يعرف الجميعُ ابنَ تيمية الكبير/ ابن تيمية الأصل، الذي عاش قبل سبعة قرون، وأنتج تراثا واسعا في حقل المساجلات الدينية والمشاغبات المذهبية، وكان لتراثه أثر كبير في نشوء الحركات المتطرفة وتمدّدها وترسّخ/ تشرعن مقولاتها، خاصة تلك المرتبطة بهوية الإسلام السني.

ولكن، ما لا يعرفه كثيرون، وخاصة أولئك الغرباء عن المجال الحيوي للتّيمويّة المعاصرة، هو ابن تيمية الصغير، ابنَ تيمية الهامِشي الذي عاش ويعيش ـ طُفَيليّا على ابن تيميّة المتن/ الأصل؛ كنتيجة طبيعة لتفرّد المتن/ تفرّد الرمز الأكبر بالرمزية؛ في سياق عملية استلهام الحنابلة للتراث التقليدي.

ابن تيمية الكبير شخص واحد، أتى لمرة واحدة، ثم ذهب؛ ولن يعود، بينما ابن تيمية الصغير شخصيات متعددة، تتكرّر باستمرار؛ ولكنها ذات طابع واحد/ مُتوِّحد بذلك الشخص الواحد الكبير. ابن تيمية الكبير أصل، بينما ابن تيمية الصغير نُسَخ كثيرة متكررة، تُقارِب الأصلَ تَوْقا وحُلما، ولكنها تبقى ـ في كل الأحوال ـ مجرد صور باهتة، مشوهة عن الأصل الذي تطمح الثقافة التيموية في إعادة إنتاجه من جديد، في ثوب جديد؛ ليكون مقبولا بعدما تزعزعت الثقة فيه بفعل تبنيه من قبل الجماعات الإرهابية كمرجعية تشريعية، أقصد: ليكون مقبولا؛ ـ على الأقل ـ، في السياق السني الذي كانت أكثريته الساحقة (السُّنيّة الأشعرية) ـ ولا تزال ـ تُكِنّ له كثيرا من العداء.

أصبح كل "مٌتَديّن حَنْبلي" طموح في التأسيس لنفسه كرجل دين، يحلم بأن يكون "ابن تيمية عصره"

التَّمدّح بلقب (ابن تيمية الصغير) شائع في السياق السني الأثري/ النقلي الذي يستولي ابن تيمية على فضاءات التنظير والسجال فيه، كعقائدي/ كلاهوتي كبير؛ نظرا لكون الأثريّة النقلية تُعَاني "ضمورا عقليا" منذ نشأتها الأولى، وإلى الآن. وحيث إن التراث الحنبلي هو أقنوم الحركة النقلية/ الأثرية (بل لا هوية له بدونها) فقد بقي هذا التراث فقيرا فقرا مُدقعا في مجال العقليّات أو ما تقاطع معها، حتى بالنظر إلى تلك العقليات النسبية المرتبطة بالتنظير والسجال داخل المجال الديني التقليدي.

لم يَظْهَر في التراث الحنبلي عقائديون أو أصوليون كبار، كالذين ظهروا في تراث بقية المذاهب السنية: الشافعية والحنفية والمالكية. كان الحنابلة مُتَطفِّلون على موائد التنظير المُحْكم لأتباع هذه المذاهب. وعندما ظهر ابن تيمية ـ وهو حنبلي من نسل حنابلة ـ أصبح فارس قبيلة لا فوارس فيها أصلا، أو عقل تراث مذهبي نقلي بلا عقل؛ فكان هو "العقل" لهم؛ على صفة التعريف والاختصاص. وكما يقول محمد نبيل ملين: "كان عمل ابن تيمية انعكاسا لمجهود مفهومي وتجريبي كان له من الأصالة والاتساع؛ بما جعله غير متجاوز في المذهب الحنبلي إلى يومنا هذا" (علماء الإسلام، محمد نبيل ملين، ص67).

هكذا، لم تجد الحنبلية في مُنَاكَفاتها أو مُنافسَاتها المذهبية من يرفع رايتها؛ بحيث تكون موازية، أو ـ على الأقل ـ؛ مقبولة نسبيا لعشرات الرايات التي ترفعها المذاهب الأخرى. كانت المذاهب الأخرى تصنع مُتَكلّميها وأصوليّيها وفقهاءَها، في سياق نمو تراكمي يُؤسِّس لمشروعية مُتَنَامية قادرة على الصمود في ميادين الحِجَاج والصراع، بينما كانت الحنبلية تَجْتَرُّ أقوالَها المَكرورة المبعثرة التي تفتقد للحد الأدنى من الاتساق والنظام الذي يكفل لها الصمود ضد الغزوات الفكرية للنظراء/ الأضداد المذهبيين.

