534929 4

إلينا ديلوجر/

في 20 فبراير انطلقت حقبة جديدة في عُمان. ففي 11 يناير، أدّى السلطان الجديد هيثم بن طارق آل سعيد اليمين الدستورية رسميا، لكنه بقي صامتا وبعيدا عن الأنظار إلى حدّ كبير خلال فترة الحداد التي استمرت أربعين يوما عقب وفاة ابن عمه السلطان قابوس. والآن وقد شارفت هذه الفترة على نهايتها، أصبح بإمكانه وضع بصمته على السياسة العمانية بحرية.

ومما يثير الاهتمام أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو [زار عمان يوم الجمعة] حيث ترأس أول وفد دولي لمقابلة السلطان هيثم في فترة ما بعد الحداد. وعندما تمّ تحديد موعد الاجتماع في بادئ الأمر، رأى بومبيو على الأرجح أن ذلك يشكل فرصة للتعرف على السلطان الجديد، فضلا عن القيام بزيارة رمزية للتعويض عن إرسال وفد أميركي على مستوى منخفض لتقديم التعازي بعد وفاة السلطان قابوس.

ومع ذلك، قد يكون للسلطان هيثم والوزير بومبيو الكثير للتحدث عنه حاليا. ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، اندلعت مواجهات بين القوات السعودية وسكان محليين مدعومين من عُمان في محافظة المهرة الحدودية اليمنية. وقد تكون تلك المواجهة الاختبار الإقليمي الأول للسلطان هيثم، ومن شأن تحديد الجهات الفاعلة التي تساعده على اجتياز هذا الاختبار أن يسهل على واشنطن تمييز مراكز القوة المستقبلية في حكومة عُمان التي غالبا ما تكون [تشكيلتها] ضبابية.

خلاف المهرة

في 17 فبراير، ادّعت مجموعة من المحتجين المحليين أن قوات أمنية جديدة مدعومة من السعودية كانت قد وصلت إلى معبر "شحن" الحدودي بين عُمان واليمن، مما أثار تجدد الصراع مع أولئك الذين يعارضون الوجود السعودي في محافظة المهرة. وقد تمّ تداول وجهة النظر هذه على نطاق واسع عبر تطبيق "واتساب" كما نقلتها قناة "الجزيرة". وأشار سكان محليون آخرون إلى أن المحتجين أنفسهم أثاروا المواجهة.

ويعود سياق هذه الحادثة إلى أواخر عام 2017 عندما نشرت السعودية قوات في محافظة المهرة للقيام بعمليات مكافحة التهريب، بإشارتها إلى مخاوف من حصول الحوثيين على قطع صواريخ إيرانية متقدمة وأسلحة أخرى عبر الحدود. وقد نفى المسؤولون العُمانيون حدوث مثل هذا التهريب.

من المرجح أن يقوم السلطان الجديد بتمكين أفراد عائلته بدلا من تهميشهم

وأشارت مجموعة المحتجين في المهرة بقيادة اللواء علي سالم الحريزي، القائد اليمني الذي كان مسؤولا سابقا عن العمليات الحدودية المحلية، إلى أن عدد القوات السعودية يتجاوز بكثير ما هو ضروري لتنفيذ عمليات مكافحة التهريب. ومن وجهة نظرهم، ينتهك الوجود السعودي المهيمن أسلوب حياتهم وقد يكون مقدمة لإقدام الرياض على بناء خط أنابيب نفط يمرّ عبر المحافظة.

وفي الواقع، كانت المملكة قد طلبت من اليمن وسلطنة عُمان إمكانية الوصول إلى البحار المفتوحة في العقود الماضية، ويعتقد المحتجون في المهرة أن هذا لا يزال الهدف السعودي، مشيرين إلى الوثائق المسربة وتقارير عن نشاط هندسي في عام 2018 كمؤشرات على ذلك [الطموح].

وقد جاء في البيان الرسمي الذي أصدرته الرياض حول المواجهة الحالية ما يلي: "حاولت بعض الشخصيات المعروفة التي ترأست جماعات الجريمة المنظمة والتهريب... تعطيل جهود... بوقف وضبط عمليات التهريب" في المهرة. ومع ذلك، ستعارض عُمان وصف هذه "الشخصيات" ـ في إشارة واضحة إلى الحريزي ومعسكره ـ كمجرمين.

