534892 4

ماهر جبره/

"أشرب خمور وحشيش" هي الجملة التي فجرت أزمة بين مطربي المهرجانات ونقابة المهن الموسيقية. جملة في أغنية "بنت الجيران" التي أصبحت أشهر ما حدث في مصر خلال الأيام الماضية، تسببت في قرار من نقيب الموسيقيين هاني شاكر بمنع مطربي المهرجانات من الغناء.

الأغنية التي حققت المركز الأول على تطبيق ساوند كلاود عالميا، تسببت في أزمة بعد أن غناها حسن شاكوش وعمرو كمال في استاد القاهرة وأذاعتها وسائل الإعلام. وهنا انتقل المهرجان الذي يملأ حواري وشوارع المناطق الشعبية إلى كل بيت في مصر، ومن هنا بدأ الجدل.

حالة استهجان من كثيرين من باب الحفاظ على الذوق العام من أغاني في رأي كثيرين تحمل كلمات مبتذلة، وفي نفس الوقت حالة إعجاب ودفاع عن مطربي المهرجانات من آخرين ضد قرار نقيب الموسيقيين هاني شاكر بمنعهم من العمل من باب الدفاع عن حرية الفن.

تابعت النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية، وفي رأيي أنه نقاش صحي نحتاج له في كثير من أمور حياتنا. ولكن كالعادة يسعى البعض لتسطيح الأمور فأما أنت مع أم ضد. ولكن في تقديري أن الأمر أعقد قليلا من أن ينطبق عليه فكرة مع أم ضد.

عدم مواجهة ترويج بعض الأغاني للعنف وتحديدا ضد المرأة هو خطأ أيضا

فمن حيث المبدأ أنا ضد منع أي شكل من أشكال الفنون، فدور الدولة ليس تحديد نوع الأغاني التي يستمع إليها المواطنون. وليس من شأنها أن تقول إن هذه موسيقى جيدة أم رديئة.

وبالتالي، فعلينا أن نترك مسألة الأذواق للناس، فهي مسألة نسبية جدا. فما يعجبني ليس بالضرورة سيعجبك، وليس للدولة أو لأي شخص أن يفرض الوصاية الأخلاقية على المصريين. فضلا عن أنه عادة ما تلاقي الأنواع الجديدة من الموسيقى أو الفنون مقاومة في البداية باعتبارها إسفافا.

ولكنني على الناحية الأخرى أتفهم لماذا يهاجم البعض المهرجانات. والحقيقة أنهم لا يهاجمونها بسبب كونهم متعاليين ولا يتقبلون الفن الشعبي كما يقال، ولكنهم يهاجمونها لأسباب أخرى.

أسباب لا علاقة لها بنوع الموسيقى الجديد أو اختلاف شكل أغاني المهرجانات عن الأغاني الكلاسيكية. ولكن لها علاقة بترويج ثقافة العنف وتحديدا العنف ضد المرأة من خلال كلمات بعض من هذه الأغاني.

فهناك عدد ليس بقليل من المهرجانات تحتوي على كلمات فيها تحريض على العنف في العموم وعلى التحرش والعنف ضد المرأة بشكل خاص. وهنا نحن لا نتحدث عن غزل صريح أو جريء ولكن عن كلمات تروج للتحرش الجنسي بالمرأة بشكل واضح وصريح وفج. وأعتقد أن هذا ما دفع كثيرين لتأييد قرار نقيب الموسيقيين.

وعليه فإن من يتصورون أن كل هذا الغضب بسبب جملة "أشرب خمور وحشيش" هم في الأغلب لم يسمعوا الأغاني الأخرى التي تحتوي على تجاوزات واضحة. وقد قام المحامي أحمد فايز بتقديم بعض الأمثلة من خلال بوست انتشر بشدة على فيسبوك. وأدعوهم للاطلاع على هذه الأمثلة قبل أن يهاجموا معارضي المهرجانات بصفتهم معاديين للحريات.

فمثلا أغاني حمو بيكا، الذي أصبح من رموز فن المهرجانات، بها العديد من الأمثلة على ثقافة استباحة المرأة. كنت أتمنى أن أذكرها هنا، لكن درجة الفجاجة في كثير منها تجعل ذلك غير ممكن. ولكنني سأضرب مثالا واحدا ففي أحد أغانيه يقول "الأنثى ده قدامي حشرة". علما بأن بيكا يعتبر من نجوم الصف الأول للمهرجانات، وهناك من يقدمون كلمات أسوأ من ذلك بكثير.

وهنا علينا أن ندرك أن هناك اختلاف بين حرية الرأي والتعبير التي كفلها الدستور والتي ينبغي الدفاع عنها وبين التحريض على الكراهية والتحرش أو العنف الجنسي ضد المرأة الذي جرمه الدستور أيضا.

فنعم، منع نوع كامل من الغناء ليس من حق نقابة الموسيقيين دستوريا، كما أن تطبيقه على أرض الواقع يكاد يكون مستحيلا. فلن تتجاوب يوتيوب وساوند كلاود مع طلب النقابة بحذف أغاني المهرجانات.

أنا ضد منع أي شكل من أشكال الفنون، فدور الدولة ليس تحديد نوع الأغاني التي يستمع إليها المواطنون

فضلا عن أن ثقافة المنع هي جزء من الأزمة التي يعيشها المصريون، فهناك العديد من الفرق الموسيقية والمغنيين الذين تم منعهم والتضييق عليهم، هذا بخلاف حجب مئات المواقع التي تقدم أفكار جادة وهادفة. ولربما غياب هذه البدائل الفنية والفكرية ترك الساحة خالية لمطربي المهرجانات.

ولكننا من ناحية أخرى علينا ألا نتجاهل التأثير السلبي لبعض هذه الأغاني. فبعضها يحرض على التحرش ويحقّر من المرأة، في بلد تتعرض فيها المرأة للتحرش بشكل يومي. وهذه الأغاني يسمعها الجميع القاصر والبالغ في المواصلات والأفراح الشعبية بشكل يستحيل معه حماية الأطفال والقصر منها.

لذا فإنني أعتقد أن تعميم المنع هو قرار خاطئ وغير مُجدي، ولكن في نفس الوقت عدم مواجهة ترويج بعض الأغاني للعنف وتحديدا ضد المرأة هو خطأ أيضا. وبالتالي فربما نحتاج أن نوجه انتقاداتنا تجاه خطاب التحريض على المرأة أو على العنف والتعامل مع هذه التجاوزات بعينها بدلا من منع المهرجانات كلها.

اقرأ للكاتب أيضا: إلى دار الإفتاء: "هو أنتوا هتفتوا؟"!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
لماذا يرفض البعض بيكا وشاكوش؟ 4097D524-9048-46AC-BE19-D661E0E57977.jpg Social Media لماذا-يرفض-البعض-بيكا-وشاكوش- حسن شاكوش (الصورة من حسابه في موقع فيسبوك) 2020-02-22 03:49:40 1 2020-02-21 16:06:18 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