عندما جاء ابن تيمية كان بمثابة مُنْقِذ لمذهبه، كان للحنابلة ماء فُرَاتا على ظمأ قاتل، كان أملا كبيرا يتحقق بعد يأس شديد، كان حُلمَ الإنجاب المتحقق بعد العقم المتطاول الذي أشمت بهم الأعداء. وزاد من قيمة الرجل أنه كان مجرد طفرة، بل بدا وكأنه ضربة حظ خارج السياق الطبيعي، كان أشبه بالاستثناء، ليس بالنسبة إلى تاريخهم السابق، بل وبالنسبة إلى تاريخهم اللاحق أيضا، فهذا الظمأ وهذا اليأس وهذا العقم، عاد من بعده ليكون طابعا عاما للمذهب. ولهذا، أصبح ابن تيمية يُسْتعاد من جديد، يولد ـ على سبيل الوهم/ التوهم ـ من جديد. صحيح أن ذلك كان يتم بطرق بدائية، تتضمن التشويه، والابتسار، والتبجيل بالتزييف؛ ولكنها ـ في النهاية ـ هي ما تبقى من حيلة العاجزين، أو حيلة التراث العقيم.

أصبح ابن تيمية رمزا في التراث الحنبلي وللتراث الحنبلي. ولم يكن هذا ليكون مشكلة في حد ذاته، إذ لبقية المذاهب رموزها المعتبرين مَنْ الذي يُنْكر رَمزيّة الغزالي أو الجويني في التراث الشافعي مثلا. المشكلة تكمن في أنه ـ وكنتيجة طبيعية للفقر المدقع في التراث الحنبلي ـ تحوّل إلى رمز وحيد، إلى "الرمز" على سبيل الاحتكار. أصبح ـ بالاعتراف الضمني ـ هو مُحقّق المذهب عقائديا؛ على كل ما في تراثه من سلبيات كثيرة لم تكن لتؤثر بعمق في وعي الأجيال؛ لو كان يوجد له نظراء/ مُمَاثلين يحدون من طغيان رمزيّته داخل المذهب. وبالتالي، يستدركون عليه شططه، ويُعِيدون تأطيرَ المنفلت من شطحاته، ولو على سبيل التعديل/ التصحيح/ التأطير الضمني.

عندما جاء ابن تيمية كان بمثابة مُنْقِذ لمذهبه، كان للحنابلة ماء فُرَاتا على ظمأ قاتل

في المذاهب الأخرى التي تتوفّر على عدد كبير من الرموز المتقاربة في حجمها الرمزي، يتمتع المتلقي ـ من داخل المذهب ـ بشيء من التوازن، بشيء من الانفتاح النسبي؛ نتيجة تعدد المقولات وتساوي تأثيرها. وهذا التساوي في تأثير المقولات المتعددة يأتي كنتيجة طبيعية لتعدد الرموز وتقاربها في القيمة الرمزية. فالمتلقي الـ"غير حنبلي" يستلهم الآراء والتصورات من رموز كثيرة متساوية أو شبه متساوية، بحيث لا تلغي القوة الطاغية لرمزيّة أحدهم اجتهادات الآخرين ولا تقلل من اعتراضاتهم. بينما في الحنبلية التيموية يحدث هذا الإلغاء بصورة آليّة؛ لأن الرمز الأوحد/ ابن تيمية يتضخّم ويطغى، ويصبح بذاته مرجعيّة نهائية تتجاوز مرجعية مؤسسي المذهب الأوائل، فيبدو وكأنه "نبي المذهب" الذي لا ينطق إلا بالحق المبين.

لهذا، يتناسل ابن تيمية فكريا داخل المذهب الذي يتصوره "المعجزة الخالدة" التي أيّد الله بها المذهبَ الحق/ المذهب الحنبلي. في تصوّر مُقَلِّديه، لا يحتاج ابن تيمية لمعجزات/ لكرامات ليُعْرَف موقعه في الصواب الديني، بل هو ـ في نظر مقلديه من الحنابلة ـ معجزة كبرى، معجزة فريدة، تُسْتَنْسَخ على سبيل الاقتداء والاهتداء بمثال مُتعالِ، ولكن، مع الوعي بأنها لن تتكرر بحال.

