535243 4

هشام ملحم/

نعم، الديمقراطية الأميركية في خطر حقيقي. الديمقراطية الأقوى في العالم منذ الحرب العالمية الثانية تواجه أخطارا خارجية وداخلية خلقت شكوكا غير معهودة في مناعة نظام الحكم الأميركي وقدرة مؤسساته على استيعاب التحديات.

التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح دونالد ترامب، الذي رأى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن انتخابه يخدم مصالح موسكو، هو حدث لا مثيل له في التاريخ الأميركي. وبغض النظر عن مدى تأثير هذا التدخل فعليا في انتخاب ترامب، فإن سياسات ترامب، وفقا لعدد كبير من الأميركيين تشكل خطرا مباشرا على الدستور ومؤسسات البلاد، وعلاقاتها الخارجية.

ما هو واضح ومؤكد وموثق هو أن سلوك ترامب الأوتوقراطي واستخفافه بالدستور الأميركي وانتهاكاته له وقراراته أحادية الجانب قد قلبت الأعراف والتقاليد السياسية رأسا على عقب. تصرفات ترامب خلقت استقطابات سياسية واجتماعية وإثنية خطيرة تهدد مستقبل الديمقراطية في أميركا وحتى استقرارها الأمني.

إخفاق الحزب الديمقراطي في عزل ترامب من منصبه بعد محاكمته، عزز من قناعة ترامب بأنه يتمتع بمناعة ضد أي محاسبة أو مساءلة من الكونغرس أو من القضاء أو من الصحافة. ترامب "المنتصر" يشن الآن حملة ضد خصومه في البيروقراطية التي يسميها "الدولة العميقة"، حيث يستبدل الموظفين المحترفين الذين يشغلون مناصب سياسية واستخباراتية حساسة بأشخاص موالين له شخصيا.

الروس قادمون هذه المرة للتدخل أيضا في انتخابات الكونغرس

قبل أيام أكدت أجهزة الاستخبارات الأميركية، ما كان قد أورده المحقق الخاص روبرت مولر في تقرير الصادر في السنة الماضية حول أبعاد التدخل الروسي في انتخابات 2016، وهو أن روسيا تواصل تدخلها في الانتخابات الرئاسية والنيابية التي ستجري في أكتوبر 2020. وليس من المبالغة القول إن روسيا تشن حربا ضد الديمقراطية الأميركية، وإن سياسيين أميركيين إما لا يريدون تصديق ذلك، أو أنهم لن يقاوموا هذه الحرب، إذا استهدفت خصومهم.

هشاشة الديمقراطية

التدخل الروسي في الانتخابات وما يتضمنه من محاولات لتضليل الرأي العام الأميركي، وصمت الحزب الجمهوري وتواطئه مع الرئيس ترامب في تقويضه للقوانين والأعراف والتقاليد الديمقراطية على مدى السنوات الثلاثة الماضية يؤكد حقيقة مؤلمة وهي أن الدفاعات التي تقيمها حتى أكثر الحضارات والثقافات والنظم السياسية تقدما لنفسها لتقيها من الأخطار الداخلية والخارجية، ليست أكثر من قشرة حماية رقيقة يمكن اختراقها بطرق غير متوقعة. ما نراه الآن هو أن القشرة الرقيقة التي تحمي الديمقراطية الأميركية منذ استقلال البلاد في 1776 والتي سعى كل جيل لاحق إلى تعزيزها، تتعرض لانتهاكات وخروقات قد تؤدي إلى إتلافها.

منذ خروج الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى (كان حجم الاقتصاد الاميركي بعد 1945 حوالي 45 بالمئة من مجمل الاقتصاد العالمي) واجهت الديمقراطية الأميركية تحديات داخلية عديدة من بينها حقبة الماكارثية في خمسينيات القرن الماضي والتي انتهكت الحقوق المدنية لسياسيين ومفكرين وفنانين أميركيين اتهموا بالتعاطف مع الاتحاد السوفياتي في حملة ترهيب دمرت حياة العديد من الأبرياء.