فلطالما اعتبرت مسقط منطقة "شحن" كجزء من محور نفوذها؛ وتماما كما منح السعوديون جوازات سفر وحرية السفر إلى سكان المهرة بالقرب من حدودهم عند الطرف الشمالي من المحافظة، لطالما منح العُمانيون سكان المهرة الامتيازات نفسها على طول الحدود الشرقية للمحافظة، إلى جانب الدعم الاقتصادي والإنساني الكبير.

وكان آخر تصعيد كبير بين القوات السعودية والمحتجين في المهرة قد حدثَ في مايو 2019. وخمدت شرارة ذلك الصراع في غضون أيام قليلة، وقد يتكرر ذلك السيناريو هذه المرة ـ وبالفعل، لا يصطف بعض سكان المهرة وراء الحريزي رغم استيائهم من الوجود السعودي. ومع ذلك، فإن الشائعات بأن السعوديين يجلبون قوات يمنية من محافظات أخرى لمساعدتهم، إذا كان ذلك صحيحا، قد تؤدي إلى تفاقم المشاعر المعادية للسعودية وتعزيز مكانة الحريزي.

وعلى هذا النحو، يمكن لهذا الوضع أن يؤدي إلى صراع بين شركاء أميركا في المنطقة، سواء في الوقت الحالي أو في المستقبل. وقد تنظر كل من السعودية وعُمان إلى مثل هذا الصراع بمثابة تهديد وجودي: فبالنسبة للرياض، إن عملية التهريب المزعومة عبر الحدود العمانية تجهز الحوثيين بالصواريخ التي أطلقوها بشكل متكرر على الأراضي السعودية؛ وبالنسبة لمسقط، فإن وجود قوة عسكرية سعودية على حدودها أثناء الانتقال الهش للقيادة أمر مثير للقلق. ولا تريد أي من الحكومتين صراعا، لكن من غير المحتمل أن تتراجع أي منهما عن حماية مصالحها.

ما يهم الولايات المتحدة

مما يثير استياء المراقبين الخليجيين، أن الوفد الذي أرسلته إدارة ترامب لتقديم التعازي في الشهر الماضي لم يتخلف فقط عن الحضور خلال الأيام الثلاثة المخصصة لتقبل التعازي، بل ترأسه أيضا وزير الطاقة الأمريكي عوضا عن مسؤول أقدم وأرفع شأنا.

في المقابل، أرسلت بريطانيا ودول أخرى وفود رفيعة المستوى. ولاحظ العمانيون بلا شك المستوى المنخفض للوفد الأميركي، على الرغم من أن بإمكان توقيت الزيارة الأخيرة لبومبيو ومضمونها أن يقطعا شوطا طويلا نحو إصلاح ما حدث.

وعندما يصل وزير الخارجية الأميركي بعد زيارته إلى السعودية، فإن إحدى القضايا التي قد يتمّ التطرق إليها هي خطة ترامب للسلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني التي تم إصدارها مؤخرا. وكانت سفيرة عُمان في واشنطن قد حضرت حفل الإعلان عن الخطة في 28 يناير إلى جانب نظيريها الإماراتي والبحريني، لكن حضورها كان على الأرجح بسبب العرف الخليجي أكثر من دعمها للخطة. وبالتالي، من المحتمل أن يحاول بومبيو اكتشاف رأي السلطان الجديد حول هذا الموضوع.

ومن المؤكد أن الوضع في اليمن سيكون على جدول الأعمال، بما في ذلك التوترات في المهرة. وإذا لم يثر السعوديون والعُمانيون القضية الأخيرة مباشرة مع واشنطن، فيجب على المسؤولين الأميركيين طرحها. فالعلاقات الخليجية متوترة بالفعل بشكل خطير بسبب الصدع المستمر مع قطر، وبالتالي فإن السماح للتوترات العُمانية ـ السعودية بالتفاقم يمكن أن يضعف الأمن الإقليمي ويعيق الجهود الرامية إلى حل الأزمة اليمنية.

وتتمتع المملكة حاليا بمكانة جيدة لتوجيه حكومة هادي والفصائل الجنوبية في اليمن نحو المحادثات، في حين قد تكون عُمان قادرة على التأثير على الحوثيين بطرق إيجابية. لذلك يجب على المسؤولين الأميركيين بذل كل جهد ممكن لتخفيف التوترات.