اليوم، وبعد الرواج النسبي للحنبلية في الإعلام الفضائي والتواصلي؛ جرّاء بساطة مقولاتها، أصبح كل "مٌتَديّن حَنْبلي" طموح في التأسيس لنفسه كرجل دين، يحلم بأن يكون "ابن تيمية عصره". صورة ابن تيمية التي ضُخِمت بطول النفخ فيها، أصبحت تُرَاود أحلام يقظة الحنابلة الجدد. لا أحد منهم يجرؤ ـ ولا حتى أمام نفسه ـ على ادعاء التطابق مع الصورة المقدسة للرمز الكبير؛ بتوهم أنه يستطيع مضارعته في يوم من الأيام. بمعنى أنه لا يجرؤ على التوهم بأنه يمكن أن يكون ابن تيمية بالمطلق، أي أن يكون ابن تيمية مُكرّرا. وحينئذٍ ـ وبشيء من اليأس الذي ينتج عن تعالي النموذج ـ يكتفي بأن يكون الهامشَ النّسبي لذلك المتن المطلق، فلا يكون: ابن تيمية وهو؛ على سبيل التساوي/ التماثل، بل يكون: ابن تيمية ثم هو؛ على سبيل الترتيب المتراخي الذي يؤكد أن المرجعية المطلقة واحدة، واحدةٌ لِوَاحدٍ لا يجوز أن يُسَاوَى به أحد، وبالتالي، لا يجوز أن يعترض عليه أو يستدرك عليه أحد، بل وظيفة كل الآخرين، كل السالكين طريق الوعظ الديني، مجرد التقليد، ولا شيء غير التقليد، حتى وإن أتى التقليد على هيئة تبرير أو تفسير أو تقرير، أو حتى اعتراض يحمل منطق التعميد/ تعميده كمرجعية في ما قال و في ما لم يقل، في تأكيد الحضور أو في تأكيد الغياب.

وعلينا في هذا السياق أن نتنبّه إلى أن رحلة الطواف حول "المعجزة التيموية" لا يقوم بها رجل الدين الحنبلي الطموح بنفسه فقط؛ عندما يتمثّل نفسه ـ في أحلام يقظته ـ "ابن تيمية صغيرا"، بل يقوم بها المجال الثقافي الديني الذي يمارس فيه هذا الواعظ الديني الطموح فعاليته الوعظيّة، فبمجرد ظهور الخصائص التيموية (من تشدد، وإقصاء، ونفس دوغمائي، واستعرض موسوعي، وسجالية مذهبية طائفية) على واعظ حنبلي، يتبرّع هذا المجال الثقافي الديني بمنحه شرفَ التزكية (المتمثلة بلقب: "ابن تيمية الصغير") التي تجعله ـ في تصور أبناء المذهب ـ شبه معصوم؛ من حيث الزعم الضمني بأنه يتماسّ مع الأصل المعصوم (مع: ابن تيمية الكبير/ الأصل!).

إن الخطر الكبير اليوم يأتي من ابن تيمية الصغير، قبل أن يأتي من ابن تيمية الكبير

إن هذا التوصيف ليس إحالة على مُضْمرٍ أو مُتخيّل، بل على واقع. فمثلا، أطلق المجال الديني هذا اللقب: "ابن تيمية الصغير" على الفقيه الحنبلي: "بكر أبو زيد"، وعلى العقائدي الحنبلي المتشدد "سفر الحوالي"، وعلى غيرهما بوصفهما أشبال ذلك الأسد، بل أصبح اللقب يُمْنح ـ أمَلاً وتشجيعا ـ على بعض الأطفال الذي يُظْهِرون قُدْرة على الحفظ أو على الإلقاء الحماسي لمقولات أو قصائد تؤكد أو تُغَازل الرؤيةَ العقائدية للمذهب التيموي.

اليوم، وعلى ضوء محاولات الحنبلية التيموي استعادة نفوذها المتراجع (بالرهان على سذاجة الوعي الجماهيري الديني)؛ عبر فاعلين لا يزالون في طور التأسيس، تجد "ابن تيمية الصغير" هو النموذج الحاضر المتكرر، هو النموذج غير المصرح به غالبا.

