تمر الأوقات سريعة وعصيبة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. في خلال الأيام القليلة القادمة، عليه أن يزيح بلاده نحو واحد من خيارين استراتيجيين متباينين، كلهما غير مأمون الجانب، ويمكن لأية حسابات خاطئة في التعامل معهما، أن تترك تأثيرا استراتيجيا عميقا على حاضر ومستقبل تركيا، حتى يمكن أن يطال بتأثيراته هوية تركيا الكيانية.

إذ مع نهاية شهر فبراير الحالي، ستكون المدة التي حددها الرئيس التركي لقوات النظام السوري للانسحاب من مناطق محافظة إدلب التي احتلتها في الآونة الأخيرة قد انتهت، والتي توعدها إردوغان في حال عدم امتثالها لهذا الطلب، بأنها ستتعرض لحرب شاملة من الجيش التركي هناك.

وبالتالي على تركيا إما أن تنخرط في حرب كبرى في منطقة معقدة جيوسياسيا مثل سوريا، أو أن تتنازل وتقبل بفروض ونتائج سحق نفوذها في المسألة السورية، والانعكاسات الكثيرة التي قد تنفرز عن ذلك.

بعد مفاوضات مكوكية لثلاثة أسابيع متتالية، بين المسؤولين الأتراك ونظرائهم الروس، بما في ذلك مكالمتان هاتفيتان بين رئيسي الدولتين، لم تتواصل جميعها إلى أية نتيجة، صار معها واضحا بأن الاستراتيجية الروسية في إدلب لن ترضخ لأية من فروض من نظيرتها التُركية، وأنها ستستمر في مشاركتها ورعايتها لحرب النظام السوري الراهنة ضد الجماعة المسلحة والمتطرفة والقواعد الاجتماعية في منطقة شمال غرب سوريا حتى النهاية. وأن تركيا إذا ما اعترضت على هذا التوجه، فإنها ستدخل بالضرورة في مواجهة مع روسيا نفسها، وليس النظام السوري. في وقت لا تتلقى فيه دعما سياسيا وعسكريا من حلفائها التقليديين، قوى حلف الناتو، وتعيش أزمة اقتصادية داخلية، وقلقا من نتائج مغامرتها الليبية.

تدفع تركيا اليوم أثمان ثلاثة تحولات طالت عالمها السياسي، منذ عقد وحتى الآن

فإدلب ليست عفرين، ولا يمكن لتركيا أن تحقق فيها نصرا عسكريا سريعا ومؤكدا. كذلك فإن سوريا ليست قبرص، ولا يمكن لتركيا أن تفرض فيه وجودا عسكريا دائما رغما عن استراتيجيات قوى الهيمنة الرئيسية، كما كانت تسمح توازنات الحرب الباردة.

بهذا المعنى، فإن الاندفاعة التركية في سوريا يمكن أن تعرضها لهزيمة عسكرية كبيرة، على المستوى الرمزي على الأقل. هزيمة لم تتعرض لها منذ الحرب العالمية الأولى، والتي قلصت حجمها وقتئذ إلى عُشر ما كانت عليه قبلها، وصارت تركيا كيانا شديد الحساسية، أما أن ينتصر دوما، أو يتماسك داخليا.

على الدفة النظيرة، فإن التنازل وعدم التحرك، سيحمل تركيا كل أوزار المسألة السورية: بقاء ملايين اللاجئين، تعضد ثقة الجماعات السياسية والعسكرية الرديفة لها، تراجع وزنها في المماحكات الإقليمية، وتعالي تطلعات جماعاتها الأهلية/السياسية الداخلية، الأكراد والعلويين.

♦♦♦

تدفع تركيا اليوم أثمان ثلاثة تحولات طالت عالمها السياسي، منذ عقد وحتى الآن. تلك التغيرات التي بدلت من العناصر التكوينية لطبيعة التعاطي والانخراط التركي في فضائها الإقليمي، تحديدا العالم العربي. فتركيا الحديثة، في واحدة تعريفاتها الكيانية، هي ذلك الكيان الذي تأسس على القطيعة السياسية والعسكرية مع هذا الفضاء العربي/الإسلامي، بعد خمسة قرون اندماجية.

فحزب العدالة والتنمية تحول من مجرد حزب قومي محافظ، سليل ووريث للأحزاب التركية التقليدية التي تكاثرت عن بعضها منذ أوائل خمسينيات القرن المنصرم، مع تجربة عدنان مندريس، إلى تنظيم أيديولوجي إسلامي عابر للحدود، يسعى لأن يكون وريث التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، تغدو معه باقي التنظيمات الإخوانية والإسلامية المتطرفة مجرد استطالات سياسية وأدوات عسكرية لتنفيذ استراتيجيات حزب العدالة والتنمية، بالذات منها تلك التنظيمات التي تنشط في الدول "الرخوة" من العالم العربي.

