رفض "حزب الله"، حتى الآن، تدخل صندوق النقد الدولي حفاظا على السيادة كما يقول، على الأقل في خطابه العلني. هنا من الضروري الإشارة إلى أن الدول لم تعد تملك سيادتها المطلقة، في عالم جديد أصبحت فيه المنظمات والعمالقة الرقميين أقوى من الدولة الوطنية. إضافة إلى مفهوم "حق التدخّل"، الذي يبيح للمجتمع الدولي انتهاك سيادة دولة ما، لا تحترم حقوق مواطنيها بهدف تقديم المساعدات الإنسانيّة لهم. 

نحن أمام تحوّل السيادة كسلطة إلى السيادة كمسؤوليّة؛ أي مسؤولية الدولة في حماية مواطنيها وتأمين رفاهيتهم، ومسؤوليّة المجتمع الدولي في ذلك. وهذا في العصر الرقمي الذي أفقد الحكام السيطرة على المعرفة وتلاعبهم بالعقول. حل القانون والاقتصاد محل السيادة والهوية.

لكن السيادة عند "حزب الله" استنسابية. فوزير الصحة التابع له، وبعد انتقال فيروس كورونا من إيران إلى لبنان، رفض في البداية ثم تلكأ في إيقاف الرحلات من طهران، مرة بذريعة البعد السياسي، ومرة لأنه ينتظر طلب منظمة الصحة العالمية ذلك. هذا يعد تخليا موصوفا عن قرار سيادي من صلاحية الحكومات وحدها. وإذا كانت الحكومة لا تجرؤ على هكذا قرار فعن أي سيادة نتحدث؟

لا شك أن اللجوء إلى صندوق النقد سيكون صعبا على اللبنانيين، لكن ما ينتظرهم بدونه سيكون أصعب

أما رفض صندوق النقد الدولي بذريعة رفض التدويل، فهو أيضا موقف استنسابي ومناسباتي ـ مع الإشارة هنا إلى أن ممثلين عن الحكومة التي تولّى الحزب هندسة تأليفها، التقوا بممثلين عن صندوق النقد، وهو ما يشير إلى ازدواجية في خطاب الحزب، كون الحكومة لا يمكن لها أن تقوم بخطوة كهذه دون موافقة "حزب الله. فبعد أن عارض المحكمة الدولية الخاصة بلبنان نجد أن نصرالله في خطابه الأخير يريد أن يقدم محامون إلى تحضير ملفات قانونية ورفع دعاوى أمام القضاء الدولي "عن مسؤولية أميركا في منطقتنا كي يلاحق ترامب ورامسفيلد وبومبيو واسبر". وهكذا فالتدويل والسيادة عنده انتقائيان يختارهما عندما يتلاءمان مع مصالحه الخاصة.

لكننا الآن أمام عجز مالي deficit بسبب جميع السياسات الماضية التي بددت فيها الدولة 250 مليار دولار وراكمت دينا عاما يصل إلى ـ وربما يتجاوز ـ 100 مليار دولار.

هذا الواقع يفرض علينا مواجهة الأسئلة التالية:

ـ هل بإمكاننا السيطرة على الوضع الذي وصلنا اليه اعتمادا على مواردنا الخاصة دون مساعدة خارجية يقدرها البعض ما بين 20 ـ 25 مليار دولار؟

معظم الاقتصاديين يقدر أن الأمر غير ممكن.

ما العمل إذا وأمامنا مقاربتان؟

مقاربة "حزب الله" الذي يرفض التدويل أو تدخل صندوق النقد الدولي سوى "استشاريا". مقابل تنفيذ خيار المجموعة الدولية، أي القيام بالإصلاحات اللازمة وتطبيق وصفة صندوق النقد للحصول على المساعدة المالية التي ستمكن لبنان من البقاء في إطار الشرعية الدولية للخروج من وضعية الانهيار المفتوح بلا سقف أو قعر.

فالمجموعة الدولية تشترط، للمساعدة، تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي، ومنها القراران 1701 و1559 اللذان ينصان على ضرورة حصرية السلاح في يد الدولة، إضافة إلى احترام اتفاق الطائف وإعلان الحياد في النزاعات الإقليمية.

إن خروج لبنان عن إطار الشرعية الدولية يهدد بقاؤه كبلد. فلبنان كدولة صغيرة محاطة بدول إما عدوة أو غير صديقة، وفي زمن لم تعد تنطبق فيه تنبؤات ألكسيس دو توكفيل في أن مصير الأمم الصغيرة الالتحاق بأمم أكبر منها، لأن الأمم الصغيرة تكون قادرة على البقاء إذا ما توفرت لها الحماية اللازمة من النظام الدولي.

