534787 4

د. عماد بوظو/

بدأ العد العكسي للعصر الذي كان فيه النفط شريان الاقتصاد العالمي، وشارفت على نهايتها أيام "كسل" واسترخاء العرب الذين ارتبطت صورتهم عند العالم منذ سبعينيات القرن الماضي بالثراء المرتبط بالبترول، ولم يقتصر هذا "الكسل" على الدول النفطية بل شمل بقية الدول العربية التي كانت العمالة في الدول النفطية مصدرا رئيسيا لدخلها.

ففي مصر سجّلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج 25.15 مليار دولار في العام المالي 2018 ـ 2019، وفي نفس العام بلغ دخل قناة سويس 5.9 مليار وإيرادات السياحة 12.57 مليار وصادرات الغاز الطبيعي والمسال 1.2 مليار، أي أن تلك التحويلات قد تجاوزت بكثير مجموع المصادر السابقة، بما يوضح أن الاقتصاد المصري ما زال معتمدا حتى الآن على تحويلات العاملين في الخارج وأغلبيتهم المطلقة في دول الخليج، ولأن هذه التحويلات بالدولار فقد كان لها أيضا الدور الرئيسي في استقرار سعر الصرف في السوق المصرية.

وفي لبنان قدّر صندوق النقد الدولي تحويلات المغتربين عام 2018 بحدود 7.2 مليار دولار أغلبها من دول الخليج والسعودية بشكل خاص، وشكّل ذلك 12.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفي الأردن يقدّر عدد العاملين بالخارج 600 ألف معظمهم في دول الخليج يحوّلون سنويا بين 3.5 و4 مليار دولار، وشكلت تحويلاتهم خلال الفترة بين عامي 2000 و2014 حوالي 14 في المئة من الناتج القومي و22 في المئة من مداخيل الحساب الجاري، وإذا أضيف إلى تحويلات العمالة العربية في الدول النفطية مداخيل السياحة والاستثمارات الخليجية في الدول العربية والمساعدات والمنح التي تقدمها الحكومات الخليجية لتلك الدول، يتّضح حجم الاعتماد العربي على النفط وحجم الآثار السلبية المترتبة على نهاية عصره، ولماذا ستشمل تداعياته جميع الدول العربية.

وضع جميع الدول العربية بعد عصر النفط بالغ الحساسية

فقبل بضعة أيام صرّح رئيس الوزراء الجزائري أن الدين العام قد ارتفع من 26 في المئة من الناتج الوطني عام 2017 إلى 45 في المئة العام الماضي ووصف وضع الاقتصاد الجزائري بالحرج. وفي نفس الوقت، كشف تقرير لصندوق النقد الدولي عن أن دول الخليج العربية قد تفقد ثروتها المالية في غضون 15 عاما فقط إذا استمرت أوضاعها الاقتصادية على ما هي عليه اليوم.

فقد أدت الأسعار المنخفضة للبترول، الذي يشكل بين 70 و90 في المئة من موارد دول الخليج إلى انخفاض نسبة النمو فيها إلى 0.6 في المئة عام 2019، وكانت هذه الدول قد خسرت 300 مليار دولار من احتياطيها النقدي بين الأعوام 2014 و2018. وبحسب توقعات صندوق النقد الدولي فإن نزيف الاحتياطي النقدي سيستمر نتيجة عجز موازنات بعض دول الخليج؛ فالسعودية مثلا تتوقع عجزا في ميزانيتها هذا العام قدره 50 مليار دولار مرتفعا عن 35 مليار عام 2019.

اقترح صندوق النقد الدولي على دول الخليج مجموعة من خطوات الإصلاح الاقتصادي للتعامل مع الواقع الجديد، تبدأ بخفض نفقات الدولة عبر تقليص الوظائف العامة وتخفيض رواتبها المرتفعة حسب المقاييس العالمية، وتخفيف الدعم الحكومي عن السلع الرئيسية ورفع أسعار الطاقة وزيادة الضرائب، على أن تترافق هذه الخطوات مع توفير شبكات أمان اجتماعي تساعد الفئات الأفقر بحيث لا تهدّد استقرار دول الخليج، بالإضافة إلى الخطوة الأساسية وهي تنويع الاقتصاد الخليجي لفك ارتباطه بالنفط. ولكن مجموع الإجراءات التي يجب على دول الخليج اتخاذها تتطلب أجهزة إدارية ذات كفاءة ومهنية وخاضعة للمساءلة والرقابة الشعبية، وهذا من الصعب تحقيقه بدون هامش أكبر من الديمقراطية والشفافية.

