بسرعة ردت تركيا، وبشكل مذهل، على "المجزرة" الأسدية ـ الروسية التي استهدفت جنودها في إدلب السورية: قررت فتح ممراتها البحرية والبرية أمام اللاجئين السوريين للعبور الى أوروبا.

هذا الرد المذهل فاضح، فهو يكشف من جهة "مخاوف" أنقرة من حرب ترعى موسكو تفاصيلها الدقيقة، وهو يثبت، بما لا يقبل الشك، من جهة أخرى، "هشاشة" أوروبا في مواجهة الكوارث التي تتلاحق في حديقتها الخلفية.

والحرب الأسدية ـ الروسية على إدلب، ولو كانت ملأى بالأبعاد الاستراتيجية، إلا أن لها وجها إنسانيا أصبح ضاغطا جدا، في السياسة، على كل من تركيا والاتحاد الأوروبي، يتمثل في موضوع اللاجئين.

وتستضيف تركيا على أراضيها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف مليون لاجئ سوري فيما تسببت الحرب المندلعة في إدلب منذ ديسمبر الماضي بنزوح ما يناهز مليون سوري، يفترشون المناطق المحاذية لتركيا.

يقف الأوروبيون ضد دخول "حلف شمال الأطلسي" إلى جانب تركيا في موضوع إدلب

وكانت تركيا قد نشطت من أجل إقامة منطقة عازلة داخل الحدود السورية، مستفيدة من اتفاق سوتشي مع روسيا وإيران لضم إدلب إلى قائمة مناطق وقف التصعيد، من أجل نقل اللاجئين السوريين من أراضيها الى هذه المنطقة.

لكن الهجوم الأسدي ـ الروسي على إدلب، في ظل "شلل" أوروبي، أرجأ هذا المخطط الذي كان متفقا عليه مع بروكسل.

وسبق للاتحاد الأوروبي أن أبرم اتفاقا مع تركيا من أجل منع تدفق اللاجئين من معابرها إلى دول هذا الاتحاد التي بدأت، في ضوء، هذا التدفق تعاني مشاكل داخلية كبيرة، من نتائجها، صعود غير مسبوق لليمين المتطرف، وتقوية الطرف المتحمس للخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا.

ولكن لماذا استهدف الرد التركي الدول الأوروبية التي لا ناقة لها ولا جمل في "مجزرة الجنود" في إدلب؟

الأسباب كثيرة، فأنقرة تريد إفهام الأوروبيين، بالفعل المؤلم، أنهم جزء من المشكلة التي تواجهها في إدلب، وليسوا مجرد مراقبين، وتاليا لا يمكنهم أن ينتظروا أن تميل دفة الميزان، حتى يتخذوا ما يناسبهم من قرارات.

واكتفى الأوروبيون، بعدما أغلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، باب اجتماع رباعي يضمهما إلى روسيا وتركيا لمعالجة موضوع إدلب، في الخامس من مارس المقبل، (إكتفيا) بمقال وقعه 14 وزير خارجية أوروبي، يطالب بوقف التصعيد في إدلب لما له من نتائج إنسانية كارثية، ووجوب اعتماد طرق أخرى لمكافحة الإرهاب، والعودة إلى العملية السياسية في سوريا، ووجوب إحالة الجرائم التي استهدفت الإنسانية في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية.

ويقف الأوروبيون ضد دخول "حلف شمال الأطلسي" إلى جانب تركيا، وهي إحدى الدول الأعضاء، في موضوع إدلب، كما في أي موضوع آخر تهتم لشأنه تركيا "التي تنفرد في رسم ما يناسبها من مواجهات ومعارك، ومن ثم تستدعينا إلى مناصرتها" على ما سبق وقاله الرئيس الفرنسي ماكرون عن سياسات نظيره التركي.

