534931 4

زين العابدين غبولي/

قبل فترة عام، شهدت الجزائر انطلاقة أكبر احتجاجات شعبية وأكثرها سلمية منذ استقلالها في العام 1962. ومنذ ذلك الحين، يملأ الجزائريون الشوارع كل ثلاثاء وجمعة من أجل التعبير عن رفضهم للنظام السياسي في البلاد والمطالبة بتغيير جذري.

وفي العام الفائت، شهدت الجزائر تغييرات أكثر مما فعلت خلال السنوات الـ57 الفائتة. وكانت تلك الاحتجاجات قد أسقطت في أبريل الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذي حكم البلاد لفترة طويلة وأدّت إلى انقسام غير مسبوق للنظام السياسي، غير أن التطورات المحتملة في 2020 تشير إلى مستقبل مقلق للبلاد ككل.

وفي ديسمبر، أوصلت الانتخابات الرئاسية التي كانت محطّ جدل كبير في الجزائر رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون إلى السلطة. غير أن الكثيرين رفضوا الانتخابات باعتبارها ردا لا يتناسب ومطالبهم، ولا يزال الجزائريون يلجؤون إلى الشوارع في ظل رفضهم المتواصل للنظام ونتائج الانتخابات التي أجراها. في الواقع، ساهمت انتخابات ديسمبر في تعميق أزمة الشرعية في البلاد ولم تنجح في توفير الاستقرار السياسي في الجزائر التي هي بأمس الحاجة إليه.

والآن، إن الجزائر عالقة بين نظام يحاول استعادة شرعيته بأي ثمن وشعب مصمم على استعادة بلاده بطريقة سلمية وحضارية. ولكن في ظل وضع يزداد عدائية في كل من ليبيا والساحل، وعلى ضوء الآفاق الاقتصادية القاتمة، لا يمكن للجزائر أن تتحمل سنة طويلة أخرى من التوترات السياسية. ففهم سياق السياسة الجزائرية المليء بالتحديات والتنبؤ به للسنة القادمة يتطلب تحليلا دقيقا لوقائع اليوم، على صعيد النظام وحركة "الحراك" الاحتجاجية على حد سواء.

النظام عند مفترق طرق

في سبتمبر، طلب رئيس أركان الجيش السابق والرجل النافذ في النظام الجزائري أحمد قايد صالح أن تحصل الانتخابات قبل نهاية العام 2019. ومثّل قايد صوت الطغمة العسكرية التي رأت في الانتخابات الرئاسية الحلّ الوحيد للشلل السياسي الذي تعانيه البلاد.

غير أن النظام لجأ إلى تدابير قمعية، بما فيها سجن الناشطين والحدّ من حرية الرأي والصحافة من أجل فرض أجندته الانتخابية. لم تستقطب الانتخابات، التي أجريت في 12 ديسمبر، سوى ما يقارب 40 في المئة من الجزائريين المخولين قانونيا للتصويت. حصل عبد المجيد تبون على ثقة حوالي 20 بالمئة من الناخبين المسجلين. كما نظّم العديد من الجزائريين احتجاجات حاشدة خلال يوم الانتخابات.

يمثل تاريخ 22 فبراير انطلاقة "حرب استنزاف" سياسية وسلمية بين نظام يعود إلى 57 سنة وصحوة شعب

لقد أدى تركيز النظام الجزائري على تكتيك الانتخابات إلى صعود رئيس ضعيف معدوم الشرعية الشعبية تقريبا. كما أنه لم يُفض إلى حل الأزمة السياسية؛ وتثبت الاحتجاجات الأسبوعية المستمرة أن هذه الانتخابات كانت فشلا للديمقراطية.

وما زاد طين الاضطرابات بلة، وفاة أحمد قايد صالح بشكل غير متوقع بعد أيام قليلة على تنصيب الرئيس الجديد ـ وهو حدث مهم للغاية بالنسبة للسياسة الجزائرية. فقد كان قايد صالح، بطريقة أو بأخرى، حاكم الجزائر بحكم الواقع بعد استقالة بوتفليقة.

