قد يكون الجمر تحت الرماد، وقد يكون الآتي أعظم، وقد يكون المحارب في استراحة. كل ذلك وأكثر ممكن، لكن حاليا لم تعد ثمة ثورة في لبنان. ثورة 17 أكتوبر 2019 خمدت.

لم يعد عشرات آلاف اللبنانيين يلبون نداءات التجمّع. أصبحوا مجرد عشرات في الأيام العادية، ومجرد مئات في لحظات الذروة.

خمدت الثورة في لبنان، على الرغم من أن أسباب احتدامها تتراكم. وإذا كانت شرارتها تجسّدت في قرار قضى بوضع رسم 6 دولارات شهريا على استعمال تطبيق "واتسآب" وأشقائه، فإن ما يشهده لبنان حاليا، أقسى بكثير من هذه الدولارات الستة، وعلى سبيل المثال لا الحصر فجميع السلع في لبنان ارتفعت، منذ 17 أكتوبر حتى تاريخه، أقلّه 45 بالمئة، فيما وصلت البطالة مع إفلاس المؤسسات الخاصة وإقفالها أو تصغير حجم أعمالها إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، و"صودرت" ودائع اللبنانيين في المصارف، وسط تلميحات إلى إمكان "اقتطاع" نسب منها، وهوت الليرة اللبنانية أمام "سيّد العملات".

الثورة لا تموت، بل تكون دائما على مراحل، على أن تستخلص كل مرحلة الدروس المستقاة من سابقاتها

خمدت هذه الثورة، في الوقت الذي لم تتمكن من أن تحقق شيئا من مطالبها. العكس هو الصحيح. على المستويين الاقتصادي والمالي، تفاقمت الأحوال ووصلت المصائب لتطال المستويين الحياتي والاجتماعي. الطبقة السياسية التي شاء الثوّار تغييرها، استغلت الثورة، حتى ينقض بعضها على البعض الآخر، في عملية تصفية حسابات، وإعادة نظر في الأحجام والبرامج والتحالفات. أما طلبات الهجرة، فيؤكد جميع العاملين في مجال توفير ظروفها الملائمة، أنها لم تتضاعف، بل تضخمت كثيرا.

ثمة نكران علني لواقع خمود الثورة. المنطق الذي يعتمده هؤلاء، يقوم على الإكثار من الكلام المبني على وجوب التمتع بإنجازات صغيرة، عندما تكون عاجزا عن تحقيق الأهداف العظيمة. ولذلك، فإن الذين عيّنتهم "تجمعاتهم" الصغيرة التي كانت قد شاركت في "الحراك العظيم"، متحدّثين باسم الثورة، يضخّمون ما حصل. يتوهمون أنهم قضوا على الطائفية في لبنان، فيما هي تطل كل يوم بألف رأس ورأس. يظنون أنهم زلزلوا الأرض تحت أقدام النواب، ولكنّ واحدا أحدا لم يستقل منهم. يتحدثون عن سقوط الحكومة التي كان يترأسها سعد الحريري، إلا أنهم لا يلتفتون إلى أن التي "ورثتها" هي من صناعة هؤلاء أنفسهم. يعتقدون، وعن خطـأ، بأن الهجوم على سلبيات الماضي السياسي أسقط محرّما، ويتجاهلون أن المحرّم الحقيقي الذي يجب إسقاطه في لبنان، هو وجوب الهجوم على السلبيات الممتدة من الماضي الدموي لتستحكم بالحاضر والمستقبل.

ولأن الثورة في لبنان ضرورة وحاجة، فمن المسؤول عن إخمادها، حاليا؟

من البديهي أن تعمل القوى المتضررة من الثورة على استيعابها لإسقاطها. وعليه فإن مسؤولية الطبقة السياسية، بكل تفرعاتها، خارج النقاش.

إن هذا النقاش يتمحور، حصرا، حول مسؤولية المؤمنين بالثورة.

الأسئلة التي يجب أن يطرحها هؤلاء على أنفسهم كثيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر، هي الآتية:

- هل خذلنا الناس أم نحن من خذلهم؟

- هل الفرص التي أعطيناها للسلطة، كانت مناسبة لترتيب أوراقها وأوضاعها، للانقضاض علينا؟

- هل اكتفينا بالشعارات الكبرى التي طالما حملتها الطبقة السياسية، في صراعاتها الداخلية، من دون الانكباب على وضع قائمة واضحة بالأهداف؟

- هل عملنا على تقاسم الجبنة، فيما لم نكن قد أتينا بعد بالحليب الذي سنصنعها منه؟

- هل أبعدنا مجموعات كبيرة من الناس عن الشارع، خوفا من تأثيرها السلبي على طموحات أنانية عصفت فينا؟

خمدت هذه الثورة، في الوقت الذي لم تتمكن من أن تحقق شيئا من مطالبها

- هل تقيّدنا، من دون وعي، في معالجة الأسباب الحقيقية للفجيعة التي ألمّت بلبنان، بالمنطق نفسه الذي سبق ورسمه السياسيون حتى يصلوا إلى مراكز السلطة، فكان التعاطي مع "حزب الله"، مثلا، على قاعدة الجذب وليس على قاعدة الرفض لنموذجه الذي يقيم دويلة في قلب الدولة، ويأخذ جميع اللبنانيين، بخيارات أحادية، إلى صراعات، عزلت لبنان عن المساعدات والدعم والمعونة، لتحشره في محور الفقر والحرمان والدم؟

إن الدعوة الى إجراء مراجعة حقيقية وصادقة وعميقة، لأسباب خمود الثورة في لبنان، ليست، كما سيحلو للبعض اعتقاده تهرّبا من "المساءلة"، دقا لأجراس الحزن عليها، فالثورة لا تموت، بل تكون دائما، كما أثبت التاريخ، على مراحل، على أن تستخلص كل مرحلة الدروس المستقاة من سابقاتها.

يروي الكاتب الفرنسي فرانسوا رينيه دو شاتوبريان في "مذكرات ما بعد القبر" أنه زار قصر فرساي، بعد سقوط سجن "باستيل"، فوجد، على خلفية التغييرات الوزارية التي أجراها الملك لويس السادس عشر، أن "العرش الذي كان على عتبة السقوط، بدا كأنه لم يكن يوما أصلب مما هو عليه".

السلطة في لبنان وفي كل مكان، في هذا الزمن وفي كل الأزمنة، يحق لها أن تعتقد بأنها صلّبت مواقعها وعززت أوضاعها، ولكن الثوّار، إذا ما كانوا فعلا كذلك، قادرون على تحويل هذا الاعتقاد إلى مجرد... سراب.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