535243 4

هشام ملحم/

نعم، الديمقراطية الأميركية في خطر حقيقي. الديمقراطية الأقوى في العالم منذ الحرب العالمية الثانية تواجه أخطارا خارجية وداخلية خلقت شكوكا غير معهودة في مناعة نظام الحكم الأميركي وقدرة مؤسساته على استيعاب التحديات.

التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح دونالد ترامب، الذي رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن انتخابه يخدم مصالح موسكو، هو حدث لا مثيل له في التاريخ الأميركي. وبغض النظر عن مدى تأثير هذا التدخل فعليا في انتخاب ترامب، فإن سياسات ترامب، وفقا لعدد كبير من الأميركيين تشكل خطرا مباشرا على الدستور ومؤسسات البلاد، وعلاقاتها الخارجية.

ما هو واضح ومؤكد وموثق هو أن سلوك ترامب الأوتوقراطي واستخفافه بالدستور الأميركي وانتهاكاته له وقراراته أحادية الجانب قد قلبت الأعراف والتقاليد السياسية رأسا على عقب. تصرفات ترامب خلقت استقطابات سياسية واجتماعية وإثنية خطيرة تهدد مستقبل الديمقراطية في أميركا وحتى استقرارها الأمني.

إخفاق الحزب الديمقراطي في عزل ترامب من منصبه بعد محاكمته، عزز من قناعة ترامب بأنه يتمتع بمناعة ضد أي محاسبة أو مساءلة من الكونغرس أو من القضاء أو من الصحافة. ترامب "المنتصر" يشن الآن حملة ضد خصومه في البيروقراطية التي يسميها "الدولة العميقة"، حيث يستبدل الموظفين المحترفين الذين يشغلون مناصب سياسية واستخباراتية حساسة بأشخاص موالين له شخصيا.

الروس قادمون هذه المرة للتدخل أيضا في انتخابات الكونغرس

قبل أيام أكدت أجهزة الاستخبارات الأميركية، ما كان قد أورده المحقق الخاص روبرت مولر في تقرير الصادر في السنة الماضية حول أبعاد التدخل الروسي في انتخابات 2016، وهو أن روسيا تواصل تدخلها في الانتخابات الرئاسية والنيابية التي ستجري في أكتوبر 2020. وليس من المبالغة القول إن روسيا تشن حربا ضد الديمقراطية الأميركية، وإن سياسيين أميركيين إما لا يريدون تصديق ذلك، أو أنهم لن يقاوموا هذه الحرب، إذا استهدفت خصومهم.

هشاشة الديمقراطية

التدخل الروسي في الانتخابات وما يتضمنه من محاولات لتضليل الرأي العام الأميركي، وصمت الحزب الجمهوري وتواطئه مع الرئيس ترامب في تقويضه للقوانين والأعراف والتقاليد الديمقراطية على مدى السنوات الثلاثة الماضية يؤكد حقيقة مؤلمة وهي أن الدفاعات التي تقيمها حتى أكثر الحضارات والثقافات والنظم السياسية تقدما لنفسها لتقيها من الأخطار الداخلية والخارجية، ليست أكثر من قشرة حماية رقيقة يمكن اختراقها بطرق غير متوقعة. ما نراه الآن هو أن القشرة الرقيقة التي تحمي الديمقراطية الأميركية منذ استقلال البلاد في 1776 والتي سعى كل جيل لاحق إلى تعزيزها، تتعرض لانتهاكات وخروقات قد تؤدي إلى إتلافها.

منذ خروج الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى (كان حجم الاقتصاد الاميركي بعد 1945 حوالي 45 بالمئة من مجمل الاقتصاد العالمي) واجهت الديمقراطية الأميركية تحديات داخلية عديدة من بينها حقبة الماكارثية في خمسينيات القرن الماضي والتي انتهكت الحقوق المدنية لسياسيين ومفكرين وفنانين أميركيين اتهموا بالتعاطف مع الاتحاد السوفياتي في حملة ترهيب دمرت حياة العديد من الأبرياء.

