يعرف الجميعُ ابنَ تيمية الكبير/ ابن تيمية الأصل، الذي عاش قبل سبعة قرون، وأنتج تراثا واسعا في حقل المساجلات الدينية والمشاغبات المذهبية، وكان لتراثه أثر كبير في نشوء الحركات المتطرفة وتمدّدها وترسّخ/ تشرعن مقولاتها، خاصة تلك المرتبطة بهوية الإسلام السني.

ولكن، ما لا يعرفه كثيرون، وخاصة أولئك الغرباء عن المجال الحيوي للتّيمويّة المعاصرة، هو ابن تيمية الصغير، ابنَ تيمية الهامِشي الذي عاش ويعيش ـ طُفَيليّا على ابن تيميّة المتن/ الأصل؛ كنتيجة طبيعة لتفرّد المتن/ تفرّد الرمز الأكبر بالرمزية؛ في سياق عملية استلهام الحنابلة للتراث التقليدي.

ابن تيمية الكبير شخص واحد، أتى لمرة واحدة، ثم ذهب؛ ولن يعود، بينما ابن تيمية الصغير شخصيات متعددة، تتكرّر باستمرار؛ ولكنها ذات طابع واحد/ مُتوِّحد بذلك الشخص الواحد الكبير. ابن تيمية الكبير أصل، بينما ابن تيمية الصغير نُسَخ كثيرة متكررة، تُقارِب الأصلَ تَوْقا وحُلما، ولكنها تبقى ـ في كل الأحوال ـ مجرد صور باهتة، مشوهة عن الأصل الذي تطمح الثقافة التيموية في إعادة إنتاجه من جديد، في ثوب جديد؛ ليكون مقبولا بعدما تزعزعت الثقة فيه بفعل تبنيه من قبل الجماعات الإرهابية كمرجعية تشريعية، أقصد: ليكون مقبولا؛ ـ على الأقل ـ، في السياق السني الذي كانت أكثريته الساحقة (السُّنيّة الأشعرية) ـ ولا تزال ـ تُكِنّ له كثيرا من العداء.

أصبح كل "مٌتَديّن حَنْبلي" طموح في التأسيس لنفسه كرجل دين، يحلم بأن يكون "ابن تيمية عصره"

التَّمدّح بلقب (ابن تيمية الصغير) شائع في السياق السني الأثري/ النقلي الذي يستولي ابن تيمية على فضاءات التنظير والسجال فيه، كعقائدي/ كلاهوتي كبير؛ نظرا لكون الأثريّة النقلية تُعَاني "ضمورا عقليا" منذ نشأتها الأولى، وإلى الآن. وحيث إن التراث الحنبلي هو أقنوم الحركة النقلية/ الأثرية (بل لا هوية له بدونها) فقد بقي هذا التراث فقيرا فقرا مُدقعا في مجال العقليّات أو ما تقاطع معها، حتى بالنظر إلى تلك العقليات النسبية المرتبطة بالتنظير والسجال داخل المجال الديني التقليدي.

لم يَظْهَر في التراث الحنبلي عقائديون أو أصوليون كبار، كالذين ظهروا في تراث بقية المذاهب السنية: الشافعية والحنفية والمالكية. كان الحنابلة مُتَطفِّلون على موائد التنظير المُحْكم لأتباع هذه المذاهب. وعندما ظهر ابن تيمية ـ وهو حنبلي من نسل حنابلة ـ أصبح فارس قبيلة لا فوارس فيها أصلا، أو عقل تراث مذهبي نقلي بلا عقل؛ فكان هو "العقل" لهم؛ على صفة التعريف والاختصاص. وكما يقول محمد نبيل ملين: "كان عمل ابن تيمية انعكاسا لمجهود مفهومي وتجريبي كان له من الأصالة والاتساع؛ بما جعله غير متجاوز في المذهب الحنبلي إلى يومنا هذا" (علماء الإسلام، محمد نبيل ملين، ص67).

هكذا، لم تجد الحنبلية في مُنَاكَفاتها أو مُنافسَاتها المذهبية من يرفع رايتها؛ بحيث تكون موازية، أو ـ على الأقل ـ؛ مقبولة نسبيا لعشرات الرايات التي ترفعها المذاهب الأخرى. كانت المذاهب الأخرى تصنع مُتَكلّميها وأصوليّيها وفقهاءَها، في سياق نمو تراكمي يُؤسِّس لمشروعية مُتَنَامية قادرة على الصمود في ميادين الحِجَاج والصراع، بينما كانت الحنبلية تَجْتَرُّ أقوالَها المَكرورة المبعثرة التي تفتقد للحد الأدنى من الاتساق والنظام الذي يكفل لها الصمود ضد الغزوات الفكرية للنظراء/ الأضداد المذهبيين.

عندما جاء ابن تيمية كان بمثابة مُنْقِذ لمذهبه، كان للحنابلة ماء فُرَاتا على ظمأ قاتل، كان أملا كبيرا يتحقق بعد يأس شديد، كان حُلمَ الإنجاب المتحقق بعد العقم المتطاول الذي أشمت بهم الأعداء. وزاد من قيمة الرجل أنه كان مجرد طفرة، بل بدا وكأنه ضربة حظ خارج السياق الطبيعي، كان أشبه بالاستثناء، ليس بالنسبة إلى تاريخهم السابق، بل وبالنسبة إلى تاريخهم اللاحق أيضا، فهذا الظمأ وهذا اليأس وهذا العقم، عاد من بعده ليكون طابعا عاما للمذهب. ولهذا، أصبح ابن تيمية يُسْتعاد من جديد، يولد ـ على سبيل الوهم/ التوهم ـ من جديد. صحيح أن ذلك كان يتم بطرق بدائية، تتضمن التشويه، والابتسار، والتبجيل بالتزييف؛ ولكنها ـ في النهاية ـ هي ما تبقى من حيلة العاجزين، أو حيلة التراث العقيم.

أصبح ابن تيمية رمزا في التراث الحنبلي وللتراث الحنبلي. ولم يكن هذا ليكون مشكلة في حد ذاته، إذ لبقية المذاهب رموزها المعتبرين مَنْ الذي يُنْكر رَمزيّة الغزالي أو الجويني في التراث الشافعي مثلا. المشكلة تكمن في أنه ـ وكنتيجة طبيعية للفقر المدقع في التراث الحنبلي ـ تحوّل إلى رمز وحيد، إلى "الرمز" على سبيل الاحتكار. أصبح ـ بالاعتراف الضمني ـ هو مُحقّق المذهب عقائديا؛ على كل ما في تراثه من سلبيات كثيرة لم تكن لتؤثر بعمق في وعي الأجيال؛ لو كان يوجد له نظراء/ مُمَاثلين يحدون من طغيان رمزيّته داخل المذهب. وبالتالي، يستدركون عليه شططه، ويُعِيدون تأطيرَ المنفلت من شطحاته، ولو على سبيل التعديل/ التصحيح/ التأطير الضمني.

عندما جاء ابن تيمية كان بمثابة مُنْقِذ لمذهبه، كان للحنابلة ماء فُرَاتا على ظمأ قاتل

في المذاهب الأخرى التي تتوفّر على عدد كبير من الرموز المتقاربة في حجمها الرمزي، يتمتع المتلقي ـ من داخل المذهب ـ بشيء من التوازن، بشيء من الانفتاح النسبي؛ نتيجة تعدد المقولات وتساوي تأثيرها. وهذا التساوي في تأثير المقولات المتعددة يأتي كنتيجة طبيعية لتعدد الرموز وتقاربها في القيمة الرمزية. فالمتلقي الـ"غير حنبلي" يستلهم الآراء والتصورات من رموز كثيرة متساوية أو شبه متساوية، بحيث لا تلغي القوة الطاغية لرمزيّة أحدهم اجتهادات الآخرين ولا تقلل من اعتراضاتهم. بينما في الحنبلية التيموية يحدث هذا الإلغاء بصورة آليّة؛ لأن الرمز الأوحد/ ابن تيمية يتضخّم ويطغى، ويصبح بذاته مرجعيّة نهائية تتجاوز مرجعية مؤسسي المذهب الأوائل، فيبدو وكأنه "نبي المذهب" الذي لا ينطق إلا بالحق المبين.

لهذا، يتناسل ابن تيمية فكريا داخل المذهب الذي يتصوره "المعجزة الخالدة" التي أيّد الله بها المذهبَ الحق/ المذهب الحنبلي. في تصوّر مُقَلِّديه، لا يحتاج ابن تيمية لمعجزات/ لكرامات ليُعْرَف موقعه في الصواب الديني، بل هو ـ في نظر مقلديه من الحنابلة ـ معجزة كبرى، معجزة فريدة، تُسْتَنْسَخ على سبيل الاقتداء والاهتداء بمثال مُتعالِ، ولكن، مع الوعي بأنها لن تتكرر بحال.

اليوم، وبعد الرواج النسبي للحنبلية في الإعلام الفضائي والتواصلي؛ جرّاء بساطة مقولاتها، أصبح كل "مٌتَديّن حَنْبلي" طموح في التأسيس لنفسه كرجل دين، يحلم بأن يكون "ابن تيمية عصره". صورة ابن تيمية التي ضُخِمت بطول النفخ فيها، أصبحت تُرَاود أحلام يقظة الحنابلة الجدد. لا أحد منهم يجرؤ ـ ولا حتى أمام نفسه ـ على ادعاء التطابق مع الصورة المقدسة للرمز الكبير؛ بتوهم أنه يستطيع مضارعته في يوم من الأيام. بمعنى أنه لا يجرؤ على التوهم بأنه يمكن أن يكون ابن تيمية بالمطلق، أي أن يكون ابن تيمية مُكرّرا. وحينئذٍ ـ وبشيء من اليأس الذي ينتج عن تعالي النموذج ـ يكتفي بأن يكون الهامشَ النّسبي لذلك المتن المطلق، فلا يكون: ابن تيمية وهو؛ على سبيل التساوي/ التماثل، بل يكون: ابن تيمية ثم هو؛ على سبيل الترتيب المتراخي الذي يؤكد أن المرجعية المطلقة واحدة، واحدةٌ لِوَاحدٍ لا يجوز أن يُسَاوَى به أحد، وبالتالي، لا يجوز أن يعترض عليه أو يستدرك عليه أحد، بل وظيفة كل الآخرين، كل السالكين طريق الوعظ الديني، مجرد التقليد، ولا شيء غير التقليد، حتى وإن أتى التقليد على هيئة تبرير أو تفسير أو تقرير، أو حتى اعتراض يحمل منطق التعميد/ تعميده كمرجعية في ما قال و في ما لم يقل، في تأكيد الحضور أو في تأكيد الغياب.

وعلينا في هذا السياق أن نتنبّه إلى أن رحلة الطواف حول "المعجزة التيموية" لا يقوم بها رجل الدين الحنبلي الطموح بنفسه فقط؛ عندما يتمثّل نفسه ـ في أحلام يقظته ـ "ابن تيمية صغيرا"، بل يقوم بها المجال الثقافي الديني الذي يمارس فيه هذا الواعظ الديني الطموح فعاليته الوعظيّة، فبمجرد ظهور الخصائص التيموية (من تشدد، وإقصاء، ونفس دوغمائي، واستعرض موسوعي، وسجالية مذهبية طائفية) على واعظ حنبلي، يتبرّع هذا المجال الثقافي الديني بمنحه شرفَ التزكية (المتمثلة بلقب: "ابن تيمية الصغير") التي تجعله ـ في تصور أبناء المذهب ـ شبه معصوم؛ من حيث الزعم الضمني بأنه يتماسّ مع الأصل المعصوم (مع: ابن تيمية الكبير/ الأصل!).

إن الخطر الكبير اليوم يأتي من ابن تيمية الصغير، قبل أن يأتي من ابن تيمية الكبير

إن هذا التوصيف ليس إحالة على مُضْمرٍ أو مُتخيّل، بل على واقع. فمثلا، أطلق المجال الديني هذا اللقب: "ابن تيمية الصغير" على الفقيه الحنبلي: "بكر أبو زيد"، وعلى العقائدي الحنبلي المتشدد "سفر الحوالي"، وعلى غيرهما بوصفهما أشبال ذلك الأسد، بل أصبح اللقب يُمْنح ـ أمَلاً وتشجيعا ـ على بعض الأطفال الذي يُظْهِرون قُدْرة على الحفظ أو على الإلقاء الحماسي لمقولات أو قصائد تؤكد أو تُغَازل الرؤيةَ العقائدية للمذهب التيموي.

اليوم، وعلى ضوء محاولات الحنبلية التيموي استعادة نفوذها المتراجع (بالرهان على سذاجة الوعي الجماهيري الديني)؛ عبر فاعلين لا يزالون في طور التأسيس، تجد "ابن تيمية الصغير" هو النموذج الحاضر المتكرر، هو النموذج غير المصرح به غالبا.

مجمل ممارسات هؤلاء توحي بأن الروح التيموي هو المهيمن بالمطلق، وشرف حيازة لقب "ابن تيمية الصغير" هو الحلم الذي يُلَمْلِم خيوطَ الطموحات الشخصية لهؤلاء الحنابلة الجدد. والملف للنظر أنك تجد فيهم معالمَ الشخصية التيموية الأصل، من نزق انفعالي، ومن تشدد فقهي، ومن انغلاق عقائدي، ومن تصورات بطولية عن الذات...إلخ معالمَ تلك الشخصية التي انطبعت في مُجْملِ الفعاليات العلمية والعملية لأتباعها.

وهذا يعني أننا أمام جيل مُتَديّن سيتشكل ـ تيمويّاً ـ على يد هؤلاء التيمويين الصغار، القادرين ـ ولأسباب كثيرة ليس هذا مجال التفصيل فيها ـ على تفعيل ذلك التراث مطبوعا بمعالم تلك الشخصية، بأكثر مما استطاعه الأصل ذاته. لهذا، أستطيع القول بلا تردد: إن الخطر الكبير اليوم يأتي من ابن تيمية الصغير، قبل أن يأتي من ابن تيمية الكبير.

اقرأ للكاتب أيضا: نضال العقل التراثي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

Turkish President Recep Tayyip Erdogan speaks during a press conference held after the coordination meeting to fight against…

في أغسطس 2019، أسس ميكاييل يوكسيل، وهو سياسي سويدي من أصول تركية، حزبا جديدا في السويد يدعى "نيانس" (Nyans). أنشأ يوكسيل، العضو السابق في حزب الوسط السويدي الليبرالي الصغير ذي الميول اليسارية، الحزب الجديد بعد إرغامه على الاستقالة على أعتاب انتخاب الممثلين السويديين في البرلمان الأوروبي، وفيها كان يوكسيل مرشحا بارزا. 

وقد أُقصي يوكسيل على خلفية روابطه المزعومة بتنظيم "الذئاب الرمادية" التركي، وهو ذراع الشباب المسلح في حزب الحركة القومية التركي المتطرف الذي كان والده عضوا فيه وشريكا في ائتلاف حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه الرئيس رجب طيب إردوغان. أسس يوكسيل حزب "نيانس" ليركز بشكل خاص على المسائل التي يعتبر مؤسسوه بأنها تؤثر في مسلمي السويد.

يمثل حزب "نيانس" ومؤسسه دراسة حالة مثيرة للاهتمام بما أن الحزب يشكل نقطة مرجعية جديدة ضمن نزعة مثيرة للقلق في السياسات الأوروبية: يبدي إردوغان والقيادة السياسية التركية اهتماما بالغا في عدد من الأحزاب الأوروبية الصغيرة المنسجمة مع رؤية إردوغان السياسية قيد التنفيذ في تركيا. وفي أوروبا، يحصل ذلك في إطار "استثمار" تركيا الكبير في المحافظة على الروابط السياسية مع الجالية التركية الكبرى في أوروبا، لا بل السيطرة عليها.

تضطلع حكومة إردوغان بدور كبير في بناء جسور اقتصادية واجتماعية ودينية مع الأحزاب الأوروبية التي تعتبرها متوائمة سياسيا مع مصالحها. هذا وقد لخص إردوغان بصراحة سياسته على القناة الألبانية (Albania TV) في يونيو 2017، مؤكدا أنه ما من عيب على الإطلاق في دعم الأحزاب السياسية في دول البلقان والدول الأوروبية الأخرى التي تتشارك عقيدة مماثلة مع حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأسه، وأن "هذه الجهود يجب ألا تثير امتعاض أي طرف".

يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين

إلى جانب الروابط مع إسلاميين معروفين أصلا في السويد، على غرار وزير الإسكان محمد كابلان والناشط يسري خان (اللذين كانا سابقا في "حزب الخضر")، ترتبط منصة "نيانس" أيضا بأحزاب إسلامية أوروبية أخرى يعتبر إردوغان أنها تخدم مصالحه. 

تعمل المنصة جاهدة على جعل المسلمين أقلية متجانسة رسمية بناء على تعريف محدد للإسلام؛ ومنح المسلمين (وفقا لهذا التعريف المحدد) منزلة مميّزة ومحمية يتمتّع بها حاليا اليهود والسكان السويديون الأصليون، لا الأقليات الأخرى؛ واعتبار الانتقادات الموجهة ضد الإسلام جريمة كراهية؛ واعتبار رهاب الإسلام جريمة محددة. 

لا يُعدّ "نيانس" المثال الأول في السويد عن حزب يركز خصيصا على هذه المسائل، بما أن حزب "ياسين" (Jasin)  سبقه في عام 2017، وقد أعلن بصراحة عن نيته اتباع الشريعة، إلا أن الأخير لم يحصد العدد اللازم من التواقيع للمشاركة في الانتخابات الوطنية اللاحقة في السويد. ولكن لا ينبغي الافتراض أن هذه الأحزاب تمثل بالضرورة المسلمين كهيئة موحدة متجانسة، إذ أن أغلبية واسعة من المسلمين في السويد لا تنتمي لأي منظمة مسلمة.

شهدت السويد أيضا جهودا سياسية من قبل الإسلاميين في خلال اتفاق عام 1999 بين حركة "الإيمان والتضامن" ("Tro & Solidaritet") الديمقراطية الاشتراكية و"المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd")، الذي اعتبر مراقبون أنه تابع لجماعة "الإخوان المسلمين" الإسلامية. 

وبموجب هذا الاتفاق، حصل "المجلس الإسلامي السويدي" ("Sveriges Muslimska Råd") على عدد من المراكز الآمنة على قوائم الأحزاب مقابل دعمه للديمقراطيين الاشتراكيين. اعتُبرت هذه التجربة ناجحة للغاية من منظور "الإخوان المسلمين"، ومذاك، تزايد عدد الحركات والجماعات التابعة لـ "الإخوان المسلمين"، وحصلت على تمويل من الخزانة العامة، وفرضت نفسها على أنها أبرز هيئة ممثلة للمسلمين في السويد.

ولكن في البيئة السياسية الراهنة في السويد، يتمتع "نيانس" بحظوظ أكبر بكثير من حزب "ياسين" من ناحية تحقيق تمثيل سياسي، وسيبدأ بالترشح إلى الانتخابات البرلمانية والانتخابات المحلية في ستوكهولم وغوتنبرغ ومالمو المزمع عقدها كلها في عام 2022. وترتكز ميزات "نيانس" على قوة المنظمات المحلية في هذه المدن السويدية الرئيسية الثلاث، كما في مدن أصغر مثل أوربرو وفاكسيو، حيث يعتزم أيضا المشاركة.

روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها

بالإضافة إلى ذلك، شكّل رد يوكسيل على إقصائه من حزب الوسط خير دليل على روابطه المستمرة بأنقرة. فبعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان. 

ففي مقابلة مع وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء، زعم أن حزب الوسط حاول إرغامه على التحدث ضد تركيا. وعندما رفض، واجه مشاكل ضمن الحزب أدت إلى استبعاده. وزعم أيضا أنه طُلب منه التحدث ضد الرئيس التركي إردوغان مباشرة، الأمر الذي رفضه مجددا. وبحسب المقابلة، واجه يوكسيل لهذه الأسباب حملة سلبية في السويد.

ومن المثير للاهتمام أن هذه المزاعم لاقت دعما في الإعلام التركي وليس السويدي، فلو انتشرت هذه المزاعم على نطاق واسع في السويد، لكان من السهل تجاهلها. ولكن بالنسبة إلى جمهور تركي، اعتُبرت هذه المزاعم، لا سيما في غياب أي سياق إضافي، قابلة أكثر للتصديق. ويمكن أيضا الافتراض بسهولة أن منصة "نيانس" لن تشارك قط في انتقاد تركيا في عهد إردوغان.

تشبه قصة يوكسيل قصص أفراد آخرين مؤيدين علنا للإسلاميين بصورة عامة وناشطين في سياسات الأحزاب السويدية خارج حزب الوسط. ومن الأمثلة الشهيرة على ذلك عمر مصطفى الذي كان على وشك أن يُنتخب في المجلس الحاكم للديمقراطيين الاشتراكيين في عام 2013. 

أشارت احتجاجات داخل الحزب وخارجه إلى روابطه المتعددة بالإسلاميين، بمن فيهم دعاة إسلاميين مناهضين للسامية ومعادين للمثليين، فاستقال من الحزب. ومن الأمثلة الأخرى وزير الإسكان السويدي السابق المذكور آنفا محمد كابلان، الذي توجب عليه أيضا الاستقالة عندما أُفيد عن ارتباطه بتنظيم "الذئاب الرمادية"، إذ حضر عشاءً مع أعضاء التنظيم في السويد. 

برزت أمثلة أخرى من مقاطعات الأحزاب المحلية من وقت إلى آخر، وأشارت "اللجنة السويدية الوطنية لمناهضة معاداة السامية" بصورة خاصة إلى أنه غالبا ما يجري التغاضي عن معاداة السامية المنبثقة عن السياسيين والناشطين التابعين للأحزاب السياسية من قبل قيادات الأحزاب في السويد.

في دول أوروبية أخرى، واجهت أحزاب مثل حزب دينك في هولندا انتقادات من العديد من السياسيين الهولنديين البارزين لعلاقاتهم الوثيقة مع تركيا، حيث رفض قادة "دينك" فرصا متعددة لانتقاد سجل إردوغان السيئ في مجال حقوق الإنسان، خاصة منذ محاولة الانقلاب التي حصلت في عام 2016.

لكن روابط يوكسيل بتركيا وحزب العدالة والتنمية مشهورة بمدى عمقها، ولاقى ترشحه لحزب الوسط (للانتخابات الأوروبية) تغطية واسعة من وكالة "الأناضول" الرسمية التركية للأنباء. 

بعد إقالته من الحزب، حاول بطبيعة الحال نسج رواية خروجه القسري، إلا أنه وجه هذه الرواية بشكل خاص للجمهور التركي المؤيد لإردوغان

على وجه التحديد، أقام حملته في بلدة كولو، الواقعة في محافظة قونية التركية، التي هاجر الآلاف من سكانها مذاك إلى السويد، كما هو معروف. وتجدر الإشارة إلى أن والد يوكسيل، أورهان يوكسيل، هو رئيس البلدية السابق لكولو (1999 ـ 2004) وشخصية بارزة في حزب الحركة القومية التركي المتطرف. وبالرغم من أن أورهان ترشح أيضا للانتخابات البلدية اللاحقة في عاميْ 2009 و2014، إلا أنه خسر في المرتين.

رد أورهان على التحديات التي واجهها ابنه في السياسة السويدية من خلال إلقاء اللوم على المعارضة التركية، ما يسلط الضوء أكثر على الروابط القائمة بين السياسة التركية والجالية التركية. فقد وجّه أورهان اللوم إلى حزب المعارضة الرئيسي في تركيا، وهو حزب الشعب الجمهوري (CHP) وحملات حزب العمال الكردستاني (PKK) المحظور الذي صنّفته تركيا كمنظمة إرهابية، حيث اتهمه بالمسؤولية عن الجدل الدائر في السويد حول ابنه.

قد يحظى يوكسيل أيضا بالمزيد من الدعم الانتخابي في المستقبل مع تعزيز تركيا انخراطها غير المباشر في السياسة السويدية. ويظهر هذا الانخراط بوضوح: في خلال الانتخابات السويدية، يجري تشجيع الأتراك الذين يحملون جوازات سفر سويدية على التصويت في تركيا. 

يجري ذلك تحت إشراف الاستخبارات التركية، وقد توجه سياسيون مثل يوكسيل وكابلان إلى تلك المنطقة لإقامة حملات فيها أيضا. وقد تتلقى الأحزاب التي تُعتبر داعمة للمصالح والحكومة التركية مساعدة بأشكال متعددة. بحسب رئيس التحرير السابق لصحيفة "Today’s Zaman" في أنقرة التي أوقفت اليوم عن العمل، عبد الله بوزكورت، الذي يعيش في المنفى في السويد منذ عام 2016، يُعدّ التصويت المدعوم من قبل الدولة التركية أمرا شائعا أيضا في مختلف أنحاء أوروبا.

تعكس هذه الجهود التوترات السابقة التي أحاطت بالانتخابات البلغارية في عام 2017، إذ برزت تقارير عن الضغط الذي مارسه وزير تركي لصالح حزب "دوست" (DOST)  البلغاري بين المواطنين البلغاريين المقيمين في اسطنبول. فضلا عن ذلك، حرصت تركيا على توطيد علاقاتها السياسية مع أصحاب الجنسية المزدوجة من خلال السماح لأي مواطنين أتراك مقيمين في الخارج بالتصويت في الانتخابات التركية منذ عام 2014، وهذه ممارسة تشجعها بشكل ناشط لدى الجالية التركية في أوروبا، التي تُعتبر في أغلب الأحيان مؤيدة لحزب العدالة والتنمية. 

في الواقع، أتت هذه السياسة بثمارها في خلال الانتخابات التركية الأخيرة في عام 2018 إذ أن حوالي نصف المواطنين الأتراك المقيمين في السويد الذين يحق لهم التصويت والذين صوتوا في الانتخابات التركية، اقترعوا لصالح حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

أدى دعم إردوغان للأحزاب الأوروبية تماشيا مع مصالحه إلى تعزيز نزعة أخرى في السياسات الأوروبية ألا وهي بروز الأحزاب الإسلامية الداعمة لإدراج تقاليد القانون الإسلامي ضمن قانون الدولة العلماني. 

وقد اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة. 

ويبرز هذا التأثير بشكل خاص في "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" الذي أسسته جماعة "الإخوان المسلمين"، والذي يشرف على عشرات المنظمات في أوروبا. كما أثارت أحزاب صغيرة، مثل "حزب الإسلام" البلجيكي المؤيد للشريعة، مخاوف بشأن الطرق التي تولي من خلالها الأحزاب الإسلامية الأولوية للشريعة الدينية ضمن منصتها السياسية.

تبرز هذه النزعة على الرغم من أن الأحزاب السياسية الأوروبية المعاصرة، ولا سيّما في اسكندينافيا، غالبا ما تبني عملها على خصائص أساسية للأفكار والعقائد، على الرغم من أمثلة معينة مثل الأحزاب المصطفة مع حركة "الديمقراطية المسيحية" أو الانقسام اللغوي ـ السياسي في بلجيكا. ولكن جماعة "الإخوان المسلمين"، بصفتها أحد الأصوات الأكثر تنظيما في العالم الأوروبي المسلم، نجحت في تقديم نفسها كممثلة حصرية للمجتمعات المسلمة في أوروبا عبر الطيف الأيديولوجي الأوروبي، وقد ساهم التركيز السياسي مؤخرا على سياسة الهوية والتقاطع في هذا النجاح. ويشكل "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (FIOE) خير مثال على هذا التقاطع.

اضطلعت جماعة "الإخوان المسلمين" بدور أساسي في انتشار هذه النزعة في أوروبا، كونها نجحت إلى حد كبير في تقديم نفسها كممثلة رئيسية للمجتمعات المسلمة في دول أوروبية متعددة

سرعان ما لاحظت تركيا في عهد إردوغان، الذي غيّر الطابع السياسي العلماني بشكل ملحوظ في تركيا ليصبح أقرب إلى الإسلام في خلال فترة حكمه، المنافع السياسية لقوة الإقناع والنفوذ لدى السياسيين الإسلاميين في أوروبا. 

تبدو الأحزاب السياسية مثل "نيانس" عازمة على حصد ثمار هذه العمليات والانضمام للمجالس التشريعية على الصعيد المحلي وربما الوطني أيضا. ومن الممكن جدا أن تستحصل "نيانس"، في غضون بضع سنوات، على أصوات من الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر وحزب اليسار، وينضم إلى البرلمان أو، على الأقل، المجالس المحلية. ومن المرجح أن يعتبر إردوغان هذه النقلة في السياسة السويدية مكسبا لسياسته تجاه أوروبا.

على هذا النحو، يرى إردوغان على الأرجح أن أحزابا مثل "نيانس" ستكون بمثابة وسيلة فعالة للتأثير على الدول الأوروبية عبر المنظمات التي تعتبرها بوضوح من وكلائها السياسيين. 

لا يعني ذلك أن الأحزاب لا تعمل على قضايا شرعية أو ليس لديها أسئلة فعلية تستوجب المعالجة. فإلى جانب القضايا الفعلية المتمثلة بالتمييز (الفعلي أو الوهمي) وقضايا الفصل والعزل وافتقار السلطات لسياسات الدمج، سهلت السياسة الرسمية التي تعود لما يقارب 40 عاما والقائمة على تشجيع التعددية الثقافية وتبدية الجماعة على الفرد، وبذلك مناقضة أفكار الدمج والاستيعاب المعروضة أيضا، مهمة الأحزاب على غرار "نيانس" الذي يطالب بجعل الانتماء الديني للفرد، في هذه الحالة، العامل الحاسم في السياسة. بالتالي، يمكن لحزب "نيانس" أن يظهر على أنه "الورقة الرابحة" ويستقطب الناخبين الذين كانوا ليختاروا حزبا تقليديا آخرا في حالات أخرى.

ويعني هذا التطور أنه ينبغي على الهيئات الأوروبية الناظمة للسياسات أن تدرس بشكل معمق ومطول كيف يجب أن تتعامل بناها الديمقراطية مع سوء استخدام السلطة والمحاولات العدائية، خصوصا من قبل القوى الخارجية، لفرض تصنيف إسلامي غير مرغوب به على سكانها المسلمين.

المصدر: منتدى فكرة