تمر الأوقات سريعة وعصيبة على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. في خلال الأيام القليلة القادمة، عليه أن يزيح بلاده نحو واحد من خيارين استراتيجيين متباينين، كلهما غير مأمون الجانب، ويمكن لأية حسابات خاطئة في التعامل معهما، أن تترك تأثيرا استراتيجيا عميقا على حاضر ومستقبل تركيا، حتى يمكن أن يطال بتأثيراته هوية تركيا الكيانية.

إذ مع نهاية شهر فبراير الحالي، ستكون المدة التي حددها الرئيس التركي لقوات النظام السوري للانسحاب من مناطق محافظة إدلب التي احتلتها في الآونة الأخيرة قد انتهت، والتي توعدها إردوغان في حال عدم امتثالها لهذا الطلب، بأنها ستتعرض لحرب شاملة من الجيش التركي هناك.

وبالتالي على تركيا إما أن تنخرط في حرب كبرى في منطقة معقدة جيوسياسيا مثل سوريا، أو أن تتنازل وتقبل بفروض ونتائج سحق نفوذها في المسألة السورية، والانعكاسات الكثيرة التي قد تنفرز عن ذلك.

بعد مفاوضات مكوكية لثلاثة أسابيع متتالية، بين المسؤولين الأتراك ونظرائهم الروس، بما في ذلك مكالمتان هاتفيتان بين رئيسي الدولتين، لم تتواصل جميعها إلى أية نتيجة، صار معها واضحا بأن الاستراتيجية الروسية في إدلب لن ترضخ لأية من فروض من نظيرتها التُركية، وأنها ستستمر في مشاركتها ورعايتها لحرب النظام السوري الراهنة ضد الجماعة المسلحة والمتطرفة والقواعد الاجتماعية في منطقة شمال غرب سوريا حتى النهاية. وأن تركيا إذا ما اعترضت على هذا التوجه، فإنها ستدخل بالضرورة في مواجهة مع روسيا نفسها، وليس النظام السوري. في وقت لا تتلقى فيه دعما سياسيا وعسكريا من حلفائها التقليديين، قوى حلف الناتو، وتعيش أزمة اقتصادية داخلية، وقلقا من نتائج مغامرتها الليبية.

تدفع تركيا اليوم أثمان ثلاثة تحولات طالت عالمها السياسي، منذ عقد وحتى الآن

فإدلب ليست عفرين، ولا يمكن لتركيا أن تحقق فيها نصرا عسكريا سريعا ومؤكدا. كذلك فإن سوريا ليست قبرص، ولا يمكن لتركيا أن تفرض فيه وجودا عسكريا دائما رغما عن استراتيجيات قوى الهيمنة الرئيسية، كما كانت تسمح توازنات الحرب الباردة.

بهذا المعنى، فإن الاندفاعة التركية في سوريا يمكن أن تعرضها لهزيمة عسكرية كبيرة، على المستوى الرمزي على الأقل. هزيمة لم تتعرض لها منذ الحرب العالمية الأولى، والتي قلصت حجمها وقتئذ إلى عُشر ما كانت عليه قبلها، وصارت تركيا كيانا شديد الحساسية، أما أن ينتصر دوما، أو يتماسك داخليا.

على الدفة النظيرة، فإن التنازل وعدم التحرك، سيحمل تركيا كل أوزار المسألة السورية: بقاء ملايين اللاجئين، تعضد ثقة الجماعات السياسية والعسكرية الرديفة لها، تراجع وزنها في المماحكات الإقليمية، وتعالي تطلعات جماعاتها الأهلية/السياسية الداخلية، الأكراد والعلويين.

♦♦♦

تدفع تركيا اليوم أثمان ثلاثة تحولات طالت عالمها السياسي، منذ عقد وحتى الآن. تلك التغيرات التي بدلت من العناصر التكوينية لطبيعة التعاطي والانخراط التركي في فضائها الإقليمي، تحديدا العالم العربي. فتركيا الحديثة، في واحدة تعريفاتها الكيانية، هي ذلك الكيان الذي تأسس على القطيعة السياسية والعسكرية مع هذا الفضاء العربي/الإسلامي، بعد خمسة قرون اندماجية.

فحزب العدالة والتنمية تحول من مجرد حزب قومي محافظ، سليل ووريث للأحزاب التركية التقليدية التي تكاثرت عن بعضها منذ أوائل خمسينيات القرن المنصرم، مع تجربة عدنان مندريس، إلى تنظيم أيديولوجي إسلامي عابر للحدود، يسعى لأن يكون وريث التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين، تغدو معه باقي التنظيمات الإخوانية والإسلامية المتطرفة مجرد استطالات سياسية وأدوات عسكرية لتنفيذ استراتيجيات حزب العدالة والتنمية، بالذات منها تلك التنظيمات التي تنشط في الدول "الرخوة" من العالم العربي.