لذا من مصلحة لبنان العليا هي البقاء في إطار الشرعية الدولية، لكن ذلك بالطبع يتناقض مع مصلحة "حزب الله" الكامنة في الخروج عليها والالتحاق بمحور "المقاومة والممانعة".

من هنا نفهم أن التهويل على الرأي العام اللبناني من فقدان السيادة جراء اللجوء إلى صندوق النقد، هدفه الوقوف في وجه استعادة الدولة لحقوقها الشرعية ولسيادتها الكاملة. هذا في الوقت الذي يتهكم فيه على اللبنانيين: ابنوا دولتكم قبل أن تطالبوا بوضع سلاحي بإمرة الشرعية.

بالمقابل، ماذا يعرض علينا "حزب الله"؟ عدا عن الاقتصاد المقاوم الذي، كما تفهمه إيران، والاعتماد على الصيام؟

يعرض سياسة التمدد الإقليمي و"المقاومة" لتحرير مزارع شبعا وصولا إلى القدس. الأمر المستبعد الآن بحسب تصريح الجنرال الإيراني حسين سلامي. إذن هو يعرض "ستاتيكو" أي تجميد الوضع بانتظار الانتخابات الأميركية "لنبني على الشيء مقتضاه" على ما يرددون. فالحزب يعتبر أن ما يعيشه لبنان هو مؤامرة سياسية وليس أزمة اقتصادية ومالية فقط، تدفع به نحو مسار معين يسمح بالتدويل لتحد من نفوذه.

أما الحل بالنسبة له، فموجود وممكن. وفي حال اجتمعت القوى السياسية على اتخاذ قرار بحل سريع وجدي لملف واحد فقط، على سبيل المثال ملف الكهرباء، لاستطاعت السلطة استعادة ثقة الشارع ومن بعده المجتمع الدولي، ولعادت الدماء إلى الشرايين.

لكن هل تتعلق المسألة بملف الكهرباء وحده أو بإجراءات تقنية أخرى الآن بعد وقوع الواقعة؟

أقل المطلوب حاليا، إصلاحات بنيوية من أجل استعادة الإنتاجية والمنافسة وتوفير وسائل للإنتاج. وهذا لا يمكن أن يحصل دون الحوكمة والخضوع للدستور وتطبيق القوانين واحترام قرارات الشرعية الدولية.

ما الذي يقدمه صندوق النقد؟

تنقل الصحف أن وفد صندوق النقد الدولي أتى إلى لبنان كمستمع. وأكدت مصادر معنية للـ”MTV” بأن الوفد خرج بأكثر من اجتماع بانطباع سيئ حول كيفية تعاطي المسؤولين مع الأزمة، إذ تفاجأ أن المسؤولين اللبنانيين لا يملكون خطة واضحة أو أرقاما فعلية لإنقاذ البلد من الأزمة الاقتصادية التي يمر بها.

وأوضح أحد المشاركين في الاجتماعات مع وفد الصندوق بأنه "لم يلمس من المسؤولين اللبنانيين أي جدية بالتعاطي مع الأزمة التي يمر بها لبنان"، موضحا أن الوفد غادر البلاد مستاء".

وكان يان كوبيتش، المنسق العام للأمم المتحدة، قد أطلق مجموعة تغريدات لافتة على حسابه عبر "تويتر" دعا فيها إلى "التشريع بشفافية"، كما حثّ صندوق النقد الدولي على "توفير المشورة والمساعدة للحكومة عندما تقوم بتحضير سلسلة من الإجراءات والإصلاحات القاسية المطلوبة من أجل البدء بانتقال لبنان من الأزمة الوجودية إلى التنمية المستدامة، ولكن بطريقة مسؤولة اجتماعيا".

ومن المعلوم أن صندوق النقد وحده لا يكفي، [صندوق النقد الدولي وسيلة لتحريك الأصول التي نحتاجها]. المطلوب برنامج حكومي جيد، أي ما يعرف بالحوكمة: شفافية، مراقبة ومحاسبة. أمنت الثورة المراقبة. لكن ماذا عن الباقي؟

فهل يمكن للحكومة الحالية أن تقوم بما يُطلب منها وأخذ لبنان إلى الحياد وعدم جعله منصة للمحور الممانع الذي تقوده إيران وينفذه "حزب الله"؟

هل تقبل تدخل الصندوق الذي سيكشف خبايا المال والمصارف والإدارات منذ سنوات. وهي فضائح تطال غالبية الطبقة الحاكمة.

