عباس يرفع خريطة الأراضي الفلسطينية وإسرائيل تظهر التغييرات التي طرأت على المناطق التابعة للجانبين. وقد رفض الفلسطينيون خطة السلام التي كشف عنها ترامب
عباس يرفع خريطة الأراضي الفلسطينية وإسرائيل تظهر التغييرات التي طرأت على المناطق التابعة للجانبين. وقد رفض الفلسطينيون خطة السلام التي كشف عنها ترامب

535502 4

ديفيد بولوك/

في ما بين إطلاق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام في 28 يناير والانتخابات الإسرائيلية في 2 مارس، تُظهر بيانات استطلاعية جديدة أنّ معظم الفلسطينيين يقولون الآن إنهم يفضّلون "استعادة كامل فلسطين التاريخية" على السلام الدائم مع إسرائيل. إلا أن الأغلبية في كل من الضفة الغربية وغزة يعربون عن آراء واقعية أكثر بكثير تعتبر أن حل الدولة الواحدة أو عودة اللاجئين أو النضال المسلّح ضد إسرائيل ليست حلولا عملية.

إن هذا التجاذب بين المواقف الشعبية المتناقضة على ما يبدو، القصيرة المدى المعتدلة نسبيا إنما الطويلة المدى المتطرفة، لا بد من أن يشكل أساسا لسياسة أكثر فعالية. وهي ستشدد على مكامن الانفتاح الحالي على التسوية والتعاون العملي، فيما تأخذ احتياطاتها من الإغراءات المستقبلية التي تدفع إلى العنف أو الوحدوية ـ وربما تخفف تدريجيا هذه الإغراءات.

ونظرا إلى هذه الآراء الفلسطينية المختلطة جدا، من المنطقي توقُّع أن الاندفاع المتسرّع نحو "حل الدولتيْن" قد لا يؤدي فعليا إلى السلام الدائم. وفي الوقت نفسه، إنّ ردع الخطوات الإسرائيلية الاستفزازية نحو ضم الأراضي سيخفف خطر ردة الفعل الشعبية العنيفة التي تُنذر بها نتائج هذا الاستطلاع.

ما زال القليلون يدعمون حل الدولتين: ما يثير السخرية هو أنه فيما ينسب البعض الرفض الفلسطيني لخطة ترامب إلى قيودها الجديدة على نموذج الدولتين التقليدي، يرفض معظم الفلسطينيين الآن ذلك النموذج أيضا. فبعد طلب اختيار "الأولوية الوطنية الفلسطينية الأساسية في خلال السنوات الخمس القادمة"، اختار ثلثا (66 في المئة) سكّان الضفة الغربية "استعادة الفلسطينيين لكامل فلسطين التاريخية"؛ ولم يختر سوى 14 في المئة "إنهاء احتلال الضفة الغربية وغزة، من أجل تحقيق حل الدولتيْن". وما يثير الدهشة هو أن الغزّاويين كانوا أكثر اعتدالا بقليل: فأراد 56 في المئة منهم كامل فلسطين، فيما اختار 31 في المئة منهم حل الدولتين.

تنعكس هذه التطلعات المتطرفة الطويلة المدى أيضا في الإجابات على الأسئلة الأخرى في الاستطلاع. فمثلا، عند طرح السؤال حول الخطوات التالية "إذا تمكّنت القيادة الفلسطينية من التفاوض بشأن حل الدولتين"، لا يقول سوى 26 في المئة من سكّان الضفة الغربية إنه "عليها إنهاء النزاع مع إسرائيل".

وفي غزة، يرتفع هذا الرقم ليبلغ 40 في المئة. ويقول حوالي 60 في المئة في كلا المنطقتيْن إنه "يجب ألا ينتهي النزاع، ويجب أن تستمر المقاومة حتى يتم تحرير كامل فلسطين التاريخية".

المصدر: معهد واشنطن
المصدر: معهد واشنطن

لكن لا تكثر الآراء الداعمة لحل الدولة الواحدة: في الوقت نفسه، على عكس المفهوم الخاطئ الشائع، لا تلقى فكرة الدولة الثنائية القومية، أو النضال المدني لتحقيق المساواة، دعما فلسطينيا شعبيا كبيرا. فلا يقول سوى حوالي 10 في المئة سواء في الضفة الغربية أو غزة إن أولويتهم هي "تحقيق حل الدولة الواحدة، حيث يتمتع العرب واليهود بالحقوق المتساوية في دولة واحدة من النهر إلى البحر". ويفضّل حوالي 10 في المئة فحسب في المنطقتيْن أن يصبحوا "مواطنين إسرائيليين، يتمتعون بحقوق ومسؤوليات متساوية"، بدلا من أن يصبحوا مواطنين في دولة فلسطينية.

