أصايل السمراء فتاة مكة

في الأسبوع الماضي، فوجئت كغيري من المتابعين بقرار السلطات السعودية إيقاف المغنية السمراء أصايل البيشي وفريق عملها بتهمة "الإساءة إلى عادات وتقاليد أهالي مكة" بعد نشرها فيديو كليب لأغنية حملت عنوان "بنت مكة" تغنت فيها بجمال "المكّاويّات" وخصالهن الحميدة وحثت الراغبين في الزواج بالاقتران بهن.

كما أدهشني أمر إحالتهم للتحقيق تمهيدا لتطبيق العقوبات بحقهم بدعوى أن الأغنية وما تضمنته من رقصات "تتنافى مع هوية وتقاليد" أبناء مكة. وبحسب الحساب الإخباري الرسمي لإمارة منطقة مكة على حسابه على موقع "تويتر"، فإن أمير مكة خالد الفيصل هو من أصدر قراري الإيقاف والإحالة.

ولم يكتف حساب الإمارة بنشر الخبر فحسب بل مهره بهاشتاغ "لستن بنات مكة" المليء بالتغريدات المسيئة والعنصرية التي طالت المغنية وفريقها والسعوديين السود بشكل عام.

ونقلا عن حساب آية البيشي شقيقة أصايل، فإن الفنانة وفريقها قد يعاقبون بالسجن لمدة لا تزيد عن خمس سنوات وغرامة لا تزيد عن ثلاثة ملايين ريال في حال إدانتهم وفقا للمادة السادسة من نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية التي تجرم "إنتاج ما من شأنه المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة، أو حرمة الحياة الخاصة أو إعداده أو إرساله أو تخزينه عن طريق الشبكة المعلوماتية أو أحد أجهزة الحاسب الآلي".

قرار الأمير خالد الفيصل كشف عن مدى الوعي والانفتاح لدى قطاع كبير من أبناء المجتمع السعودي

أثار ذلك القرار الغريب والمجحف الكثير من الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي كما أجج الصراع المحتدم منذ سنوات بشأن هوية الحجاز بين أبناء القبائل الحجازية وأبناء المهاجرين الذين وفد أجدادهم من مختلف أصقاع العالم واستقروا في الحجاز منذ عشرات السنين.

ومصدر الغرابة في القرار أنه يتجاهل حالات مماثلة كأغنية "مكة حقنا" التي تغنى فيها الشاب محمد قاضي بمعالم مكة وخصوصيتها الدينية وعادات أهلها والأكلات الشعبية والتنوع الثقافي والعرقي فيها ورقصة المزمار التي يشتهر أبناء مكة بتأديتها في المناسبات المختلفة.

وبعكس ما جرى مع الفنانة أصايل، فقد احتفت وسائل الإعلام السعودية بأغنية "مكة حقنا" فاستضافت قناة "العربية" محمد قاضي على شاشتها وعرضت إجزاء من الأغنية الأمر الذي يكشف عن ازدواجية في المعايير لدى المسؤولين ويثبت تحاملهم على أغنية "بنت مكة".

وبالنظر إلى حجج التيار المؤيد للقرار يلاحظ أن اعتراضهم يتمحور حول الرقصات التي تضمنها الفيديو نسبة لكونها أفريقية المصدر، إلا أن ذلك لا يرقى بأي حال من الأحوال إلى مرتبة الجرم فليس فيها أي نوع من الإساءة لعادات وتقاليد أهل مكة كما لا يبرر موجة التعليقات العنصرية التي طالت السود في السعودية.

قرار الأمير خالد الفيصل، وإن أظهر النعرات العنصرية ضد السود وغيرهم في السعودية، إلا أنه أيضا كشف عن مدى الوعي والانفتاح لدى قطاع كبير من أبناء المجتمع السعودي الذين عبروا "ضمنا" عن معارضتهم للقرار وامتعاضهم من الكم الهائل من التغريدات المسيئة والجهل الذي أظهره البعض فيما يتعلق بتاريخ السعوديين من أصول أفريقية.

وردا على هاشتاغ "لستن بنات مكة" أطلق معارضو القرار هاشتاغ "بنت مكة تمثلني" عبروا فيه عن وقوفهم إلى جانب الفنانة أصايل وفرقتها كما انتقد عدد من الكتاب والنشطاء من الجنسين التعليقات العنصرية في تغريدات مطولة وتدوينات ومقالات وفيديوهات ولقاءات تلفزيونية.