وفي ستينيات القرن الماضي وخلال حركة الحقوق المدنية التي تزامنت مع المعارضة المتنامية للحرب في فيتنام، شهدت مدن البلاد الكبرى مثل نيويورك وديترويت ولوس أنجلس وواشنطن تظاهرات شعبية عارمة ضد سياسات التمييز العنصري صاحبها أعمال عنف وشغب أدت إلى حرق أحياء بكاملها وأضرار مادية ضخمة، وخسائر بشرية.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، شهدت البلاد أزمة دستورية بسبب فضيحة ووترغيت التي أدت إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون بعد الكشف عن انتهاكاته السافرة للدستور، وهي أول استقالة لرئيس في تاريخ الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من محاولات مسؤولين مثل الرئيس نيكسون وغيره، استخدام الأجهزة الحكومية لصالحهم ولترهيب خصومهم، إلا أن القضاء الأميركي المستقل، والصحافة الحرة، ووجود بيروقراطية مهنية، وانتخابات نزيهة، كلها حالت دون استمرار هذه الانتهاكات، وكانت البلاد تستفيد من كل هذه التجارب التي كانت تساهم في تعزيز التقاليد الديمقراطية الأميركية كما رأينا في الإصلاحات التي عقبت فضيحة ووترغيت على سبيل المثال.

الروس قادمون، الروس قادمون

في الأسبوع الماضي أبلغ مسؤولون في أجهزة الاستخبارات، أعضاء لجنة الاستخبارات في مجلس النواب أن روسيا تواصل حملتها للتدخل في الانتخابات الأميركية ولخلق الفوضى والبلبلة فيها، وأن تدخلها الحالي لا يهدف فقط إلى مساعدة الرئيس ترامب على التجديد لنفسه لولاية ثانية، بل إنها تسعى أيضا للتدخل في السباق الراهن بين المرشحين الديمقراطيين لاختيار مرشح الحزب للانتخابات، وتحديدا مساعدة المرشح التقدمي بيرني ساندرز.

الروس قادمون هذه المرة للتدخل أيضا في انتخابات الكونغرس لضمان استمرار سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ لمساعدة الرئيس ترامب، في حال إعادة انتخابه، على تمرير قراراته.

رد فعل المرشح ساندرز كان سريعا وقويا. وبعد أن أكد أن أجهزة الاستخبارات أعلمته قبل شهر أن الروس يتدخلون في الانتخابات لصالحه، وجه تحذيرا قويا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعدم التدخل في الانتخابات الأميركية، وقال في بيان له إن "الروس يريدون تقويض الديمقراطية الأميركية من خلال تقسيمنا". وأضاف في إشارة إلى الرئيس ترامب "وبعكس الرئيس الحالي، أنا أقف بقوة ضد هذه الجهود وضد أي محاولة تقوم بها دولة أخرى للتدخل في انتخاباتنا".

ووصف ساندرز الرئيس بوتين "بالأوتوقراطي السفاح" وتابع مخاطبا بوتين "إذا انتخبت رئيسا، أؤكد لك بأنك لن تتدخل في الانتخابات الأميركية". وكان المحقق مولر قد كشف في تقريره أن روسيا حاولت التدخل لصالح ساندرز في انتخابات 2016 حين خاض معركة الانتخابات الحزبية ضد منافسته هيلاري كلينتون التي سعى بوتين بجهد كبير لإسقاطها، في الانتخابات الحزبية، ولاحقا في الانتخابات العامة.

لم يتطرق ساندرز إلى تفسير التدخل الروسي لصالحه، أو طبيعة هذا التدخل، ولكن بعض المحللين رأوا أن موقف بوتين هذا مبني على تقويم يرى أن ترامب سوف يفوز بالانتخابات إذا كان منافسه الديمقراطي هو بيرني ساندرز، لأن ترامب سيركز على "اشتراكية" ساندرز التي يستخدمها ترامب ككلمة مماثلة "للشيوعية".

