535421 4

إياد العنبر/

"ليهتف المتظاهرون بسقوط المسؤول أو بنجاحه. وليهتف المتظاهرون بما يطالبون من أمور مقبولة وغير مقبولة، فالمسألة ليس أن نختلف أو نتفق حول الشعارات. بل احترام الرأي... حرية التظاهر حق كحرية الإعلام والتعبير والأحزاب وغيرها من حريات كفلها الدستور. ومن واجب قوات الأمن حماية المتظاهرين لا تسديد فوهات البنادق ضدهم".

قد يتوهم من يقرأ هذه النصوص، أنها تعود لجون ستيورات مِل في كتابه "عن الحرية"، أو أنها تعود لإيزايا برلين في كتابه "الحرية". لكنها بالحقيقة جزء من مقالات كتبها السيد عادل عبد المهدي رئيس الوزراء في افتتاحيات جريدة العدالة تعليقا على تظاهرات فبراير 2011.

نعم، عبد المهدي الذي لم يقدّم استقالته من رئاسة الحكومة إلا بعد أن تجاوزت أعداد ضحايا ساحات التظاهر المئات بين شهيدٍ وجريح!

ويبدو أن عبد المهدي تمكّن من خداع الطبقة السياسية مرّة بطروحاته وتنظيراته، ومرّة ثانية بالتعامل معها بمنطق التخادم المصلحي، من خلال جعل تحقيق مصالحها مرتبطة بوجوده على رأس الحكومة. ويتّضح ذلك من خلال تمسك الكثير من قوى السياسية الشيعية ببقائه بالمنصب، إضافة إلى القوى الكرديّة، وبعض القوى السنيّة، متجاهلة عجزه عن إدارة أزمة التظاهرات.

تصدّع النظام السياسي أمام حركة الاحتجاجات يؤشّر لنهاية النظام

الموضوع الرئيس لا يتعلق بنقد شخص السيد عبد المهدي، رغم أنه أثبت وبجدارة فشله في إدارة الدولة، وإنما نقد تفكير المنظومة السياسية التي يُعد عادل عبد المهدي أنموذجا لها. فحكومته بفشلها وسوء إدارتها تعبّر عن تراكمات الأخطاء التي أنتجها التفكير المأزوم للطبقة السياسية. فبينما نحن نقترب من بلوغ السنة السابعة عشر على تغيير النظام السياسي في العراق، فإن منظومة التفكير السياسي لم تتمكن من التفكير بإدارة التوازن بين رغبة الوصول إلى السلطة والاستجابة لمطالبِ الجمهور، إلا بالقدر المتعلّق بإدارة الصفقات السياسية التي تضمن البقاء في دائرتَي السلطة والنفوذ.

ولم تكن تظاهرات أكتوبر إلا كاشفة لأزمة القيادة السياسية في العراق، ولعلَّ غياب أفق الحل السياسي والتعاطي مع التظاهرات من أبرز ملامح تلك الأزمة. إذ يبدو أن أحزاب السلطة لم تغادر مرحلة المراهقة السياسية والانتقال إلى مرحلة العمل السياسي القائم على إدارة التوازنات وليس محاولة كسر الإرادات.

فلطالما كان محور اهتمام القوى السياسية منصبّا في ترسيخ البقاء بالحكم من خلال الهيمنة على مؤسسات الدولة والسيطرة على الإعلام وخداع الرأي العام بعناوين الطائفة والمذهب والقومية، ومن ثم توسيع دائرة الزبائنية السياسية لضمان الفوز في الانتخابات. وما عدا تلك المواضيع لم يجرِ أي نقاش بشأن ما يطالب به المواطن. وأي دولة نريد بنائها؟ إلا في اللقاءات الصحفيّة لزعماء الطبقة السياسية.

ومنذ اليوم الأول للتظاهرات، كان إدراك القوى السياسية أن مطالب المحتجّين مشروعة ومحقّة، وأنها تعبير عن تردي الأوضاع المعيشية وتراكمات الفساد وسوء الإدارة. لكنها لم تعتبرها فرصة لتصحيح المسار والاحتفاظ بزمام المبادرة من خلال تقديم الضغط على الحكومة لتقديم الاستقالة أو إقالتها، لامتصاص السخط الجماهيري من ساحات التظاهر، لا سيما بعد أن ملأت الساحة بدماء المتظاهرين. لكنَّ الطبقة السياسية أصرّت على التفكير بمنطق القبيلة لا الدولة، واعتبار أي تقديم للتنازلات بوابة لتنازلات أخرى قد تُهدد مصالحها!

