في السنوات الأخيرة ظهرت كتابات كثيرة، تراوحت بين المقالات والدراسات والبحوث، تقترح أن أحد أفضل الحلول لمواجهة أفكار وعقائد التيارات الإسلامية المتطرفة والجهادية يكمن في تشجيع الإقبال على التصوف. وفيما يبدو أنه اكتشاف ثمين راحت بعض مراكز الأبحاث الغربية تبالغ في تقديم وصفات جذابة لما يمكن أن تقدمه المدرسة الصوفية من بدائل لعقائد التطرف.

لكن لم يتحدث أحد عن كيف يمكن أن يحدث ذلك بصورة عملية، وعما إذا كان ممكنا أن يحدث في الأساس، على افتراض أن المقاربة نفسها صحيحة.

مواجهة التطرف بالإصلاح

إن مواجهة أفكار التطرف الديني في البيئة الإسلامية ليست موضوعا جديدا، فقد كتب عنه الكثيرون وتحدثوا عن ضرورة الإصلاح، منذ ظهور الجماعات التكفيرية والمسلحة في مصر خلال السبعينيات وما تلاه من عقود. لكن غالبية الحكومات العربية، إما لعدم رغبتها أو عدم قدرتها، لم تأخذ ما قدم على محمل الجد. وباستثناء محاولات خجولة هنا وهناك، فقد بقي التعليم والإعلام والخطاب الديني العام، محتفظا بوظيفته في دورة التطرف وتهيئة المناخات الملائمة لانتشاره وترسيخه.

الصوفية هي من بين أكثر الإسهامات أهمية التي قدمها العرب والمسلمون للجنس البشري

ولم تنجح دعوات الإصلاح والضغوط التي مورست في هذا الاتجاه، في دفع أي حكومة عربية للنظر بشكل جدي في تغيير المناهج أو لجم الخطاب الديني المتطرف.

وجل المبادرات التي قامت بها مؤسسات دينية، مثل الأزهر وغيره، ظلت على مستوى القشور والتغيير اللفظي. فما دام التلميذ يدرس ويلقن، على سبيل المثال، بأن دينه هو الأفضل ويعلو على بقية الأديان الأخرى (وليس مجرد دين آخر أو مختلف) وأن قيمة الفرد مرتبطة بانتمائه الديني (وليس بمقدار نفعه لغيره من البشر والإنسانية)، فإن كل حديث عن إصلاح يتحول إلى محاولة للتمويه وسد الذرائع أمام المطالب الحقيقية.

التصوف تجربة فردية

إن التصوف، وهو اتجاه روحاني، لم يكن ذات يوم ممارسة جماهيرية على أي نطاق. صحيح أن الملايين من المسلمين والعرب عبر التاريخ كانوا ولا يزالون يجلون ويحترمون الرموز الصوفية ويعتزون بمكانتها، لكن عدد المتصوفة أو أتباع الطرق الصوفية من بين هؤلاء كان محدودا قياسا بعدد السكان في أية بقعة وجد فيها.

ولذلك أسباب مفهومة ومعروفة. فالتصوف ليس مذهبا دينيا، وأتباعه لا يسعون للتبشير به أو جلب أنصار جدد. ففي معظم الطرق الصوفية، يتعين على الشخص أو المريد الجديد أن يسعى بنفسه ويظهر الاستعداد اللازم للانضمام إلى الطريقة. ولكي يحقق شيئا ذا قيمة، عليه أن يبذل جهدا ويكرس وقتا لذلك.

والأمر الآخر هو أن التصوف والروحانية بشكل عام، تركز على التجربة الشخصية للإنسان في علاقته مع المقدس أو الإلهي، وهي تؤمن بأن لكل إنسان طريقه الخاص في هذا المجال. على عكس المدارس الدينية التي تكتفي بوجود تجربة واحدة وعلى الجميع اتباعها. وبهذا المعنى فإن التصوف هو تجربة فردية وليست جماعية.

ومن هنا كان يصعب على الدوام تحويل التصوف والمتصوفة إلى حركة جماهيرية.

والتصوف بما أنه حركة روحانية، فإنه يدعو أتباعه للتركيز على داخل الإنسان بدلا من خارجه، وأن على الإنسان أن يصلح نفسه أولا، قبل أن يتوجه إلى الآخرين. ولما كان إصلاح النفس يستلزم معرفتها في المقام الأول، فإن العملية برمتها تحتاج إلى وقت قد يستغرق عمر الإنسان نفسه.

لهذا يقل اهتمام المتصوفة عادة بالانشغالات العامة، ولا سيما الانخراط في السياسة، وإن كانوا يبدون رأيهم فيها إن طلب منهم ذلك.

صحيح أن بعض شيوخ الصوفية شاركوا مباشرة وقادوا حركات مقاومة الاستعمار والتدخل الخارجي، كما في بلاد المغرب العربي مثلا، إلا أن ذلك كان مرتبطا بظروف تلك البلاد، وقد فعلوا ذلك بصفتهم زعماء محليين وليس بصفتهم الصوفية.

الاتجاهات الروحانية

والحال أن مواجهة أفكار التطرف، ليست لغزا أو أحجية. والاستعانة بالتصوف هنا قد لا يكون أكثر من محاولة سياسية لإعفاء الحكومات من واجباتها، وفي الغالب هي لن تحقق شيئا كبيرا.

التصوف ليس مذهبا دينيا، وأتباعه لا يسعون للتبشير به أو جلب أنصار جدد

وهذا لا يتعارض مع الترحيب والاهتمام الذي حظي به التصوف في السنوات الماضية في بعض الدول العربية، فهو أمر جيد ويستحق الإشادة، وكان يجب أن يحدث منذ زمن بعيد. لكنه يفترض أن يكون في سياق تشجيع الانفتاح على المدارس الروحانية المختلفة في المنطقة والعالم، وليس في إطار توظيف التصوف لخدمة أغراض سياسية.

فالاتجاهات الروحانية اليوم أصبحت ترندا عالميا ولم تعد محصورة في بقاع جغرافية محددة. والناس تقبل عليها بحثا عن الجمال الروحي والسلام الداخلي والحاجة للتعايش بانسجام بين الإنسان ونفسه وبينه وبين العالم من حوله. هذا السلام الذي حولته الجماعات الجهادية والمتطرفة وتلك التي تستخدم الدين لأغراض سياسية إلى كابوس فعلي.

والإرث الصوفي يمكنه أن يساعد المسلمين، أكثر من غيرهم على ولوج الاتجاهات الروحانية الحديثة. فالصوفية، وخاصة في جانبها الشامل والإنساني، العابر للأديان والمذاهب والأعراق والثقافات، كما تتجلى في أقوال وكتابات وحياة الحلاج وأبي سعيد بن أبي الخير وجلال الدين الرومي وابن عربي وغيرهم، هي من بين أكثر الإسهامات أهمية التي قدمها العرب والمسلمون للجنس البشري.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