آخرون رأوا أن ساندرز الذي صوّت ضد العقوبات الاقتصادية ضد روسيا له مواقف حول التجارة الدولية لا تختلف كثيرا عن ترامب، وأنه في حال انتخابه سوف ينسحب عسكريا من أفغانستان والعراق وسوريا، كما لن يزيد من قيمة الميزانية العسكرية الأميركية، وهي مواقف تنسجم مع سياسات بوتين.

إضافة إلى إشكالية تقدم المرشحين بالسنّ، فإن صوت المال وصل دويه هذه المرة إلى مستويات محرجة

آخرون رأوا أن الروس يريدون خلق الفوضى، ويرون أن انتخاب ساندرز سوف يعمق الاستقطابات السياسية في البلاد.

وأثارت خطوة الاستخبارات الأميركية سخط الرئيس ترامب الذي سارع إلى إقالة المدير المؤقت لجهاز الاستخبارات الوطنية الذي ينسق أعمال جميع أجهزة الاستخبارات الأميركية جوزف مغواير Joseph Maguire مدعيا أن الديمقراطيين سيستخدمون هذه المعلومات ضده في الانتخابات. وفي قرار عكس ازدرائه بحرفية ومهنية أجهزة الاستخبارات، أعلن ترامب عن تعيينه للسفير الأميركي لدى ألمانيا ريتشارد غرينيل مديرا مؤقتا لجهاز الاستخبارات الوطنية، لأن غرينيل معروف بولائه القوي لترامب وافتقاره لأي خبرة في مجال الاستخبارات.

ومن غير المتوقع أن يبقى غرينيل في منصبه الجديد لفترة طويلة، ولكنه أكد بسلوكه الأولي أن الهدف من تعيينه هو "تنظيف" أجهزة الاستخبارات من المهنيين وذوي الخبرات الطويلة في مجال الاستخبارات وتعيين موالين لترامب في المراكز الحساسة.

وسارع غرينيل إلى إقالة المسؤول الثاني في جهاز الاستخبارات الوطنية، وتعيين بديل له معروف بإيمانه بنظريات المؤامرة ضد ترامب. وبعد تصريحات المرشح ساندرز استخف ترامب بالتهم الموجهة لروسيا وقال لأنصاره في مهرجان انتخابي إنها "خدعة" ومحاولة لتضليل الرأي العام الأميركي.

تعيين الرئيس ترامب لمسؤولين موالين له وغير مهنيين، وتدخله في القضاء الأميركي وقراراته، كما فعل حين انتقد قرار محكمة فدرالية بسجن صديقه القديم روجر ستون بتهم الكذب على الكونغرس، يبين إلى أي مدى يتصرف ترامب كما يتصرف أصدقاءه الأوتوقراطيين في العالم، مثل الرئيس التركي طيب رجب إردوغان، الذين يستخدمون الأجهزة الحكومية لخدمة مصالحهم ومصالح أصدقائهم، أو تقويضها وإضعافها إذا قاومت أهواءه ومطالبه.

مرشحون يجمعهم السن المتقدم وتفرقهم الثروات الفاحشة

وإذا لم يكن التدخل الروسي في الانتخابات، وقرارات ترامب الأوتوقراطية كافية لإحباط المواطنين الأميركيين بشأن نزاهة وصدقية الانتخابات المقبلة، فإن المشهد الانتخابي العام محبط ويثير الشكوك حول عافية الديمقراطية الأميركية.