مجمل ممارسات هؤلاء توحي بأن الروح التيموي هو المهيمن بالمطلق، وشرف حيازة لقب "ابن تيمية الصغير" هو الحلم الذي يُلَمْلِم خيوطَ الطموحات الشخصية لهؤلاء الحنابلة الجدد. والملف للنظر أنك تجد فيهم معالمَ الشخصية التيموية الأصل، من نزق انفعالي، ومن تشدد فقهي، ومن انغلاق عقائدي، ومن تصورات بطولية عن الذات...إلخ معالمَ تلك الشخصية التي انطبعت في مُجْملِ الفعاليات العلمية والعملية لأتباعها.

وهذا يعني أننا أمام جيل مُتَديّن سيتشكل ـ تيمويّاً ـ على يد هؤلاء التيمويين الصغار، القادرين ـ ولأسباب كثيرة ليس هذا مجال التفصيل فيها ـ على تفعيل ذلك التراث مطبوعا بمعالم تلك الشخصية، بأكثر مما استطاعه الأصل ذاته. لهذا، أستطيع القول بلا تردد: إن الخطر الكبير اليوم يأتي من ابن تيمية الصغير، قبل أن يأتي من ابن تيمية الكبير.

اقرأ للكاتب أيضا: نضال العقل التراثي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

A nurse helps a patient suffering from COVID-19 who uses the Decathlon snorkeling face mask in the COVID ward of the Maria Pia…

يبدو أن الوباء هو مرآة النفوس. من اعتبر دوما أن الإنسان يعتدي على الطبيعة، يرى في الجائحة انتفاضة منها واقتصاصا من الإنسان لتجاوزه عليها. ومن أدان العولمة لإنهاكها الدولة الوطنية، يلحظ مسرورا العودة إلى منطق الهمّ الذاتي وطي صفحة تذويب الهويات المحلية. ومن كانت الرأسمالية غريمته، يرى في الوباء نقضا لها. ومن أمنيته على الدوام هي سقوط الولايات المتحدة، يهنئ نفسه للتو بمصابها.

العالم اليوم في حالة غير معتادة في مواجهة المجهول. والمسألة هنا ليست مجرد احتمالات يمكن التعايش معها، بل تهديد، كما كان الحال في أوجّ الحرب الباردة، بأن الموت والخراب واردان على مستوى الإنسانية جمعاء، إن لم يكن من هذا الوباء نفسه، فمن آخر أكثر فتكا وعدوى يشبهه، أو من ارتباك وسقوط في التعامل الفاشل معه.

أوقات الأزمة هي أيضا لحظات اختبار.

أسترجع حادثة وقعت في خضمّ الحروب التي فتكت بلبنان على مدى عقد ونصف. حادثة تكرّرت بمضمونها بالتأكيد في كل مجتمع شهد التحدي.

كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها

أصدقاء أعزاء في شقة متواضعة في طابق أرضي، مكتظون بها طلبا للأمان، النسبي، مع تساقط القذائف العشوائية. قذيفة تتسرب إلى هذه الشقة وتنفجر فيها. الجميع يهوي بين من فارق الحياة ومن يتمسك بأطرافها نازفا متألما. وهلة طويلة تمرّ. رجلان يدخلان الشقة المصابة. يخطفان ما تيسر لهما من كل ما هو ثمين من محتوياتها، وإن أفسده القصف وطلاه الغبار. ينتزعان ما على النساء من مصاغ. لا يتركان الخواتم، وإن تطلب الأمر مشقّة السحب من أصابع مضرّجة بالدماء. يذهبان منتشيين بغنائمهما. وهلة طويلة أخرى تمرّ. رجلان آخران يدخلان الشقة. يحملان ناسها، بين جثث هامدة ربما وأجساد تئن وتصرخ وجعا وذهولا. ينقلانها الجسد تلو الجسد إلى سيارة رباعية الدفع ركناها خارج المبنى النازف دون أن يطفئا محركها. القذائف تواصل التساقط. ينطلقان بسيارتهما وحمولتها من الأجساد تحت الوابل الأعمى إلى أن يصلا قسم الطوارئ في مستشفى الجامعة. ينزلان الأجساد ويسلمانها للمسعفين. ثم يرحلان. لا يتركان اسما ولا تعريفا. لا معرفة مسبقة بهما لأحد هنا، ولا لاحقة، ولا عودة لهما لسؤال.

