في الحديث عن الرواية، يتوقف البعض عند رشاقة اللغة، أو براعة التقاط قصة مختلفة وذكاء حبكتها، أو يبحث عن متعة السرد وتجلياته. في روايته الأخيرة "لم يصلّ عليهم أحد"، يجمع الروائي السوري خالد خليفة كل ما تقدم من عناصر رئيسة بمهارة وانسيابية، وبدون تكلف، ويضيف عليها أهم عناصر جوهر الإبداع، وهو الأثر العميق.

تغطي الرواية فترة زمنية تصل إلى أكثر من سبعين عاما، تمتد بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، مفسحة للزمن في المجال الروائي، وحسب ما يقتضيه الحدث، حرية التحرك نحو الأمام أو الخلف، تُمسح من خلال مرونته هذه، قرى وبلدات ومدن جغرافيا الشمال السوري من إسكندرون غربا، حتى مدينة ماردين في الشمال الشرقي، متوقفا مطولا بمدينة حلب، كحاضرة أبدية وأحد أبرز أبطال الرواية، وعابرا في محطات سريعة في البادية وبيروت وطرابلس ومعلولا وحوران في الجنوب السوري، وصولا إلى محطات مفصلية في كل من اسطنبول والبندقية الإيطالية.

يحيط خليفة بمعظم نساء روايته ويمنحهن اهتماما ملفتا، يرسم شخصياتهن بأمانة تاريخية

داخل هذه الشبكة من تقاطع الزمان والمكان، عاشت مئات الآلاف من الحيوات وماتت، أو قتلت، بينها أبطال الرواية وأسلافهم وأحفادهم، لن يترك الروائي للظلم البشري ومنطق القوي المنتصر، ولا لجبروت الطبيعة وكوارثها المتكررة أو غبارها، أن يقبضوا إلى الأبد على لعبة التاريخ وطي هذه الحيوات في عالم النسيان، وسيقترب برقة وحذر، وينقب عن آثارهم خشية تهشمها وتلاشيها، فينبش في طريقه هيكل ديناصور، وكنيسة أثرية، وجماجم وعظام ضحايا قضوا نتيجة لانتماءاتهم المختلفة، في منطقة تعتبر واحدة من أكثر مناطق العالم قدما وتنوعا وغنىً في تقاطعاتها الدينية والإثنية والعرقية والثقافية.

ضحايا لم يصلّ عليهم أحد، سيعاد الاعتبار إليهم وإنصافهم، عبر دفنهم إلى جانب مقبرة العشاق، والأبناء الأحباء، وغرقى الطوفان الذين ضاعت ملامحهم وهوياتهم الدينية، ويصلى عليهم صلاة "روائية"، يتورط القارئ فيها وجدانيا ويشاركها، راجيا السلام والراحة الأبدية لكل مظلوم أو بائس، والكثير من اللعنات على القتلة الكثر.

هويات متقاطعة، مشتهاة في كل زمان ومكان، ستشكل الثوب الخام النقي الذي سيرتديه فضاء الرواية ورؤيتها، يجسدها بطليه الرئيسين، حنا كريكورس، الطفل المسيحي ابن الثمانية أعوام، الناجي الوحيد من مجزرة ماردين، والذي ستربيه عائلة البيازيدي المسلمة مع ابنهم زكريا، وابنتهم سعاد.

سيعيش الثلاثة معا حياة ملهِمة في ثرائها وتفاصيلها، تغنيها المصاهرات العائلية، وقصص العشق التي لا تنتهي، والصداقات الأصيلة مع شخصيات كردية ويهودية وأرمنية، يتيح السرد لكل منها قصته الخاصة، المشبعة بثيمات الحب والكراهية والولادة والموت، وينحاز بشكل جلي ونبيل إلى البعد الأخلاقي المفترض للشخصيات المؤثرة، كما في حكاية عشق حنا وسعاد، والرباط الأبدي بين حنا وزكريا من جهة، وصداقتهما مع وليم وعازار من جهة أخرى، حيث لا مكان هنا للغدر أو تجاوز الخطوط العائلية المقدسة الحمراء، والشخصيات ذات القلوب السوداء، واللئيمة والحاقدة والمتشددة والظالمة ـ وإن حضرت ـ غير مرحب بها في هذه الملحمة الموشحة بالحب وتجلياته.