وإذا لم يفز المرشح الديمقراطي الشاب بيتر بوتيجج، (38 سنة) أو المرشحة الديمقراطية آيمي كلوبوشار (59 سنة)، بالرئاسة، وفوزهما مستبعد، من المؤكد أن الرئيس الأميركي المقبل، إن كان ديمقراطيا أو جمهوريا سوف يكون سبعينيا ويقترب من الثمانين. وإذا أعيد انتخاب ترامب فإنه سيكون في الرابعة والسبعين من عمره. وفي حال انتخاب بيرني ساندرز فإنه سيكون في التاسعة والسبعين من عمره. (أصيب ساندرز قبل أسابيع بذبحة قلبية، وهو يرفض حتى الآن الكشف عن جميع وثائقه الطبية، ما عرضه إلى انتقادات قوية).

وإذا فاز المرشح الديمقراطي مايك بلومبيرغ، فإنه سيكون في التاسعة والسبعين من عمره أيضا. وفي حال فوز المرشح الديمقراطي جوزف بايدن فإنه سيكون في الثامنة والسبعين من عمره. أما المرشحة الديمقراطية اليزابيث وارن، فإنها ستكون في الواحدة والسبعين من عمرها إذا فازت بالرئاسة. وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة سيكون فيها الرئيس المقبل في منتصف أو أواخر العقد السابع من عمره.

مؤسسو الجمهورية الأميركية وديمقراطيتها لم يكونوا فقراء، ولكنهم لم يكونوا من النبلاء أو أصحاب الثروات الخيالية

وإضافة إلى إشكالية تقدم المرشحين بالسنّ، فإن صوت المال، الذي يرتفع مع كل انتخابات رئاسية جديدة، وصل دويه هذه المرة إلى مستويات محرجة. ومنذ دخوله المتأخر في السباق الرئاسي قبل 10 أسابيع، ومع أن اسمه لم يكن مدرجا على لوائح الانتخابات في أول أربع ولايات :آيوا ونيوهامبشر ونيفادا وساوث كارولينا، أنفق المرشح الديمقراطي مايك بلومبيرغ (كان جمهوريا معظم حياته) أكثر من 450 مليون دولار على الدعايات التلفزيونية والإذاعية.

ويقول بلومبيرغ، الذي تزيد ثروته عن 63 مليار دولار، إنه مستعد لإنفاق كل ما يتطلبه السباق لحرمان ترامب من ولاية ثانية. من جهتها تسعى حملة الرئيس ترامب إلى التحضير لإنفاق مليار دولار لضمان إعادة انتخابه لولاية ثانية. المرشح الديمقراطي الثري الآخر هو توم ستيير، أنفق خلال الشهر الماضي 65 مليون دولار من ثروته الخاصة.

لذلك، لم يكن مستغربا أن يكون الثراء الفاحش لبعض المرشحين أحد القضايا الرئيسية التي طغت على آخر مناظرة للمرشحين الديمقراطيين، حيث وقف على الخشبة ذاتها الملياردير مايك بلومبيرغ، الذي يدافع عن ثرائه، والمرشح بيرني ساندرز الذي قال إنه يجب أن لا يسمح لأحد بأن يصبح مليارديرا.

مؤسسو الجمهورية الأميركية وديمقراطيتها لم يكونوا فقراء، ولكنهم لم يكونوا من النبلاء أو أصحاب الثروات الخيالية، وبعضهم كانوا يعيشون على رواتبهم الحكومية (مثل توماس جيفرسون) أو كانت تثقلهم الديون أو وافتهم المنية قبل تسديد قروضهم المستحقة.

هذه بعض الأخطار التي تواجه الديمقراطية الأميركية في العام 2020.