بعض الواقعية الشعبية حول الخيارات العمليّة: تعكس هذه الآراء تقييما لعراقيل العالَم الواقعي أمام أي من هذيْن الهدفيْن السياسييْن الكبيريْن. فيوافق الثلثان في كلٍّ من الضفة الغربية وغزة على هذا التكهّن: "لن تقبل إسرائيل أبدا حل الدولة الواحدة الذي يعطي الفلسطينيين حقوقا متساوية، ولو أصبحوا يوما ما أغلبية واضحة".

ومع ذلك، من الناحية العملية، يقول ثلث سكّان الضفة الغربية إنه "من الأفضل لنا لو كنا جزءا من إسرائيل وليس من الأراضي التي تحكمها ’السلطة الفلسطينية‘ أو ’حماس‘". وترتفع هذه النسبة بين الغزّاويين بشكل ملحوظ لتبلغ 40 في المئة من السكّان المحليين.

الاستسلام بشأن كلٍّ من اللاجئين الفلسطينيين والمستوطِنين الإسرائيليين: في ما يخص إحدى المسائل ذات الصلة، يوافق 71 في المئة من سكّان الضفة الغربية، أقله نوعا ما، على هذا التوقع: "بغض النظر عمّا هو صحيح، الواقع هو أنّ معظم المستوطِنين الإسرائيليين سيبقون على الأرجح في مكانهم، ومعظم اللاجئين الفلسطينيين لن يعودوا إلى أراضي 1948".

وفي غزة، تنخفض هذه النسبة بشكل ملحوظ، لكنها تبقى أغلبية صغيرة تبلغ 52 في المئة. وعلى المستوى الشخصي، يقول مجرّد 5 في المئة سواء من سكّان غزة أو الضفة الغربية إنهم قد يذهبون في الحقيقة إلى إسرائيل "إذا توافر أمامك خيار الانتقال إلى موطن جيد بالقدر نفسه في إسرائيل، أو البقاء في فلسطين".

دعم محلي محدود للانتفاضة، لكنّ ضم الأراضي سيثير الغضب: بعد طلب الاختيار من بين عدة أنواع استجابة للمأزق الحالي، لم يختر سوى 22 في المئة من سكان الضفة الغربية "تصعيد المقاومة أو الانتفاضة ضد إسرائيل، ولو أنها تصعّب الأمور حاليا". لكن أدّى أحد الأسئلة المباشرة حول الاستجابات لضم إسرائيل المحتمل للأراضي إلى ردة فعل أقسى. فتوافق الأغلبية الصغيرة (56 في المئة) على أن "الفلسطينيين يجب أن يركّزوا على معارضة أي محاولات إسرائيلية جديدة لضم أي من أراضي الضفة الغربية، ولو بالقوة إذا لزم الأمر"، وتشمل هذه الأغلبية 25 في المئة من الذين يراودهم "بقوة" ذلك الشعور.

المصدر: معهد واشنطن
المصدر: معهد واشنطن

عامة الناس أكثر اعتدالا من "السلطة الفلسطينية" حول السجناء والتطبيع: في ما يخص المنافع التي تقدّمها "السلطة الفلسطينية" إلى الإرهابيين المحكوم عليهم في السجون الإسرائيلية، يختلف عامة الناس في الضفة الغربية بشكل لافت مع القادة السياسيين. فيوافق ثلثا سكّان الضفة الغربية الآن (68 في المئة)، وهي زيادة ملحوظة بالنسبة إلى السنوات الثلاث الماضية، أقله "نوعا ما"، على هذا الاقتراح: ""يجب أن توقِف "السلطة الفلسطينية" المدفوعات الخاصة إلى السجناء، وأن تمنح عائلاتهم منافع اجتماعية عادية كأي أحد آخر ـ وليس مدفوعات إضافية بناء على أحكامهم أو عملياتهم المسلَّحة".

المصدر: معهد واشنطن
المصدر: معهد واشنطن

على نحوٍ مماثل، يرفض عامة الناس في الضفة الغربية فعليا سياسة "السلطة الفلسطينية" الرسمية ضد "التطبيع" مع الإسرائيليين. ومجددا، يوافق ثلثا سكّان الضفة الغربية (67 في المئة)، أقله "نوعا ما"، على هذا التصريح: "يجب أن يشجّع الفلسطينيون الحوار والتواصل الشخصي المباشر مع الإسرائيليين، من أجل مساعدة معسكر السلام الإسرائيلي في تأييد حل عادلٍ". وترتفع هذه النسبة بين الغزاويين إلى القدر نفسه تقريبا لتبلغ 61 في المئة.