شؤون عائلية

قد توفر زيارة بومبيو أيضا رؤية حول السياسة الخارجية للسلطان الجديد والآلية وراء صنع قراره. فمع انتهاء فترة الحداد، قد يبدأ قريبا في إجراء تغييرات هيكلية أو شخصية في هذا الاتجاه. لذلك ينبغي على واشنطن أن تراقب كبار المسؤولين العُمانيين مثل رئيس جهاز الاتصالات والتنسيق بالمكتب السلطاني منذر السعيد، ووزير المكتب السلطاني سلطان النعماني، ووزير الدولة للشؤون الخارجية يوسف بن علوي، والوزير المسؤول عن شؤون الدفاع بدر البوسعيدي.

وكان هؤلاء المسؤولين أساسيين في تنفيذ الأجندة الإقليمية للسلطان قابوس، ومن المحتمل أن يكونوا من بين الأوائل الذين تم التشاور معهم في قضايا مثل المهرة وخطة ترامب للسلام، على افتراض احتفاظهم بمناصبهم في عهد السلطان الجديد.

وتبرز قضية ملحة أخرى وهي الدور الذي قد يسعى هيثم إلى أن تضطلع به عائلته. فقد اشتهر السلطان قابوس بتهميشه العائلة باستثناء واحد: عندما عيّن طارق بن تيمور ـ والد هيثم ـ رئيسا للوزراء في بداية عهده. وسرت شائعات بأن طارق خطط لانقلاب قبل أن يسبقه قابوس بهذه الخطوة في عام 1970. وبعد وفاة رئيس الوزراء في عام 1980، تولّى قابوس نفسه هذا المنصب وطبّق حكما مباشرا شارك فيه عدد قليل من أفراد عائلته. وعند وفاته الشهر الماضي، لم يكن لديه زوجة أو أشقاء أو أولاد.

لا تريد أي من الحكومتين صراعا، لكن من غير المحتمل أن تتراجع أي منهما عن حماية مصالحها

في المقابل، من المرجح أن يقوم السلطان الجديد بتمكين أفراد عائلته [وإشراكهم في الحكم] بدلا من تهميشهم، بمن فيهم شقيقاه: أسعد بن طارق، الذي يقال إنه مقرب من هيثم وكان أيضا مرشحا ليكون سلطانا؛ وشهاب، شقيقه الأصغر سنا.

أما زوجته السيدة عهد، فقد تقبلت التعازي من الزوجات البارزات للعديد من حكام الخليج نيابة عن زوجها. فهل ستبقى وراء الكواليس أم تضطلع بدور أكثر علنية على غرار دور الشيخة موزا في قطر؟ أما بالنسبة لأولاده الأربعة، فمن المرجح أن يلعب نجلاه دورا أكثر بروزا: حيث تفيد الخبيرة في الشؤون الخليجية كريتسين ديوان أن ذي يزن (مواليد 1990) عاد إلى السلطنة من لندن لمساعدة والده منذ توليه الخلافة؛ لكن ليس من الواضح إن كان بلعرب (مواليد 1995) سيعود أيضا.

وقد تتمكن واشنطن من تحديد هوية بعض الجهات الفاعلة الرئيسية في عملية صنع القرار المستقبلية في سلطنة عُمان من خلال الأشخاص الذين سيُشركهم السلطان في الاجتماع مع الوفد برئاسة بومبيو.

ولكن في النهاية، قد تستغرق العديد من الأدوار التي يضطلع فيها الحرس القديم وأقرب أفراد عائلة هيثم، وقتا أطول لتثبيتها، بما أن السلطان قد يدقق بعناية في توزيعها بينما يرسّخ قدميه في الحكم بمرور الوقت. وقد تكون كيفية تعامله مع الوضع المتوتر بشكل متزايد في المهرة مع السعودية مؤشرا أسرع على شكل حكمه، وما إذا كان سيعتمد على الولايات المتحدة.

إلينا ديلوجر، هي زميلة أبحاث في "برنامج برنستاين لشؤون الخليج وسياسة الطاقة" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
تحديات بانتظار سلطان عُمان الجديد مع انتهاء فترة الحداد DFCBEF7F-4DAD-49B3-A734-D911C5B61E8E.jpg AFP تحديات-بانتظار-سلطان-عُمان-الجديد-مع-انتهاء-فترة-الحداد سلطان عمان مستقبلا وزير الخارجية الأميركي 2020-02-22 04:30:07 1 2020-02-21 21:51:26 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