يفتتح خليفة روايته سنة 1907 بطوفان النهر في حوش حنا، الذي سيبتلع كل سكان القرية، وستلعب الشخصيات الناجية دور الشهود والضحايا الأحياء على هذه الكارثة التي ستشكل مفصلا تاريخيا في تحولاتهم جميعا.

كل ما سبق الطوفان ليس كما بعده، ورحلة القداسة التي سيتورط فيها حنا، ليست أكثر من خديعة روائية، وفي عمق النهر الروائي الكامن، سيكرم السرد بطليه الأثيرين، زكريا بصفته حصانا يعيش حياة جامحة ويهرم كحصان أصيل، فيما سيرة حنا، كمثل نهر الحياة بتجلياته، "النهر الهادئ الذي كان منظره فاتنا وبريئا"، ورأى حنا "حقيقته يجري دون مبالاة منذ آلاف السنين، لكنه قبل يومين ابتلع قرية كاملة". حنا الذي غيّر حياة الجميع من حوله، وانحاز في النهاية بفتنة ووفاء للغرق في مفهوم الحرية العميق، كما غرق سابقا في ذاته، يبحث عن معاني الوجود.

الرواية في توغلها الزمني، متكئة براحة مطلقة وانسجام سردي على حرية المخيلة، وعلى بعض "المصنفات السبعة التي كتبها حنا بين عامي 1918 ـ 1951، ووجدها خالد في منزل عائلته في العنابية، ضمن أوراق كثيرة كتبها جنيد خليفة أحد أخوة جده، أعاد كتابتها بأسلوبه، كما أعاد كتابة رواية الحب المستحيل بتصرف" كما يشير، تفتح ذاكرة الدمار الذي تسببه الزلزال الكبير في حلب، ومجاعة "السفر برلك" وأهوالها، والطاعون، ومجازر السريان والأرمن ومقابر جماعية لمجهولين.

كما تعبر برشاقة سردية أمام أحداث تاريخية هامة، مثل بداية نشوء الحركات الإسلامية المتشددة، وسقوط السلطنة العثمانية، وكفاح الأكراد من أجل دولة مستقلة، واتفاقية سايكس بيكو والانتداب الفرنسي والحربين العالميتين، وإعلان دولة إسرائيل، وزيارة الرئيس شكري القوتلي التاريخية لمدينة حلب.

الرواية في توغلها الزمني، متكئة براحة مطلقة وانسجام سردي على حرية المخيلة

أحداث مفصلية تسير في محاذاتها حياة اجتماعية وثقافية حافلة، تلقي الضوء على بدايات تحرر المرأة السورية، ونشوء الصحف والمطابع، ودخول السيارة والهاتف، وفن التصوير والسينما، وحركات الانفتاح التي تجسدت بالحفلات الموسيقية، وأول عرض أزياء بمستوى عالمي حدث في حلب، وقوبل بحرقه من المتشددين.

يحيط خليفة بمعظم نساء روايته ويمنحهن اهتماما ملفتا، يرسم شخصياتهن بأمانة تاريخية، صلبات ورقيقات، شديدات المراس، ضعيفات لكن مؤثرات، فاضلات وغير فاضلات، يطفحن بالأنوثة والجمال والحرية، والمقدرة على تغيير مصائر كل من حولهن، بالعلم أو الايمان تارة، والجمال والفساتين والمناديل ورائحة العطور في معظم الأوقات.

"لم يصل عليهم أحد"، الصادرة نهاية عام 2019 عن دار نوفل في بيروت، ورشحت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2020، ستوافق في نهايتها، على ما قالته سعاد من جملة تجسد خلاصة الحكمة بأن "كل ما حدث كان يجب أن يحدث كما حدث"، وستكتشف بأن طوفان الرواية الكبير امتد وغمرك بأثره العميق والنافذ في النفس.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.