المصدر: معهد واشنطن
المصدر: معهد واشنطن

ملاحظة منهجية: أُخِذت هذه النتائج من استطلاع أجراه "المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي"، الذي يقع مقره في بيت ساحور في الضفة الغربية، وهو يشمل مقابلات أجريت وجها لوجه مع عينة تمثيلية ضمّت 500 مستطلع من الضفة الغربية و500 من غزة، في خلال الفترة الممتدة بين 23 يناير و11 فبراير 2020. وسمح هذا الاستطلاع، برعاية "معهد واشنطن"، للكاتب بالسفر إلى المنطقة من أجل الإشراف شخصيا على إطلاقه، والمساعدة على ضمان سرية المستطلَعين التامة والكفاءة التقنية وضوابط الجودة. ويبلغ هامش الخطأ للعينتيْن الفرعيتيْن المنفصلتيْن من الضفة الغربية وغزة حوالي 4 في المئة. ويمكن توفير تفاصيل منهجية إضافية عند الطلب.

ديفيد بولوك زميل أقدم في معهد واشنطن يركز على الحراك السياسي في بلدان الشرق الأوسط.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

الأغلبية الفلسطينية ترفض حلّ الدولتيْن، لكن تدعم التسويات التكتيكية AE4AB8EE-3654-4231-9145-2680121773A3.jpg AFP الأغلبية-الفلسطينية-ترفض-حلّ-الدولتيْن-لكن-تدعم-التسويات-التكتيكية الرئيس الفلسطيني محمود عباس 2020-02-26 16:31:39 1 2020-02-26 02:38:13 0

مسلسل "الاختيار"
أحد ملصقات مسلسل "الاختيار" نقلا من حساب الشركة المنتجة على موقع تويتر | Source: Twitter

لم يبكني عمل درامي كما أبكاني المسلسل المصري "الاختيار". بصراحة، لم أكن أتخيل أن ينجح بهذا الشكل الملفت.

تساءل موقع BBC عربي، هل مسلسل الاختيار "ملحمة وطنيه" جديدة أم "دراما موجهة"؟ تقييم أي عمل درامي من هذا المنظور ثنائي الاستقطاب ليس هو الأسلوب الأمثل من وجهة نظري. المنطلق الأفضل للتقييم، هو دراسة تأثير العمل سواء بالسلب أو الإيجاب على المجتمع.

تأثير مسلسل "الاختيار" على المجتمع المصري، وبدون أي جدال، كان إيجابيا، وهذا هو سر نجاحه.

تعودنا أن تلجأ الأعمال الدرامية المصرية إلى تمجيد شخصية الحاكم، كأفلام "ناصر ٥٦" و "أيام السادات"، أو تقدم معالجات درامية من خيال مؤلفيها، كغالبية الأفلام المنتجة عن حرب أكتوبر 1973. أما مسلسل "الاختيار" فقد اختلف تماما عما قبله لعدة أسباب:

أولا؛ لأنه اختار أن يسلط الضوء، على قائد ميداني في القوات المسلحة، بدلا من زعيم أو عضو بارز في المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية. سلط المسلسل الضوء على العقيد أحمد منسي، الذي يمثل بشخصيته ووطنيته ورجولته الآلاف من شباب مصر.

ثانيا، اعتماد المسلسل على وقائع وشهود عيان عن كل حادث إرهابي تناوله، مما زاد من مصداقية العمل.

ثالثا، مقارنة أحمد منسي، الذي دافع عن بلده في كمين البرث عام 2017، بضابط آخر ترك الجيش ليسلك طريق الإرهاب، وهو هشام عشماوي، مؤسس جماعة المرابطون، مما ساهم في توضيح الفكرة في ذهن المشاهد.

سلط المسلسل الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين

رسالة المسلسل، ببساطة، أن الإرهاب اختيار وهذا الاختيار هو خيانة للوطن، وأن معارضة الحاكم لا تبرر هذه الخيانة، التي لن تنجح مهما كانت الملابسات والنتائج.

هذه الرسالة مهمة وأساسية في المجتمع المصري، حيث فيه مصطلحات كالوطنية والخدمة العسكرية والدفاع عن الوطن من الغموض والارتباك على مدى عقود.