في سياقات الربيع العربي، كان حزب العدالة والتنمية يطمح لأن تدخل تلك التنظيمات الإسلامية "العربية" في سياق مساعيه للتحول إلى حزب إقليمي عابر للحدود، يستعيد تجربة النظام الإيراني الحديثة، التي توغلت عبر تنظيمات سياسية/عسكرية شيعية في البلدان العربية، أو التجربة الناصرية التقليدية، التي رفعت لواء الخطابات القومية. لكن هذا الحزب لم يحسب نتائج فشل وتحطم تجارب هذه الأحزاب الإخوانية في نفس سياق هذا الربيع العربي.

إردوغان نفسه كان قد غير طموحاته خلال هذه الفترة، من رئيس وزراء ناجح صاحب رؤية، مستحوذ على رضا شعبي وأغلبية مريحة في النظام البرلماني التوافقي في بلاده، إلى زعيم سياسي يُدير بالعائلة والشبكات المالية الرديفة والخطابات الشعبوية، يدير مشروعا متكاملا لتأبيد حكمه، مقلدا تجربة "صديقه اللدود" فلاديمير بوتين.

بتحول إردوغان هذا، فقد النظام السياسي التركي أهم عناصر قوته، بكونه نظاما ديناميكيا قائما ومتمركزا حول الدولة، بأجهزتها ومؤسساتها وصلابتها الداخلية، وتحول إلى نموذج مُشيد على الاستقطاب حول الشخص/الزعيم.

هذه التجارب الأخيرة أثبتت على الدوام قابلية مذهلة على الاهتراء والتفكك عند كل هزيمة للشخص/الزعيم. كان مشروع عبد الناصر التأسيسي في منطقتنا، وكل التجارب الصدامية والأسدية والقذافية اللاحقة التي قلدته، برهانا ساطعا على ما تحمله كل التجارب من بذرة للموات في داخلها.

الاندفاعة التركية في سوريا يمكن أن تعرضها لهزيمة عسكرية كبيرة

التحولان اللذان أصابا العدالة والتنمية وشخص إردوغان أسسا لتبدل في وعي تركيا لنفسها، لحجمها ودورها وأدواتها وقدراتها. بمعنى أدق، أثرا على قدرات النخب السياسية المحيطة بصاحب القرار الاستراتيجي وحيويتها في معرفة ووعي السياسات الموضوعية التي يجب أن تنتهجها البلاد، المتناسبة مع مقاساتها، والتي يجب أن تتخذها بحسابات شديدة الحذر، تفاعلا مع مختلف الأحداث المحيطة بها.

فمنذ أن عزل إردوغان مختلف القادة ورجال الدولة المحيطين به، والذين كانوا شركاءه في تأسيس هذا المشروع السياسي، واستقدم عوضا عنهم موظفين طيعين يستجيبون دون جدال لتوجهاته وخياراته، صار واضحا بأن تركيا صارت تنزع لأوهام اعتبار نفسها "قوة عظمى"! مرة تطالب أن تكون عضوا دائما في مجلس الأمن، وأخرى توجه تهديدات للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، وثالثة تتدخل في الشؤون الداخلية للصين، ولا تتوقف عن التطلع للانخراط العسكري في مختلف ساحات العالم العربي والإسلامي، وكل ذلك في وقت كادت بعض العقوبات الأميركية على صادرات تركيا المعدنية أن تطيح بكامل اقتصادها!

♦♦♦

ليس من حلول مباشرة وواضحة للمأزق التركي الراهن، فالتجارب الشبيهة بالناصرية كانت تفتت كامل مجالها الداخلي، ولا تتيح فرصة مناسبة لتفكيك ما تواجهه أنظمتها مع معضلات مركبة.

فتركيا الراهنة، يجب عليها تجاوز أوهام ما كان عليه وزنها ودورها وموقعها أثناء الحرب الباردة، تلك الأوهام التي قد تدخلها في مغامرات غير مأمونة الجانب. وأن تردف ذلك بتفكيك لحالة الاستقطاب الحاد التي تعيشه القوى السياسية والمجتمعية الداخلية التركية، والمتمركزة حول شخص ومشروع الرئيس إردوغان.

لن يتحقق ذلك دون العودة إلى نظام برلماني طبيعي، يراعي توازن القوى السياسية والأهلية الداخلية، ويعي سريعا بأن المسألة الكردية، في الداخل والمحيط، صارت أكبر من أن تتطلع تركيا لأن تحلها عبر أدوات النكران المطلق.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