وفي ستينيات القرن الماضي وخلال حركة الحقوق المدنية التي تزامنت مع المعارضة المتنامية للحرب في فيتنام، شهدت مدن البلاد الكبرى مثل نيويورك وديترويت ولوس أنجلس وواشنطن تظاهرات شعبية عارمة ضد سياسات التمييز العنصري صاحبها أعمال عنف وشغب أدت إلى حرق أحياء بكاملها وأضرار مادية ضخمة، وخسائر بشرية.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، شهدت البلاد أزمة دستورية بسبب فضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون بعد الكشف عن انتهاكاته السافرة للدستور، وهي أول استقالة لرئيس في تاريخ الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من محاولات مسؤولين مثل الرئيس نيكسون وغيره، استخدام الأجهزة الحكومية لصالحهم ولترهيب خصومهم، إلا أن القضاء الأميركي المستقل، والصحافة الحرة، ووجود بيروقراطية مهنية، وانتخابات نزيهة، كلها حالت دون استمرار هذه الانتهاكات، وكانت البلاد تستفيد من كل هذه التجارب التي كانت تساهم في تعزيز التقاليد الديمقراطية الأميركية كما رأينا في الإصلاحات التي عقبت فضيحة ووترغيت على سبيل المثال.

الروس قادمون، الروس قادمون

في الأسبوع الماضي أبلغ مسؤولون في أجهزة الاستخبارات، أعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس النواب أن روسيا تواصل حملتها للتدخل في الانتخابات الأميركية ولخلق الفوضى والبلبلة فيها، وأن تدخلها الحالي لا يهدف فقط إلى مساعدة الرئيس ترامب على التجديد لنفسه لولاية ثانية، بل إنها تسعى أيضا للتدخل في السباق الراهن بين المرشحين الديمقراطيين لاختيار مرشح الحزب للانتخابات، وتحديدا مساعدة المرشح التقدمي بيرني ساندرز.

الروس قادمون هذه المرة للتدخل أيضا في انتخابات الكونغرس لضمان استمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ لمساعدة الرئيس ترامب، في حال إعادة انتخابه، على تمرير قراراته.

رد فعل المرشح ساندرز كان سريعا وقويا. وبعد أن أكد أن أجهزة الاستخبارات أعلمته قبل شهر أن الروس يتدخلون في الانتخابات لصالحه، وجه تحذيرا قويا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم التدخل في الانتخابات الأميركية، وقال في بيان له إن "الروس يريدون تقويض الديمقراطية الأميركية من خلال تقسيمنا". وأضاف في إشارة إلى الرئيس ترامب "وبعكس الرئيس الحالي، أنا أقف بقوة ضد هذه الجهود وضد أي محاولة تقوم بها دولة أخرى للتدخل في انتخاباتنا".

ووصف ساندرز الرئيس بوتين "بالأوتوقراطي السفاح" وتابع مخاطبا بوتين "إذا انتخبت رئيسا، أؤكد لك بأنك لن تتدخل في الانتخابات الأميركية". وكان المحقق مولر قد كشف في تقريره أن روسيا حاولت التدخل لصالح ساندرز في انتخابات 2016 حين خاض معركة الانتخابات الحزبية ضد منافسته هيلاري كلينتون التي سعى بوتين بجهد كبير لإسقاطها، في الانتخابات الحزبية، ولاحقا في الانتخابات العامة.

لم يتطرق ساندرز إلى تفسير التدخل الروسي لصالحه، أو طبيعة هذا التدخل، ولكن بعض المحللين رأوا أن موقف بوتين هذا مبني على تقويم يرى أن ترامب سوف يفوز بالانتخابات إذا كان منافسه الديمقراطي هو بيرني ساندرز، لأن ترامب سيركز على "اشتراكية" ساندرز التي يستخدمها ترامب ككلمة مماثلة "للشيوعية".