التفكير بالتعاطي مع التظاهرات بمنطقِ كسر الإرادات، كانت نتيجته خسارة لأحزاب السلطة

إذا، تحمّلت العملية السياسية كثيرا من المفارقات، أبرزها اتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة. وكلما كان هناك تقادم ممارسة العمل السياسي، لكن النظام السياسي في العراق المعنوَنِ بالديمقراطية يُدار بوساطة طبقة من الحكام الأوليغارشيين الذين يحكمون بمسمى الديمقراطية.

وإذا دققنا بالموضوعِ أكثر، نجد أن القوى السياسية تفتقد للنضجِ السياسي الذي يؤهلها لإدارة أزمات الحكم! كيف لا، وهي طوال الفترة الماضية تسوّي خلافتها، ولا تعقد اجتماعاتها للتفاوض لتشكيل الحكومة والقبول بالمرشحين للمناصب العليا في الدولة إلا تحت رعاية القادمين من وراء الحدود، والتي كانت تدير الصفقات السياسية لتمرير المرشحين، وعندما رحل عرّاب التوافقات عن المشهد السياسي في العراق ظهرت عورات التوافقات السياسية.

وبجردة حساب للمواقف السياسية، منذ بدء التظاهرات حتى يومنا هذا، نجد أن غياب القيادة السياسية ما هو إلا تعبير عن عامل إضافي للفشل الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ أحزاب السلطة السياسية في العراق. والموضوع لا يحتاج إلى الأدلة والبراهين، فأزمة الاتفاق على شخصية سياسية تتمتع بنسبة بسيطة من المقبولية، ويكون محلّ توافق بين جمهور من المتظاهرين وبين القوى السياسية، إنما هي أزمة تمثل دليلا واضحا على عجز النظام السياسي الراهن عن إنتاج قيادات سياسية.

ولا تزال الطبقة السياسية تعتقد أن حركة الاحتجاجات ينحصر تأثيرها على الطبقة السياسية الشيعية، وقد يكون ذلك صحيحا بسبب عجز السياسيين الشيعة عن تحويل التحدي الذي فرضته التظاهرات إلى فرصة للمُضي بإصلاحات حقيقة للنظام السياسي، إذ أنها فرصة تستبطنها حركات الاحتجاجات لتعزيز مشروعية النظام.

القوى السياسية تفتقد للنضجِ السياسي الذي يؤهلها لإدارة أزمات الحكم!

بيد أن تصدّع النظام السياسي أمام حركة الاحتجاجات يؤشّر على المدى القريب لنهاية النظام، إذ بات تغيير شكل النظام المحاولة الأخيرة التي يمكن من خلالها إنقاذه من تغيير شامل وجذري، وقد يكون بطريقة بعيدة عن الآليات الديمقراطية.

لقد حاولت الطبقةُ السياسية الاستمرار بالتسويفِ والمماطلة، ولعلّها تطيل بعمر حكومة عبد المهدي، والتي اعتبرت تغييرها بمثابة كسر لإرادة أحزاب السلطة. وهنا أيضا أثبتت خطأها في قراءة حركة الاحتجاجات. فالاحتجاجات لم تخرج من أجل إسقاط الحكومة فحسب، بل هي تهدف إلى إنهاء المنظومة السياسية القائمة على خدمة أحزابِ السلطة ومَن يتبعهم.

التفكير بالتعاطي مع التظاهرات بمنطقِ كسر الإرادات، كانت نتيجته خسارة لأحزاب السلطة. وربما تكون هذه النتيجة غير واضحة المعالم على المدى القريب، لأنها تبقى مرتهنة لقدرة ساحات التظاهر على تسخير جهودها في تنظيم مشاركتها السياسية في الانتخابات القادمة، وعقلنة مطالبها في هذه الفترة من خلال تحديدها بخارطة طريق تبدأ بالإصرار على تحديد موعد للانتخابات المبكّرة، والعمل على بلورة تيارات سياسية من الجيل الشبابي الذي كان فاعلا في ساحات التظاهر، ويكون قادرا على كسب تأييد الكثير من القطاعات الشعبية التي فقدت ثقتها بالديمقراطية وإصلاح النظام السياسي.

اقرأ للكاتب أيضا: تظاهرات العراق: حسابات الربح والخسارة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

المتظاهرون وأحزاب السلطة: معركة كسر الإرادات؟ D0D00FE2-3415-4086-BF31-876C415FA9BE.jpg AFP المتظاهرون-وأحزاب-السلطة-معركة-كسر-الإرادات الاحتجاجات لم تخرج من أجل إسقاط الحكومة فحسب، بل هي تهدف إلى إنهاء المنظومة السياسية القائمة على خدمة أحزابِ السلطة ومَن يتبعهم 2020-02-25 14:44:43 1 2020-02-25 14:49:43 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