واعتبر الكثيرون أن وفاته المفاجئة قد تمنح تبون مجالا أكبر للمناورة السياسية وقد تدفعه بالتالي إلى الإصغاء بجدية أكبر لمطالب الشعب، ليفي بذلك بالوعد الذي قطعه خلال حملته الرئاسية. فمن جهة، شكّل تبون حكومة في غضون أيام قليلة وحثّ بحسب ما تردد على إطلاق سراح 76 سجينا سياسيا. غير أنه لم يتمكن حتى الآن من الوفاء بما وعد شعبه به، إذ لا تزال الحريات الأساسية مقيّدة.

هذا ويشير الشهر الأول من رئاسة تبون إلى أن النظام يتطلع إلى كيفية استعادة الشرعية ويسعى إلى الحدّ من أي تغيير "جذري" و"غير ضروري" من خلال سلسلة من الإصلاحات السطحية والموجّهة.

ويتمثل أحد أبرز جوانب هذا الأمر في تغيير دستور العام 2016. لهذا، أنشأ تبّون لجنة مؤلفة من 17 خبيرا دستوريا للقيام بهذه المهمة. بالموازاة، عقد تبون عدة اجتماعات مع شخصيات سياسية بارزة "محترمة" من طرف "الحراك"، بمن فيهم رئيسا الحكومة السابقان بن بيتور وحمروش‎ فضلا عن الوزير السابق طالب الإبراهيمي، في ما يبدو أنه محاولة لوضع حدّ للحركة الاحتجاجية.

وعليه، يبدو أن أولويات النظام تنطوي على إسكات الحراك وتعديل الدستور بدلا من إجراء حوار فعلي مع الجهات الفاعلة الاجتماعية والسياسية الرئيسية ضمن الحركة الاحتجاجية.

ويمكن وصف ولاية تبون كرئيس في أفضل الأحوال على أنها مرحلة انتقالية "غير رسمية". وما إن يقرر النظام أن هذه المرحلة الانتقالية قد انتهت، قد يستقيل تبون، ما سيؤدي إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

وفي كافة الأحوال، وبغض النظر عن كيفية انتهاء ولاية تبون، فقد وضع النظام فعليا نفسه والبلاد عند مفترق طرق مُهلك من خلال فرض الانتخابات. والآن، يعتمد النتاج المستقبلي للبلاد بشكل كبير على الحركة الاحتجاجية وقدرتها على تقديم بديل مستدام.

"الحراك": حي ونافذ لكن قدرته محدودة سياسيا

يُعتبر "الحراك" إحدى أطول الحركات السياسية وأكثرها صمودا وسلمية في التاريخ الحديث لكل من الجزائر والمنطقة ككل. وعلى الرغم من التوقعات بخلاف ذلك، أثبت قدرته على الحفاظ على قوته ووحدته.

غير أنه في ظل استمرار المناورة السياسية التي يعتمدها النظام ومساهمة الانتخابات، المعترض عليها ولكن المفروضة، في تعقيد السياسة الجزائرية، يواجه "الحراك" الآن أكثر فترة مليئة بالتحديات منذ فبراير الفائت.

ويتمثل مصدر قلقه الرئيسي حاليا في غياب أي رؤية مستقبلية، إلى جانب بروز خلافات مكانية وأيديولوجية وعدم قدرة مستمرة على التطور والتحوّل إلى قوة سياسية.

ولكن هذا لا يحجب ما نجحت في إنجازه الحركة الاحتجاجية الجزائرية لغاية الآن: أرغمت بوتفليقة على الاستقالة، وفكّكت جماعة بأكملها في النظام، ومارست ضغوطا هائلة على القيادة العسكرية.

مع ذلك، وفي ظل شكلها الحالي، تحصر الحركة نفسها في كونها أداة ممارسة ضغوط على أنظمة سياسية قائمة ومستمرة بدلا من إيجاد بديل سياسي يمكنه أن يقدّم فعليا خارطة طريق عملية وواقعية من أجل إحداث تغيير سلمي وديمقراطي. ولا شكّ في أن الاحتجاجات الحاشدة عجزت عن تقديم رؤية سياسية خاصة بها، ما أتاح للقيادة العسكرية الحاكمة بحكم الواقع تجديد واجهتها المدنية من خلال الانتخابات.