فعلى سبيل المثال، كتبت الناشطة نوال الهوساوي سلسلة تغريدات بدأتها بكلمات الأغنية ثم تساءلت عن دوافع من تهجموا على أصايل وفريقها قائلة: "هل هي العنصرية المقيتة والمناطقية النتنة حيث تبرر ردة الفعل بأصل الفاعل لا ما فعل. لماذا كل هذا الاحتقار لأصايل والتهجم عليها وهي سعودية بيشية كما تعرف عن نفسها؟ هل بسبب لون بشرتها أم بسبب اسمها في انستغرام الذي يوحي بانتمائها لمنطقة عسير في الجنوب؟ لماذا كل هذا الهجوم عليها؟".

كما انتقدت نوال صمت المثقفين السعوديين وعدم انتقادهم للتغريدات العنصرية بحق السود في السعودية واختتمت تغريداتها بالتأكيد على أن "مكة ليست الفاتيكان. مكة مكان عبادة لا غير بل هي أرض سعودية ولها سكان وتاريخ وحضارة قبل وبعد الرسالة المحمدية رغم مكانتها الدينية هويتها وثقافتها جزء من الهوية والثقافة السعودية. نحن شعب غني بتنوعه من يرقص على نار العنصرية اليوم سيحترق بها غدا لأن الكراهية لا وفاء لها وكما تدين تدان".

ونشرت الإعلامية السعودية ميساء العمودي تدوينة بعنوان "'بنت مكة' أدرى بشعابها" شبهت فيه الجدل الذي أثارته أغنية "بنت مكة" برواية "بنت الرياض" التي صدرت في عام 2005 واتُهمت كاتبتها رجاء الصانع حينها بالإساءة إلى بنات الرياض.

وردت ميساء على من شككوا في هوية أصايل وعلى المعترضين على انتمائها لمكة قائلة: "من قال إن أصايل لا تشبه بنات مكة، ولا تمثل نفسها كابنة من بنات مكة، حتى وإن ثبت كما يشاع اليوم أنها لا تحمل الجنسية السعودية؟ من قال لكم إن مكة جنسية أو أن بإمكان أحد ما أن يغير من ملامح هويتها التي تراكمت عبر قرون؟".

من جانبه دعا الكاتب عبد السلام الوايل إلى الفخر بكليب "بنت مكة" في مقال بعنوان "بنات مكة: لماذا يتوجب علينا الفخر بالكليب؟" تطرق فيه إلى الجدل بين الحجازين بشأن أحقية تمثيل الهوية الثقافية للحجاز واعتبر تعدد الثقافات في المنطقة "منحة ربانية تبرز الغنى الثقافي والروحي الفريد".

وشدد الوايل في نهاية مقاله على أن "الفتاة السمراء في كليب "بنات مكة" تقول للعالم: إني أعبر عن بنات إحدى المدن السعودية. ليس عن كل بنات تلك المدينة. بل عن بعضهن. عن إثنية محددة داخل التنوع الإثني الهائل في تلك المدينة. ليس عن نمط حياة سائر بنات المدينة. بل عن نمط بنات بعض مجموعاتها، من ضمن أنماط عديدة سُمح لها بالبقاء والازدهار والتعبير عن نفسها".

يا أصايل أنت "بنت مكة" رغم أنف الحاقدين ولو كره العنصريون

أما الكاتب خالد العثمان فقد اعتبر في معرض اعتراضه الضمني على قرار إيقاف الكاتبة بأن العنصريين هم من يستحقون التجريم والعقوبة وأشار إلى أن الأغنية "أخرجت ما في نفوس الكثيرين من رواسب العنصرية البغيضة".

وذكر العثمان في لقائه على قناة "روتانا" بأنه لم يجد في الأغنية ما يسيء إلى قدسية مكة وأشار إلى أن المغنية تناولت الموضوع من زاوية مكانية وليست دينية وأنها كانت "تعرض انتماءها إلى للمكان الذي يسمى مكة.. وهذا لا يعني بأن هناك تعريض بقدسية المكان".

إن تلك التغريدات والمقالات والمداخلات ما هي إلا غيض من فيض من آلاف المشاركات لمواطنين دفعهم حبهم لأوطانهم إلى معارضة القرار والتصدي للتعليقات المسيئة ولسان حالهم يقول بصوت واحد: يا أصايل أنت "بنت مكة" رغم أنف الحاقدين ولو كره العنصريون.

اقرأ للكاتب أيضا: هنيئا للمتحررات من الحجاب

 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.