اقرأ للكاتب أيضا: أحلاف أميركا الهشة في الشرق الأوسط

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الديمقراطية الأميركية في خطر 5980E989-94C8-43EB-8B0D-F3C7441E2F6E.jpg AFP الديمقراطية-الأميركية-في-خطر مع أن اسمه لم يكن مدرجا على لوائح الانتخابات في أول أربع ولايات :آيوا ونيوهامبشر ونيفادا وساوث كارولينا، أنفق المرشح الديمقراطي مايك بلومبيرغ (كان جمهوريا معظم حياته) أكثر من 450 مليون دولار على الدعايات التلفزيونية والإذاعية 2020-02-24 13:43:42 1 2020-02-24 13:54:54 0

قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف
قلم وورقة - صورة تعبيرية. أرشيف

في بداية الشهر الجاري هاتفني الزميل، بهاء الحجار، رئيس تحرير موقع الحرة، ليبلغني بقرار إدارة القناة وقف "من زاوية أخرى" نهاية شهر فبراير الجاري. تم إبلاغي وإبلاغ كل الكتاب بهذا القرار. أول ما خطر بذهني وقتها، أنها خسارة كبيرة، ليست فقط لي ككاتب، ولكن بالأحرى كقارئ أقرأ وأتابع مقالات هذا الباب دوريا وباهتمام شديد.

بدأت علاقتي بهذا الباب في يوليو عام 2017، عندما طلب مني السفير، ألبرتو فيرناندز، الكتابة مع انطلاق الزاوية، وبداية توليه مسؤولية القناة حينها. كانت الفكرة هي إتاحة مساحة لبعض الكتاب ممن أحب أن أطلق عليهم "المغردون خارج السرب"، بسقف تحريري عالٍ نادرا ما يتوفر في الصحافة العربية. فعلى مدار هذه السنوات وعشرات المقالات لم تُحذف كلمة واحدة مما كتبت، وهو ما شهد به كل من كتب في هذه المنصة.

كشخص أكتب منذ سنوات، وكثير من دائرة أصدقائي ومعارفي هم أيضا كتاب وصحفيون وصناع محتوى، أدرك جيدا قلة المنابر والفرص لمن يغردون خارج السرب. لمن قرروا أن يدافعوا عن قيم الحريات التي لا تزال ينظر إليها قسم كبير من مجتمعاتنا بكثير من الريبة والشك والمعاني السلبية المختلفة. ولمن قرروا ألا يدافعوا عن الاستبداد أو الإسلام السياسي، وأن يغردوا خارج هذه الثنائية الضيقة. ولمن اختاروا مواجهة وتفكيك أفكار التطرف الديني بكل ما يحمله ذلك من عواقب، في معظم الأوقات ليست بحميدة.

يبدو أن الاتجاه الآن يركز على صناعة الفيديو والبودكاست، حيث أن الجيل الأصغر أو Generation Z يفضل الفيديو والبودكاست على المقالات. وبالرغم من قناعتي أن كل منتج له طبيعته، وجمهوره المختلف. فما يمكن أن يُكتب في مقال رأي بما يحمله من أفكار جريئة، لا يصلح بالضرورة كنص لصناعة فيديو والعكس صحيح. ولكنني أتفق أن هذا بالفعل ما يفضله الجيل الأصغر سنا.

فأنا شخصيا أعمل منذ أكثر من 3 أعوام بمؤسسة غير ربحية تهدف إلى إثراء المحتوى الرقمي العربي، اسمها "أفكار بلا حدود". وأركز في عملي على صناعة الفيديو والبودكاست. ببساطة لأننا إلى حد كبير لدينا نفس القناعة، وهي أنه علينا تعديل أسلوب الرسالة إن أردنا أن نخاطب الجيل الأصغر. بل وللمفارقة فقد أخذنا قرارا مشابها بتوجيه قسم كبير من مواردنا لصناعة المحتوى المرئي والمسموع بدلا من المكتوب.

المحتوى الرقمي العربي بشكل عام فقير، من حيث الكم ومن حيث الجودة، لو قارنا بينه وبين المحتوى الذي يتم إنتاجه بلغات أخرى مثل الإنكليزية. وربما من هنا جاءت تسمية بودكاست "بالعربي" الذي أطلقناه بالمؤسسة. الاسم جاء بعد نقاش عن قلة المحتوى الجيد باللغة العربية، كما جاء كرد فعل على شعورنا بالغيرة من المحتوى المتنوع والمتميز بلغات أخرى.

