت على مستوى رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو وإدارة أوباما.

الأمر الملفت أن ترامب نفسه لا يمانع في الحديث مع الإيرانيين. فقد سعى بشتى الطرق للجلوس معهم على طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد. ولو وافقوا على ما يريده، لكان الآن يفاوضهم وربما توصل إلى اتفاق لا يختلف كثيرا عما توصل إليه أوباما.

ترامب على خطى أوباما

فيما يتعلق بالأزمة السورية كان من المفارقات البارزة أن إدارة ترامب لم تذهب في الاتجاه المعاكس، بل سارت على نفس النهج الذي اختطته إدارة أوباما في عدم التدخل العسكري، ثم زادت عليه بأن نفضت يدها تقريبا من الملف السوري كله. ولم تعد تتحدث عن تغيير النظام أو عن مستقبل بشار الأسد في حكم سوريا.

قد يكون لوعد ترامب بعدم الانخراط في مشاكل المنطقة دور في ذلك، وخاصة لجهة التكاليف والأعباء المالية والعسكرية التي قد تتحملها الولايات المتحدة نتيجة هذا التدخل. لكن الأمر المؤكد أنه يعكس قناعة داخلية أميركية وتوافقا شعبيا على عدم المشاركة في حروب الشرق الأوسط.

للأسف هناك كثيرون في المنطقة حتى الآن يتخذون موقفا سلبيا من إدارة أوباما بسبب عدم تورطها العسكري في الحرب السورية، رغم أن عواقب هذا التورط لم يكن ليرضى عنها حتى أولئك الذين سعوا بكل طاقتهم لتبرير حدوثه.

سيناريو مرجح

فقياسا لما حدث في أفغانستان والعراق، وحالة سوريا ليست أقل تعقيدا، فإن الإدارة الأميركية سوف تكون محظوظة لو تمكنت من إقناع الفصائل "الجهادية" المسلحة والإخوان المسلمين والأكراد بتشكيل حكومة مؤقتة في البلاد. وسوف تكون محظوظة أكثر لو استطاعت أن تبقي هذه الحكومة على قيد الحياة لفترة معقولة.

وسوف تكون محظوظة لو لم يصطدم الوجود الأميركي بعمليات انتحارية من جانب تنظيمي "القاعدة" و"داعش" وغيرهما، ممن سوف يجدونها فرصة لتسوية بعض الحسابات مع القوات الأميركية.

وسوف يتعين على الولايات المتحدة أن تخطط للبقاء سنوات طويلة في سوريا، من أجل الحفاظ على الوضع الهش الذي سوف ينشأ نتيجة تعقيدات الوضعين المحلي والإقليمي.

ثم بمجرد أن يستتب الأمر لإحدى الفصائل أو تحالف من الفصائل، سوف تطالب الولايات المتحدة بإجلاء قواتها من البلاد. وسوف يكون ذلك أيضا شعارا يحظى بالرواج والتصفيق في العالم العربي!

ثم سوف يخرج رئيس أميركي جديد، ليقول: انظروا ماذا جنينا من الذهاب إلى سوريا؟ لقد أنفقنا المليارات وقدمنا تضحيات جسام من أرواح جنودنا وموظفينا، وماذا حدث بعد ذلك، إنهم يطردوننا من البلاد التي حررناها من الديكتاتورية!

ما هذا الغباء؟

ألا يبدو هذا السيناريو مألوفا؟ أليس هو ما يمكن أن يحدث في الحالة السورية؟ 

طبعا هذا إذا سارت الأمور كلها على ما يرام من دون تعقيدات أو مفاجئات، وهو أمر مستبعد وإن كان ممكنا.

لهذا السبب بالذات فرمل الرئيس أوباما قرار الذهاب إلى الحرب في سوريا

والحال أن الولايات المتحدة قادرة على الدخول في حرب ضد أي جيش نظامي والانتصار فيها، لكن الحروب المباشرة لم تعد هي السمة الأساسية في عصرنا هذا. الحروب اليوم في معظمها استنزافية، وهي تؤدي إلى تحطم الدول وتآكلها بسرعة، وما ينتج عن ذلك من فوضى وتفكك.

وسوف يتعين على المنتصر أن يدفع تكلفة الهدم ثم تكلفة البناء. ولن يستطيع أن يغادر ويترك الخراب وراءه. أو كما يقول المثل الأميركي: أنت كسرته فأنت تصلحه. وهناك طبعا من سوف يتساءل حينها، كما فعل الرئيس ترامب بالنسبة لحروب المنطقة، لماذا كل ذلك؟ ما هذا الغباء؟

لهذا السبب بالذات فرمل الرئيس أوباما قرار الذهاب إلى الحرب في سوريا، رغم صراخ المحللين الأمنيين والسياسيين المرتبطين بصناعة السلاح الأميركية، وقرر عدم التورط العسكري. هل كان محقا في قراره؟ أعتقد ذلك إلى حد كبير. وقراره كان لمصلحة الولايات المتحدة ولمصلحة سوريا والسوريين، وإن بدا خلاف ذلك.

اقرأ للكاتب أيضا: التجديد الديني ضرورة وليست ترفا!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
التدخل الأميركي في سوريا! 9AD9B2BB-7E15-4393-B6DC-FE61E81A8901.jpg AFP التدخل-الأميركي-في-سوريا آليات عسكرية أميركية في القامشلي في نوفمبر الماضي 2020-02-21 13:19:54 1 2020-02-20 20:21:18 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