في سياقات الربيع العربي، كان حزب العدالة والتنمية يطمح لأن تدخل تلك التنظيمات الإسلامية "العربية" في سياق مساعيه للتحول إلى حزب إقليمي عابر للحدود، يستعيد تجربة النظام الإيراني الحديثة، التي توغلت عبر تنظيمات سياسية/عسكرية شيعية في البلدان العربية، أو التجربة الناصرية التقليدية، التي رفعت لواء الخطابات القومية. لكن هذا الحزب لم يحسب نتائج فشل وتحطم تجارب هذه الأحزاب الإخوانية في نفس سياق هذا الربيع العربي.

إردوغان نفسه كان قد غير طموحاته خلال هذه الفترة، من رئيس وزراء ناجح صاحب رؤية، مستحوذ على رضا شعبي وأغلبية مريحة في النظام البرلماني التوافقي في بلاده، إلى زعيم سياسي يُدير بالعائلة والشبكات المالية الرديفة والخطابات الشعبوية، يدير مشروعا متكاملا لتأبيد حكمه، مقلدا تجربة "صديقه اللدود" فلاديمير بوتين.

بتحول إردوغان هذا، فقد النظام السياسي التركي أهم عناصر قوته، بكونه نظاما ديناميكيا قائما ومتمركزا حول الدولة، بأجهزتها ومؤسساتها وصلابتها الداخلية، وتحول إلى نموذج مُشيد على الاستقطاب حول الشخص/الزعيم.

هذه التجارب الأخيرة أثبتت على الدوام قابلية مذهلة على الاهتراء والتفكك عند كل هزيمة للشخص/الزعيم. كان مشروع عبد الناصر التأسيسي في منطقتنا، وكل التجارب الصدامية والأسدية والقذافية اللاحقة التي قلدته، برهانا ساطعا على ما تحمله كل التجارب من بذرة للموات في داخلها.

الاندفاعة التركية في سوريا يمكن أن تعرضها لهزيمة عسكرية كبيرة

التحولان اللذان أصابا العدالة والتنمية وشخص إردوغان أسسا لتبدل في وعي تركيا لنفسها، لحجمها ودورها وأدواتها وقدراتها. بمعنى أدق، أثرا على قدرات النخب السياسية المحيطة بصاحب القرار الاستراتيجي وحيويتها في معرفة ووعي السياسات الموضوعية التي يجب أن تنتهجها البلاد، المتناسبة مع مقاساتها، والتي يجب أن تتخذها بحسابات شديدة الحذر، تفاعلا مع مختلف الأحداث المحيطة بها.

فمنذ أن عزل إردوغان مختلف القادة ورجال الدولة المحيطين به، والذين كانوا شركاءه في تأسيس هذا المشروع السياسي، واستقدم عوضا عنهم موظفين طيعين يستجيبون دون جدال لتوجهاته وخياراته، صار واضحا بأن تركيا صارت تنزع لأوهام اعتبار نفسها "قوة عظمى"! مرة تطالب أن تكون عضوا دائما في مجلس الأمن، وأخرى توجه تهديدات للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي، وثالثة تتدخل في الشؤون الداخلية للصين، ولا تتوقف عن التطلع للانخراط العسكري في مختلف ساحات العالم العربي والإسلامي، وكل ذلك في وقت كادت بعض العقوبات الأميركية على صادرات تركيا المعدنية أن تطيح بكامل اقتصادها!

♦♦♦

ليس من حلول مباشرة وواضحة للمأزق التركي الراهن، فالتجارب الشبيهة بالناصرية كانت تفتت كامل مجالها الداخلي، ولا تتيح فرصة مناسبة لتفكيك ما تواجهه أنظمتها مع معضلات مركبة.

فتركيا الراهنة، يجب عليها تجاوز أوهام ما كان عليه وزنها ودورها وموقعها أثناء الحرب الباردة، تلك الأوهام التي قد تدخلها في مغامرات غير مأمونة الجانب. وأن تردف ذلك بتفكيك لحالة الاستقطاب الحاد التي تعيشه القوى السياسية والمجتمعية الداخلية التركية، والمتمركزة حول شخص ومشروع الرئيس إردوغان.

لن يتحقق ذلك دون العودة إلى نظام برلماني طبيعي، يراعي توازن القوى السياسية والأهلية الداخلية، ويعي سريعا بأن المسألة الكردية، في الداخل والمحيط، صارت أكبر من أن تتطلع تركيا لأن تحلها عبر أدوات النكران المطلق.

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة