535927 4

مصطفى فحص/

في أزمة البحث عن الذات والهوية، تعاني روسيا دائما من عقدة مكانتها، وهي أسيرة مكانها. فالإمبراطورية الدائمة المُحملة بأثقال التاريخ والجغرافيا والعقيدة، تدفع ضريبة هويتها المركبة وخصوصياتها الأوروآسيوية، غير المتوازنة ديمغرافيا وجغرافيا، حيث يقطن 70 في المئة من مجموع سكانها في جزئها الأوروبي فيما 70 في المئة من مساحتها تقع في قارة آسيا، ما شكل أزمة في تشكيل الهوية وتعريفها.

فروسيا السلافية الأرثوذكسية ترى في الغرب خصما عرقيا ودينيا، يمثل تهديدا دائما لمجالها الحيوي الأوروبي، في المقابل لا يمكنها الاستثمار في انتمائها شرقا، حيث تصطدم بجدارين الفضاء الإسلامي في جنوبها (آسيا الوسطى وشمال القوقاز) أما الثاني فهو حدودها الطويلة مع عملاق صيني صاعد، يستثمر في الفراغات الجغرافية الهائلة في مناطق الأورال وسيبيريا، وفي التراجع الديمغرافي العام خصوصا في تلك المناطق.

ومنع بوتين تبلور شخصية روسية لخلافته

تضاعفت عقدة المكانة والمكان في روسيا بعد هزيمة الحرب الباردة، وتفاقمت في معركة رد الاعتبار لحضورها العالمي، فاستعانت نخبتها السياسية والثقافية في النزعة القومية التي تشكلت كردة فعل على ما تعرضت له من إهمال وتهميش قلّص دورها أمام توسع أميركي ممنهج وصل إلى تخومها في أوكرانيا وجورجيا، وهو ما استخدمه الرئيس فلاديمير بوتين من أجل إعادة تعريف الهوية بفرعيها الوطني والقومي وربطهما بالجغرافيا.

فقد شكل صعود النزعة القومية الروسية وربطها ما بين المكون العقائدي والإثني والحيّز الجغرافي فرصة للنخبة الروسية الحاكمة لإعادة بناء الأمة الروسية والحفاظ على خصوصياتها التي شكلت عائقا دائما بوجه الأفكار الليبرالية والغريبة، وفي الدفاع عن منظومة القيم التي كانت أحد أبرز دعائم قيام الإمبراطورية في مرحلتها القيصرية وحتى السوفياتية، التي لم تتخل ضمنيا عن هويتها الاجتماعية السلافية كفاعل قومي مؤثر ضمن الهوية السوفياتية، وهنا يفسر مؤلف كتاب "ريح سوداء وثلج أبيض" شارل كلوفير الذي أقام في روسيا لسنوات "أن هذه الأفكار وجدت قبولا كبيرا لدى العسكريين ورجال الأمن الروس الذين وجدوا فيها طوق النجاة من التهميش الذي بدأ يلوح بالنسبة لهم في الأفق بعد نهاية فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي".

منذ وصولوه إلى السلطة تعامل فلاديمير بوتين بحذر مع عقدة الهوية المركبة، وعوض عنها في تعامله المدروس مع الطبيعة المكونة للفرد الروسي ورغبته بسلطة قوية، فنجح هنا في الربط ما بين قوتين الأولى قوة حكم الفرد المطلقة (القيصر) والثانية قوة الجغرافيا على قاعدة (الإمبراطورية)، فاستطاع القيصر الجديد تعويض التراجع القومي في التنمية والاقتصاد بدور المؤسسة الحاكمة والقائد الرمز الذي دغدغ مشاعر الأمة وأعاد الاعتبار لطموحاتها إلى أن توجته أبا لها دون منازع.

وسيا السلافية الأرثوذكسية ترى في الغرب خصما عرقيا ودينيا

في طريقه للحفاظ على موقعه الدائم المهيمن على الدولة والمجتمع، قام بوتين أكثر من مرة في إعادة الهندسة السياسية، وفرض توازنا مدروسا بين مراكز القوة، ومنع تبلور شخصية روسية لخلافته، فمنذ سنة 2000 وإلى 2024 تاريخ انتهاء الولاية الرئاسية، يواجه المجتمع الروسي أزمة في تشخيص الرجل الثاني أو الوريث للمرحلة البوتينية.

هذا الغياب أو التغييب المتعمد في الأسماء سهل أمام فلاديمير بوتين طرح تعديلاته الدستورية التي سيصوت عليها مطلع في 22 أبريل المقبل، وبموجبها سيتم توزيع الصلاحيات ما بين مؤسسة الرئاسة والسلطات التشريعية والتنفيذية، مع إعطاء دور أكبر لمجلس الدولة الذي من المتوقع أن يكون برئاسة بوتين، وعضوية رئيس الجمهورية المقبل (المحدود الصلاحيات)، تسمح لبوتين الاستمرار في الحكم المطلق باعتباره ضامنا لقوة الدولة ورمزا لهويتها.

وفي هذا الصدد يقول الكاتب في الشؤون الروسية سامر إلياس في مقال له بعنوان "تغييرات الدستور الروسي: حصانة أبدية لبوتين" يبدو "أن بوتين يسعى إلى تمرير دستور جديد يحدد هوية جديدة لنظام الحكم السياسي والاجتماعي والاقتصادي ولبلاده عالميا، باختيار شعارات تجمع شعارات روسيا القيصرية والسوفييتية في إناء واحد، لبناء دولة قومية دينية برأسمالية مشوهة يصعب حكمها إلا وفق النهج "البوتيني".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN)،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.