آخرون رأوا أن ساندرز الذي صوّت ضد العقوبات الاقتصادية ضد روسيا له مواقف حول التجارة الدولية لا تختلف كثيرا عن ترامب، وأنه في حال انتخابه سوف ينسحب عسكريا من أفغانستان والعراق وسوريا، كما لن يزيد من قيمة الميزانية العسكرية الأميركية، وهي مواقف تنسجم مع سياسات بوتين.

إضافة إلى إشكالية تقدم المرشحين بالسنّ، فإن صوت المال وصل دويه هذه المرة إلى مستويات محرجة

آخرون رأوا أن الروس يريدون خلق الفوضى، ويرون أن انتخاب ساندرز سوف يعمق الاستقطابات السياسية في البلاد.

وأثارت خطوة الاستخبارات الأميركية سخط الرئيس ترامب الذي سارع إلى إقالة المدير المؤقت لجهاز الاستخبارات الوطنية الذي ينسق أعمال جميع أجهزة الاستخبارات الأميركية جوزف مغواير Joseph Maguire مدعيا أن الديمقراطيين سيستخدمون هذه المعلومات ضده في الانتخابات. وفي قرار عكس ازدرائه بحرفية ومهنية أجهزة الاستخبارات، أعلن ترامب عن تعيينه للسفير الأميركي لدى ألمانيا ريتشارد غرينيل مديرا مؤقتا لجهاز الاستخبارات الوطنية، لأن غرينيل معروف بولائه القوي لترامب وافتقاره لأي خبرة في مجال الاستخبارات.

ومن غير المتوقع أن يبقى غرينيل في منصبه الجديد لفترة طويلة، ولكنه أكد بسلوكه الأولي أن الهدف من تعيينه هو "تنظيف" أجهزة الاستخبارات من المهنيين وذوي الخبرات الطويلة في مجال الاستخبارات وتعيين موالين لترامب في المراكز الحساسة.

وسارع غرينيل إلى إقالة المسؤول الثاني في جهاز الاستخبارات الوطنية، وتعيين بديل له معروف بإيمانه بنظريات المؤامرة ضد ترامب. وبعد تصريحات المرشح ساندرز استخف ترامب بالتهم الموجهة لروسيا وقال لأنصاره في مهرجان انتخابي إنها "خدعة" ومحاولة لتضليل الرأي العام الأميركي.

تعيين الرئيس ترامب لمسؤولين موالين له وغير مهنيين، وتدخله في القضاء الأميركي وقراراته، كما فعل حين انتقد قرار محكمة فدرالية بسجن صديقه القديم روجر ستون بتهم الكذب على الكونغرس، يبين إلى أي مدى يتصرف ترامب كما يتصرف أصدقاءه الأوتوقراطيين في العالم، مثل الرئيس التركي طيب رجب إردوغان، الذين يستخدمون الأجهزة الحكومية لخدمة مصالحهم ومصالح أصدقائهم، أو تقويضها وإضعافها إذا قاومت أهواءه ومطالبه.

مرشحون يجمعهم السن المتقدم وتفرقهم الثروات الفاحشة

وإذا لم يكن التدخل الروسي في الانتخابات، وقرارات ترامب الأوتوقراطية كافية لإحباط المواطنين الأميركيين بشأن نزاهة وصدقية الانتخابات المقبلة، فإن المشهد الانتخابي العام محبط ويثير الشكوك حول عافية الديمقراطية الأميركية.

وإذا لم يفز المرشح الديمقراطي الشاب بيتر بوتيجج، (38 سنة) أو المرشحة الديمقراطية آيمي كلوبوشار (59 سنة)، بالرئاسة، وفوزهما مستبعد، من المؤكد أن الرئيس الأميركي المقبل، إن كان ديمقراطيا أو جمهوريا سوف يكون سبعينيا ويقترب من الثمانين. وإذا أعيد انتخاب ترامب فإنه سيكون في الرابعة والسبعين من عمره. وفي حال انتخاب بيرني ساندرز فإنه سيكون في التاسعة والسبعين من عمره. (أصيب ساندرز قبل أسابيع بذبحة قلبية، وهو يرفض حتى الآن الكشف عن جميع وثائقه الطبية، ما عرضه إلى انتقادات قوية).