جنوح إردوغان في السنوات الأخيرة صوب روسيا تسبب بفتور في العلاقات مع واشنطن

ولا يحرك الأوروبيون ساكنا تجاه مطلب تركيا بفرض حظر فوق إدلب، حيث تسيطر روسيا كليا على الأجواء، الأمر الذي يشكل غطاء لهجوم الجيش الأسدي، ويحرم الجيش التركي من سلاح الجو الضروري لحماية مواقعه العسكرية ومصالحه الاستراتيجية.

ويتخذ الأوروبيون مواقف مؤيدة للأكراد السوريين الذين تعتبرهم أنقرة إرهابيين، وهم، وعلى خلاف الوضع مع أنقرة في إدلب، تحركوا بفاعلية، حماية لأكراد سوريا في وجه مخططات تركية معادية.

وفي ليبيا، يتمحور الأوروبيون ضد التوجهات التركية وتدخلها العسكري الأخير.

وفي موضوع التنقيب عن الغاز في المياه الإقليمية التي تعتبرها أنقرة تابعة لقبرص التركية غير المعترف بها دوليا، بدأ الأوروبيون يفرضون عقوبات على المسؤولين الأتراك الذين يتولون مهمة التنقيب.

بناء على كل ذلك وغيره الكثير أيضا، وجد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان "ضالته الانتقامية" في أوروبا، ففتح، بوجهها، ما يمكن أن تعتبره "باب الجحيم"، أي تدفق المهاجرين إليها.

ولكن هذه الخطوة تؤشر، بالنتيجة، إلى ضعف استراتيجي في التطلعات التركية كما في واقعها، فسياسات إردوغان التي تراكمت في السنوات الأخيرة، نقلته من دولة "صفر مشاكل" إلى دولة "ألف مشكلة ومشكلة".

فعلى مستوى علاقاته مع الدول الكبرى، فهو كما اتضح، خسر الدعم الأميركي المطلق من دون أن يربح تحالفا مع روسيا.

إن جنوحه في السنوات الأخيرة صوب روسيا، وعقد صفقات تسلح استراتيجي معها، تسبب بفتور في العلاقات الاستراتيجية مع واشنطن.

ثمة من يعتقد بأنّ المجتمع الدولي لا يقيم أي اعتبار إلا لقوى الإزعاج

كما أن اهتمامه بإقامة تحالف مع إيران، في وقت كان يعمل بجهد على الاستفادة من بعض المواقع الجيو-سياسية لتنظيم "الإخوان المسلمين"، جعله "مشبوها" في عيون دول عربية مثل مصر ودول خليجية مثل المملكة العربية السعودية.

أمام هذه المعطيات، فإنّ ضعف تركيا أمام روسيا، في إدلب، وعدم استعداد أي دولة مؤثرة للدخول في مواجهة مع موسكو لمصلحة أنقرة، جعل إردوغان يلجأ إلى "سلاح الإزعاج" المتمثل بفتح بوابات العبور أمام مئات آلاف اللاجئين.

و"سلاح الإزعاج" هذا لا يمكن إشهاره إلا بوجه أوروبا، ولكن هل ينفع؟

ثمة من يعتقد بأنّ المجتمع الدولي لا يقيم أي اعتبار إلا لقوى الإزعاج. تحت هذا العنوان ترك المجتمع الدولي بشار الأسد وحاضنيه، يرتكبون، في سوريا، أكبر جريمة بحق الإنسانية، منذ الحرب العالمية الثانية، من دون أن يرف له جفن، بل يكتفي بتكتيب وزراء خارجيته مقالا، ويسارع إلى توفير ما يكفي من المياه لتغسل قياداته أياديها.

اقرأ للكاتب أيضا: "خمود" الثورة في لبنان و"صلابة" العرش

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

إردوغان ينتقم لـ"مجزرة إدلب" من أوروبا! 80B0D12A-4470-4E88-A1CA-011569233CBF.jpg AFP إردوغان-ينتقم-لـ-مجزرة-إدلب-من-أوروبا قررت تركيا فتح ممراتها البحرية والبرية أمام اللاجئين السوريين للعبور الى أوروبا 2020-02-28 14:28:38 1 2020-02-28 14:43:20 0

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.