قتيلان سقطا نتيجة لهذه القذيفة. بل شهيدان. الآخرون تماثلوا إلى الشفاء الجسدي البطيء، والنفسي الأبطأ. القتيلان شهدا على إنسانية الإنسان الذي يقبل بأن يعرّض نفسه للخطر ولا يطلب جزاءً إلا رضاه بإنسانيته. وشهدا كذلك على وحشية الإنسان، والذي يجدّ اللذة في الاستيلاء على ما لغيره في لحظة ضعفهم الجسدي وهزالته هو الأخلاقية.

اليوم، في زمن الوباء، كل ممرضة، وكل مسعف. كل طبيبة وطبيب. في المستشفيات الدائمة والمرافق الميدانية. في زمن لا علاج ولا لقاح فيه لهذا الوباء. بل في زمن لا استيعاب تام لطريقة عدواه وانتشاره. كلهم، هم الإنسانية إذ تتجلى بأسمى ما فيها.

الجدل، منذ أن ابتدأ الفكر بتأمل الحالة الإنسانية، هو ما إذا كان هذا الحيوان الناطق، القادر على الخير والشر، من الأجناس العليا، مع ما طاب له تهيؤه من الآلهة والملائكة، فيما هو معرّض للغواية والسقوط، أو ما إذا كان من الأجناس السفلى، مع ما يراه من الحيوانات المفترسة وما يتوهمه من الكائنات الشريرة، فيما هو يدعو نفسه للتآلف والارتقاء.

الطمع والجشع والأحقاد والأنانيات، والضغائن والبغضاء والكراهيات، والتي يطفح بها الإعلام ووسائل التواصل، تكاد أن تفصل هذا الجدل لصالح الرأي المتشائم.

وسط هذه الضوضاء، والطعن والتجريح والإسقاط، يبدو بأن الجميع قد حكم على الجميع بأنه فاسد معتل أو غبي أرعن. وتعالت النبرات، واستقر التهكم وإساءة الظن والشتائم كأصول للخطاب. صاحب القول المخالف معتوه، ومن يدعو إلى التسامح متسول بكّاء.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم.

نحن، العامة، في منازلنا، نتوخى الأمن والأمان. بعضنا يعتريه القلق على مستقبل لا يبدو قادرا على أن يحقق ما قطعناه على أنفسنا من وعود. لنا ولأولادنا. خواطر مؤلمة دون شك.

شكرا لكل ممرضة وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب، إذ يذكرون الملأ بأنه، لا، هذا الجدل لم يحسم

بعضنا الآخر. في شقّته المكتظة، لا يبدو بعيدا في خشيته عن مصير مشابه لتلك الشقة في زمن حروب لبنان، والتي جاءتها المصيبة من حيث لا تحتسب. هل الوباء الخفي هنا للتوّ؟ ما السبيل إلى إعالة من جُبل على الاعتماد علينا؟ أي مستقبل لعالم عاجز عن العودة إلى ما كان عليه من هشاشة، بل يسير بما يقارب المحتم إلى انهيارات متوالية؟ هي خواطر أكثر إيلاما دون شك.

فما بال الممرضات والمسعفين، والطبيبات والأطباء؟ أليست النجاة بالنفس أصل الحياة؟ أليس الحذر على قدر الخطر؟ لماذا لا يرفضون العمل في ظروف هم فيها عرضة لفائق الخطر، بل في ظروف أودت بحياة زملاء لهم؟ منهم من فعل، وعاد إلى أسرته، وفضّل ألا يحرم أولاده من أب يرعاهم أو أم تحتضنهم. ولا ملامة. إلا أن غالبهم قرّر البقاء وتحدي شرّ الوباء.

بعض هؤلاء يطلبون رضا ربهم وهم مطمئنون إلى ثوابه، إن لم يكن في هذه الدنيا، ففي الآخرة. طاب إيمانهم. البعض الآخر لا يسألون عن الثواب آجلا، بل يلبون الواجب الذي تلزمهم به نفوسهم ويطلبون الخير ويجهدون لتحقيقه عاجلا. طاب سعيهم. جميع هؤلاء وأولئك، طابت أفعالهم.

هم شهود وشهداء، بأفعالهم، ودعاة بها إلى تزكية النفوس، ومواساة للمتفائلين، في الجدل حول الطبيعة الإنسانية، بأن الرجاء أن يظهر الخير ليس من عدم.

شكرا من الصميم لكل ممرضة، وكل مسعف، وكل طبيبة وطبيب. في ليل الوباء، أنتم الإنسانية.