وإذا فاز المرشح الديمقراطي مايك بلومبيرغ، فإنه سيكون في التاسعة والسبعين من عمره أيضا. وفي حال فوز المرشح الديمقراطي جوزف بايدن فإنه سيكون في الثامنة والسبعين من عمره. أما المرشحة الديمقراطية اليزابيث وارن، فإنها ستكون في الواحدة والسبعين من عمرها إذا فازت بالرئاسة. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة سيكون فيها الرئيس المقبل في منتصف أو أواخر العقد السابع من عمره.

مؤسسو الجمهورية الأميركية وديمقراطيتها لم يكونوا فقراء، ولكنهم لم يكونوا من النبلاء أو أصحاب الثروات الخيالية

وإضافة إلى إشكالية تقدم المرشحين بالسنّ، فإن صوت المال، الذي يرتفع مع كل انتخابات رئاسية جديدة، وصل دويه هذه المرة إلى مستويات محرجة. ومنذ دخوله المتأخر في السباق الرئاسي قبل 10 أسابيع، ومع أن اسمه لم يكن مدرجا على لوائح الانتخابات في أول أربع ولايات :آيوا ونيوهامبشر ونيفادا وساوث كارولينا، أنفق المرشح الديمقراطي مايك بلومبيرغ (كان جمهوريا معظم حياته) أكثر من 450 مليون دولار على الدعايات التلفزيونية والإذاعية.

ويقول بلومبيرغ، الذي تزيد ثروته عن 63 مليار دولار، إنه مستعد لإنفاق كل ما يتطلبه السباق لحرمان ترامب من ولاية ثانية. من جهتها تسعى حملة الرئيس ترامب إلى التحضير لإنفاق مليار دولار لضمان إعادة انتخابه لولاية ثانية. المرشح الديمقراطي الثري الآخر هو توم ستيير، أنفق خلال الشهر الماضي 65 مليون دولار من ثروته الخاصة.

لذلك، لم يكن مستغربا أن يكون الثراء الفاحش لبعض المرشحين أحد القضايا الرئيسية التي طغت على آخر مناظرة للمرشحين الديمقراطيين، حيث وقف على الخشبة ذاتها الملياردير مايك بلومبيرغ، الذي يدافع عن ثرائه، والمرشح بيرني ساندرز الذي قال إنه يجب أن لا يسمح لأحد بأن يصبح مليارديرا.

مؤسسو الجمهورية الأميركية وديمقراطيتها لم يكونوا فقراء، ولكنهم لم يكونوا من النبلاء أو أصحاب الثروات الخيالية، وبعضهم كانوا يعيشون على رواتبهم الحكومية (مثل توماس جيفرسون) أو كانت تثقلهم الديون أو وافتهم المنية قبل تسديد قروضهم المستحقة.

هذه بعض الأخطار التي تواجه الديمقراطية الأميركية في العام 2020.

اقرأ للكاتب أيضا: أحلاف أميركا الهشة في الشرق الأوسط

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الديمقراطية الأميركية في خطر 5980E989-94C8-43EB-8B0D-F3C7441E2F6E.jpg AFP الديمقراطية-الأميركية-في-خطر مع أن اسمه لم يكن مدرجا على لوائح الانتخابات في أول أربع ولايات :آيوا ونيوهامبشر ونيفادا وساوث كارولينا، أنفق المرشح الديمقراطي مايك بلومبيرغ (كان جمهوريا معظم حياته) أكثر من 450 مليون دولار على الدعايات التلفزيونية والإذاعية 2020-02-24 13:43:42 1 2020-02-24 13:54:54 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