يملأ الجزائريون الشوارع كل ثلاثاء وجمعة من أجل التعبير عن رفضهم للنظام السياسي في البلاد والمطالبة بتغيير جذري

وتُعتبر هذه القيود السياسية لـ"الحراك" إلى حدّ كبير ناتجة عن عمليات القمع السافرة والحدّ من الحريات الفردية والجماعية التي يفرضها النظام. غير أن عاملا آخر يتمثل في الخلافات الناشئة ضمن "الحراك" نفسه. فالجزائريون يتفقون على ضرورة تغيير النظام ولكنهم يختلفون على شكل هذا التغيير. وصحيح أن المحتجين يعلمون ما الذي لا يريدونه (استمرار الديكتاتورية) وما الذي يريدونه (دولة عادلة وحرة)، لكن كيفية تحقيق ذلك هي مسألة مختلفة تماما.

وما يزيد من تعقيد هذه الانقسامات السياسية الناشئة واقع أن الجزائر هي دولة كبيرة ذات توجهات إثنية وأيديولوجية مختلفة. فقد بدأت الاختلافات الإقليمية التي لا تبدو للعيان في العاصمة في الظهور، خاصة وأن أعداد المحتجين في المناطق الداخلية والريفية بدأت في الانخفاض.

بالإضافة إلى ذلك، تتنوع الرؤية المستقبلية و"النموذج الاجتماعي" للجزائر الجديد أيضا بين المناطق التي لها تاريخ طويل من النشاط السياسي المستقل، مثل منطقة القبائل والمناطق الأخرى التي كانت، من الناحية التاريخية، أقل "معارضة" للنظام الحاكم.

وفي حين قد تختار بعض المناطق "التعاون" مع النظام في ظل ظروف معينة بدافع الخوف من حدوث "فراغ" محتمل في السلطة، فإن المناطق الأخرى ما زالت تتخذ موقف متشدد رغم التكاليف.

كما من الواضح أن الطبقة السياسية، الغارقة في خلافات أيديولوجية وتاريخية، مشلولة ولا يمكنها قيادة "الحراك" باتجاه منصة سياسية غير حزبية وقائمة على التوافق من أجل إحداث تغيير ذي معنى.

وعلى ضوء هذه التحديات الداخلية التي تواجه "الحراك"، يبدو أن المحتجين لم يتمكنوا بعد من إدراك أن عجز الشارع عن اعتماد إرادة سياسية واضحة كان من بين الأسباب الرئيسية لانهيار "الربيع العربي" الذي انطلق في 2011.

تحديد المسار المستقبلي: عملية بطيئة وصعبة لإحداث تغيير محتمل

بين مطرقة مقاومة النظام المستمرة لأي تغيير جذري وسندان عدم قدرة "الحراك" على تشكيل إرادة سياسية جديدة، يبدو أن الجزائر تقف عند مفترق طريق. فما ستشهده الفترة المقبلة يكتسي أهمية كبيرة، ليس فقط بالنسبة للجزائر بل لمنطقة شمال أفريقيا برمتها.

بعد حكم بوتفليقة الذي دام عشرين سنة، في ظل ظروف اقتصادية غير مشجعة وأطر عمل سياسية قديمة، هناك عمل يتم حاليا على مجموعة من التغييرات التدريجية، ولا سيما في ما يتعلق بالدستور والانتخابات التشريعية القادمة.

وهنا ثمة العديد من نقاط التوافق: فكل من النظام والشعب يرغب في تعديل دستور بوتفليقة لعام 2016. وعلى ضوء اللجنة الدستورية التي أنشأها تبون حديثا، يبدو أن الجزائر ستشهد على استفتاء عام حول الدستور الجديد قبل منتصف العام 2020.

فضلا عن ذلك، ستعني التعديلات الدستورية أيضا أنه ستتم مراجعة قوانين أخرى، بما فيها تلك الخاصة بالانتخابات والجمعيات. وبالتأكيد، سيتم تخفيض صلاحيات الرئيس بشكل كبير، وسيتم أيضا تعزيز دور المعارضة من الناحية الدستورية، والتأكيد مجددا على الركائز الثلاث للهوية الجزائرية، الإسلام والعربية والبربرية (الأمازيغية).

ومن شأن هذه العملية أن توفر مؤشرات مهمة على قدرة "الحراك" على الحصول على تنازلات دستورية من النظام، وبخاصة في ما يتعلق بامتيازات الرئيس ودور البرلمان وضمانات الحريات الأساسية. ولغاية الآن، يبدو أنه من المستبعد أن تمسّ أي تعديلات دستورية بالصلاحيات السياسية التي يتمتع بها الجيش بحكم الواقع.

كما يتضح بشكل أكبر أن الجزائر ستشهد انتخابات تشريعية وبلدية في غضون أشهر قليلة من الموافقة على الدستور الجديد في الاستفتاء. وحاليا، تنتمي أغلبية 606 أعضاء من البرلمان الجزائري ذي المجلسين التشريعيين إلى حزبيْ "جبهة التحرير الوطني" و"التجمع الوطني الديمقراطي" اللذين سبق أن دعما حكم بوتفليقة.

وبالتالي، وفي ظل الزيادة المتوقعة لدور البرلمان التي سيحملها الدستور الجديد، من شأن الانتخابات التشريعية المرتقبة أن تمهّد الطريق أمام رؤية الجزائر في المستقبل القريب. ومن المرجح أن تشهد الجزائر في ظل الانتخابات المقبلة موجة جديدة من الانقسامات الأيديولوجية والسياسية المحتدمة، الأمر الذي سيمارس المزيد من الضغوط على إجراء حوار بين أفراد "الحراك". علاوة على ذلك، من المتوقع أن تبرز أحزاب جديدة ـ وبخاصة أحزاب متحفظة ـ قبل الانتخابات، ما سيغير بشكل ملحوظ المشهد السياسي.

أدى تركيز النظام الجزائري على تكتيك الانتخابات إلى صعود رئيس ضعيف معدوم الشرعية الشعبية تقريبا

وإذا لم يوافق النظام على بعض تدابير التهدئة الضرورية من أجل حماية الحريات الأساسية، مثل إطلاق سراح جميع السجناء السياسيين دون قيد أو شرط، وتحرير الصحافة من جميع القيود وحماية حرية التجمع والإجراءات السياسية الحزبية، وإذا لم ينخرط "الحراك" بشكل ناشط وفعال في الاستشارات الدستورية ولم يرغب في أي تنظيم ذاتي، من المستبعد أن تهدئ هذه التغييرات المهمة المقبلة نفوس المحتجين. وفي هذه الحالة، قد تنتهي ولاية تبون في وقت أقرب مما اعتقد النظام.

لقد قرر الجزائريون تطليق النظام؛ صحيح أن الاثنين منفصلين أساسا، لكن عليهما الاتفاق على شروط هذا الطلاق، وهي مسؤولية أكبر ملقاة على عاتق "الحراك" من أجل وضع هذه الشروط. يجب أن تكون هذه العملية سريعة وفعالة وسلمية من أجل تجنب تحويل الجزائر إلى مثال آخر على دولة فاشلة.

ويعتمد الجزء الأكبر من هذه العملية على ما إذا كان "الحراك" يفضل البقاء كأداة سياسية "تردّ" على مناورات النظام أو البروز كقوة سياسية تتحول في نهاية المطاف إلى بديل.

في حال كان "الحراك" مستعدا لتحمل مسؤوليات سياسية فعلية، سيكون حوار بين أفراد الحراك الخطوة الأكثر إلحاحا. فالوقت ينفذ ـ نظرا إلى أن الدولة تمضي قدما في مجموعة إصلاحاتها الخاصة وفي ظل ازدياد الأزمة الاقتصادية في البلاد سوءا.

إلى ذلك، يمثل تاريخ 22 فبراير انطلاقة "حرب استنزاف" سياسية وسلمية بين نظام يعود إلى 57 سنة وصحوة شعب. وما لم يتمّ التوصل على الفور إلى اتفاق ينص على تنازلات متبادلة، قد يكون ثمن هذه الحرب انهيار الدولة الجزائرية فور نفاذ احتياطي العملات الأجنبية.

زين العابدين غبولي هو طالب جزائري بالجامعة الأميركية في بيروت. وقد شارك في العديد من القضايا السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع التركيز على الشؤون الجزائرية.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

عام على "الحراك" في الجزائر: نجاحاته وإخفاقاته D813962C-31AD-4AA1-B8D5-5DA6B3C5AEBB.jpg AFP عام-على-الحراك-في-الجزائر-نجاحاته-وإخفاقاته لقد قرر الجزائريون تطليق النظام؛ صحيح أن الاثنين منفصلين أساسا، لكن عليهما الاتفاق على شروط هذا الطلاق، وهي مسؤولية أكبر ملقاة على عاتق "الحراك" من أجل وضع هذه الشروط 2020-02-23 04:32:02 1 2020-02-21 22:16:43 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