الأوضاع الإقليمية المتوترة وحالة عدم اليقين السياسي قد تكبح النمو وتقلل من فرص الاستثمار

ولذلك برزت مخاوف عند البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومؤسسات التصنيف الائتماني لجهة أن حجم وسرعة الإجراءات التي اتخذتها دول الخليج حتى الآن لم تكن كافية، بل إن هناك من يخشى بأن لا يكتب لها النجاح، بسبب وجود مجموعة متشابكة ومتغيرة من القضايا تتداخل في هذا الوضع المعقد، مثل معوقات تطور القطاع الخاص وإنتاجيته المنخفضة وتركيز نشاطاته في قطاعات غير إنتاجية.

كذلك، فإن هياكل التربية والتعليم الخليجية بحاجة للتطوير لتواكب الإصلاحات المطلوبة، بالإضافة إلى أن التركيبة السكانية وتنظيم سوق العمل يتطلّبان البدء بتخفيف الاعتماد على العمالة الأجنبية، ومجموع هذه الأمور يحتاج إلى سنوات طويلة من الإصلاح والتأهيل، بينما الطبيعة الملحّة للتحديات الراهنة لا تسمح بالانتظار كل هذا الوقت.

وفي هذا الوضع قد يكون من الأفضل دفع صناديق الاستثمار الخليجية للعمل داخل بلادها بمشاريع تنموية تنشّط اقتصادها وتؤمن فرص عمل لمواطنيها بدل العقلية التجارية الصرفة التي تدير هذه الصناديق حاليا، والتي تقتصر أهدافها على البحث عن ربح "مضمون" تدعم فيه ميزانيات بلادها، عن طريق الاستثمار في أسواق تعتبرها مستقرّة مثل الولايات المتحدة وأوروبا وشرق آسيا، في صفقات تراوحت بين شراء نوادي كرة قدم والمساهمة في أسواق الأسهم أو في شركات ناشئة وفي سندات الخزينة الأميركية، فبعض هذه الاختيارات لم يكن موفقا أو مجزيا ماليا، وكذلك لا يجب أن تغيب عن البال الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي خسرت فيها دول الخليج مئات مليارات الدولارات بسبب استثمارات من هذا النوع.

هياكل التربية والتعليم الخليجية بحاجة للتطوير لتواكب الإصلاحات المطلوبة

كما أن الأوضاع الإقليمية المتوترة وحالة عدم اليقين السياسي قد تكبح النمو وتقلل من فرص الاستثمار، ولذلك من الأنسب لدول الخليج تجنّب التدخل قدر الإمكان في الصراعات الإقليمية، والتخلي عن محاولة لعب دور إقليمي مكلّف اقتصاديا وعسكريا، فقد احتلت المصروفات العسكرية في الميزانية السعودية للعام الحالي المرتبة الثالثة بعد الصحة والتعليم بقيمة اقتربت من 50 مليار دولار، في حين يقول البنك الدولي إن الإنفاق العسكري للإمارات كان عام 2014 بحدود 5.6 في المئة من ناتجها القومي، كما تجاوز إنفاق قطر العسكري 19 مليار دولار وفقا لتقديرات عام 2015.

ويجب كذلك التخلي عن التعامل مع الخلافات والتباينات الخليجية بعقلية قبليّة، فمصير هذه الدول في النهاية واحد، وقد انعكست خلافاتها حتى الآن في خسائر لشركات طيرانها وفي نقص إشغال فنادقها ومنشآتها السياحية وفي ارتفاع إنفاقها العسكري وفي تشكيلها تحالفات إقليمية ودولية متنافسة تقوم دول الخليج بتحمّل تكاليفها.

وفي المجمل، فإن وضع جميع الدول العربية بعد عصر النفط بالغ الحساسية ويتطلّب ما هو أكثر من بيانات تطمين ودراسات متفائلة لا تستند على معطيات موضوعية رصينة، بل لابد من استراتيجية شاملة لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، والتي تبدو مقدّماتها بالغة الخطورة في ما تشهده عدة دول عربية من احتجاجات واضطرابات، وكل هذا قد لا يكون سوى البداية.

اقرأ للكاتب أيضا: "صفقة القرن" وسوء فهم مزمن بين العرب والعالم

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
ما هي خيارات العرب بعد عصر النفط؟ E46622F4-44AA-4426-B566-9F9CC4CEAD83.jpg AFP ما-هي-خيارات-العرب-بعد-عصر-النفط التركيبة السكانية وتنظيم سوق العمل يتطلّبان البدء بتخفيف الاعتماد على العمالة الأجنبية 2020-02-21 13:21:03 1 2020-02-20 19:54:12 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