فلو إنك تجيد الإنكليزية وحمّلت أحد تطبيقات البودكاست وليكن تطبيق "سبوتيفاي" مثلا، ستجد مئات، إن لم يكن الآلاف، من برامج البودكاست المتميزة باللغة الإنكليزية والتي تغطي كل مجالات الحياة تقريبا. بداية من السياسة للاقتصاد للرياضة للفن وليس انتهاء بالعلاقات العاطفية. هذا الغنى في المحتوى ذو الجودة العالية، نفتقده نحن الناطقون بالعربية.

من هنا جاءت الفكرة وهي أن نستضيف أصوات من العالم العربي، أصوات تتسم بالعمق وثراء التجربة سواء الفكرية أو المهنية أو الإنسانية. نستضيفهم لأحاورهم ونسلط الضوء على أفكارهم وتجاربهم وقصصهم، لننتج محتوى يليق بالمستخدم العربي، والذي نؤمن من أعماقنا أنه يستحق أفضل من المحتوى الموجود بكثير.

الصحافة في العالم العربي ليست منفصلة عن واقعه الصعب. فكثير من المواقع والمنابر الموجودة، إما تعتمد سياسة الترند، بمعني إنتاج أي شيء يرفع من أعداد المشاهدات بغض النظر عن المهنية أو القيمة التحريرية أو الصحفية للمحتوى، أو هي محكومة بتوجهات سياسية تقيد بشدة من جودة الأفكار المُقدمة من خلالها. فالواقع أن حال الصحافة العربية يحتاج إلى الكثير والكثير من التطوير.

هذا بالتأكيد لا ينفي وجود تجارب رقمية ناجحة أثبتت وجودها، وأثبتت خطأ بعض الأفكار الشائعة عن المتلقي العربي، باعتباره متلقي أو مستخدم User لا يتجاوب مع المحتوى الجاد والعميق. فلو أخذنا صناعة البودكاست كمثال فهناك العديد من التجارب الناجحة التي تكونت خلال السنوات القليلة الماضية، أذكر منها اثنتين فقط على سبيل المثال لا الحصر، فأنا بشكل شخصي أتابع بودكاست "فنجان" والذي تنتجه شركة ثمانية، وأراه من أفضل برامج البودكاست الحوارية باللغة العربية، إن لم يكن أفضلها بالفعل. أيضا أنتظر الحلقات الجديدة من بودكاست "أباجورة" بشغف والذي تقدمه، لبنى الخميسي، وهو بودكاست قصصي ممتع وملهم بشكل مميز.

هذه التجارب وتجارب أخرى متعددة، والتي يصعب ذكرها أو حصرها هنا، في مجال مقالات الرأي وصناعة الفيديو أثبتت عطش المستخدم الناطق بالعربية لصناع محتوى وكتاب يحترمون عقله ويجتهدون كل يوم لتطوير أنفسهم وإنتاجهم ليليق بهذا المستخدم. وأثبتت أيضا حاجة صناعة المحتوى لمؤسسات وشركات إنتاج تدعم العاملين بهذه الصناعة لتمكينهم من تقديم محتوى ينافس في جودته ما يتوفر بلغات أخرى مثل الإنكليزية.

ربما كان باب "من زاوية أخرى" استثناء لما أتاحه من سقف تحريري عال، نادر وجوده. وربما هذا هو ما يشعرني بالحزن تجاه هذا القرار، ولكنني في نفس الوقت أشعر بالامتنان الشديد لقناة الحرة ولكل القائمين على هذا الباب والذين ساهموا فيه، ولكل من أتاح لي ولكل من كتب في هذا الباب أن نوصل أصواتنا على مدار هذه السنوات دون تقييد أو حذف أو رقابة. شكرا "من زاوية أخرى"، وشكرا لقناة الحرة وإلى لقاء آخر في تجارب إعلامية أخرى.