ومنذ مقتل الرئيس أنور السادات، تضاءل الاهتمام بالجيش المصري تدريجيا في وجدان البعض وخصوصا بين الأجيال الشابة، التي اعتبرته مرحلة مؤقتة من التجنيد الإجباري. ثم ازداد التسفيه والسخرية من الجيش بعد خلع الرئيس حسني مبارك، بحيث أصبحنا نسمع تهكمات مثل " جيش المكرونة"، التي تسخر من مصانع الجيش الغذائية. وتعبيرات مثل "عبيد البيادة" التي تصور زي القوات المسلحة كرمز للعبودية والولاء للحاكم وليس الولاء للوطن.

فجاء المسلسل ليرد الاعتبار للشباب المصري الذي يدافع عن الوطن من خلال خدمته في القوات المسلحة. المسلسل أيضا دحض ادعاء أن الجيش المصري يدفع فقط بالمجندين للخدمة في سيناء، وأثبت أن خيرة رجاله يحاربون هناك ويقتلون دفاعا عن هذا الجزء من تراب الوطن.

بالإضافة أن المسلسل سلط الضوء على تعقيدات الحرب على الإرهاب، التي لا تزال ملتبسة في أذهان العديد من المصريين.

فغالبية البيانات الرسمي للجيش والداخلية المصريين مقتضبة وقصيرة لأسباب أمنية، مما أتاح الفرصة للجماعات الإرهابية، لنشر العديد من المغالطات عن أداء الجيش المصري في سيناء. هذه المغالطات استغلها البعض لاتهام الجيش بالتقصير وعدم المقدرة على مواجهة "شوية عيال يلبسون شباشب".

فجاء المسلسل ليصور الواقع المعقد في سيناء والحدود الغربية مع ليبيا، وتحديات مواجهة الجماعات الإرهابية والأنفاق على الحدود مع قطاع غزة، والصلة المباشرة بين المهربين والإرهابيين.

من ناحية أخرى، انتقد البعض، وأنا منهم، جرعة التدين الزائدة في المسلسل، وكما غرد الكاتب إبراهيم عيسى: "محاربة الإرهابيين ليست بالمزايدة عليهم في التدين والتنافس معهم في التشدد، المعركة بين وطن وجماعات إرهابية. وليست أبدا معركة متدينين حلوين في مواجهة متدينين وحشين".

إلا أن المسلسل استطاع أن يتخطى هذا الجدل في مشهدين مهمين. المشهد الأول، حين قال أحد الإرهابيين (أبو سعد): "ده حتى الطواغيت بيصلوا ويصوموا" وهو اعتراف واضح أن الجماعات الإرهابية تحارب من أجل أهداف سياسية، وليست لنصرة الدين، كما تدعي. فحتى لو كان الجيش المصري كله من حفظة القرآن الكريم، فسيظل الإرهابيين ينظرون له كجيش "الطواغيت" لأن الجيش المصري لا يدين بالولاء لأمرائهم وخلفائهم المزعومين.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية

المشهد الثاني، حين استضاف المسلسل في حلقته الأخيرة عساكر أقباط (حكما بأسمائهم) ممن حاربوا الإرهابيين وكيف كانوا فريقا واحدا مع رفقائهم في السلاح المسلمين، حيث لا فرق بينهم وهم يحاربون سويا دفاعا عن الوطن، وبهذا أوضح أن الدين ليس هو المعيار الوحيد للوطنية، وأن الجيش المصري ليس جيشا طائفيا كما يحدث في بلاد أخرى في المنطقة.

أثار دفاع المسلسل عن ابن تيمية، وتصوير الجماعات التكفيرية على أنها أخرجت "أفكاره من سياقها التاريخي"، الكثير من الانتقادات اللاذعة. ولكن رب ضارة نافعة.

فقد حفز المسلسل كثيرون للبحث أكثر عن مفهوم الإصلاح الديني ومقارنة فكر ابن تيمية بأفكار آخرين مثل فرج فودة. بسبب مسلسل "الاختيار" أصبح التطرف الديني غير مقبول به مجتمعيا. حتى موقع الجزيرة، أجبر على حذف مقال يدافع عن هشام عشماوي.

يعتقد معارضو النظام المصري، سواء من إسلاميين أو ثوريين، أن تحقير الجيش المصري والتهكم على أدائه هو نوع من الوطنية. فجاء المسلسل ليضرب هذا المفهوم ضربة قاتلة ويعيد للشعب المصري ثقته بجيشه واحترامه لكل شاب يدافع عن بلده.

كما فكك المسلسل الكثير من الألغام الفكرية والاجتماعية التي زرعتها جماعات الإسلام السياسي في مصر، وضبط إيقاع المجتمع وأعاد ثقته بنفسه وبصلابة ووطنية أبنائه، في وقت تواجه فيه مصر الكثير من التحديات الداخلية والخارجية، ولهذا نجح نجاحا مدويا، رغم أنف الكارهين.