هل تملك الحكومة القدرة على الرفض؟ وهو ما يعني أن تسقط الطبقة السياسية من دون الصندوق، ومعها البلد بأكمله.

هل البديل أن يسقطهم صندوق النقد وحدهم؟

لماذا يشعرون بالتهديد من الصندوق النقد؟

لأن تطبيق وصفته تهدد السوق الموازية، لذا يعارضها القيمون على "الاقتصاد الموازي" المهيمن على السوق دون رادع والمحمي من أشخاص فوق القانون. خطة الصندوق تنعكس عليهم سلبا لصالح اقتصاد الدولة الشرعي وخزينتها. المتضرر هنا سيكون الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية التي تستغل أموال الخزينة لتمويل الحياة الحزبية في لبنان من خلال الصفقات والسمسرات والتوظيفات والهدر وغيرها.

لكن المتضرر الأكبر سيكون "حزب الله"، لأنه تحت شعار "المقاومة" سيطر على المعابر البرية والبحرية والجوية، وضبطها سيفقده القدرة على التهريب العسكري والتجاري مما يحول دون استكمال مشروعه العسكري في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرها من الدول التي يتدخل فيها. وهذا سيحاصره ويجفف مصادر تمويله وعائداته التي يوظفها لتشغيل ماكينته الإدارية والإعلامية والعسكرية.

أي هوية نريد للبنان؟ ماذا نريد لاقتصاده؟

تلخص مقولة النائب جميل السيد ما الذي أوصلنا الى هذا المستوى من الانهيار: "لكم الفساد ولنا السلاح". إن حماية هذا السلاح وتهريبه عبر الحدود البرية والإعفاءات من الضريبة بذريعة "المقاومة" شكلت الغطاء لتغذية السوق الموازية التي تشكل 30 في المئة من الاقتصاد اللبناني على أقل تقدير وهو يتوسع باستمرار.

وهذا لا يهدد الخزينة فقط بل ينعكس على الاقتصاد ويهدد هوية لبنان المبنية على الاقتصاد الحر والمبادرة الفردية والتبادل الحر والقطاع الخاص.

لذا تشكل دعوة "حزب الله" اللبنانيين لمواجهة أميركا ومقاطعة بضائعها تناقضا سافرا مع طبيعة الاقتصاد اللبناني وبالتالي نمط عيش الأكثرية الساحقة من اللبنانيين. إضافة الى التوجه السياسي التقليدي للبنان المحايد والمنفتح على المحيطين العربي والغربي.

وعليه فإنّ هذا التناقض هو تناقض سياسي مصيري وأساسي يتشابك مع الأزمة المالية والاقتصادية الراهنة، بحيث يصعب تصور حلّ جذري لهذه الأزمة خارج معالجة هذا التناقض. لذا لا يمكن للمعالجة أن تكون تقنية بحتة، طالما المشكلة الأساسية هي استعصاء المواءمة بين النموذج السياسي ـ الاقتصادي التاريخي في لبنان وبين التموضع السياسي للبنان في خريطة الصراعات الإقليمية والدولية في ظلّ سيطرة "حزب الله" على الفضاء السياسي والأمني والاقتصادي في البلد.

يصبح السؤال هنا: أي هوية نريد للبنان؟ ماذا نريد لاقتصاده؟ وفي ظل إغلاق أكثر من 800 مؤسسة خاصة أبوابها حتى الآن، يزداد اعتماد الاقتصاد على القطاع العام. فيزداد تفاقم المشكلة ما يحولنا إلى اقتصاد ريعي (قطاع حكومي متضخم) معادٍ للقطاع الخاص.

الحل لا يكون بتدابير مجزأة ومتفرقة. ولا يجب تحميله للفقراء، فهناك لا مساواة كبيرة جدا، ربما من الأعلى في العالم.

إن إعادة توزيع الثورة سهل لكن من سيتحمل الخسارة؟ أول من عليه تحملها من وصل إلى الثروة بدون وجه حق. ومن الخطوات الأساسية والضرورية اعتماد الضريبة التصاعدية.

المطلوب حاليا، إصلاحات بنيوية من أجل استعادة الإنتاجية والمنافسة وتوفير وسائل للإنتاج

نحن الآن أمام أسئلة مصيرية من نوع:

هل نريد الخروج من الأزمة واستعادة عافية الاقتصاد؟

هل يمكن ذلك دون التمويل الخارجي المشروط؟

هل يعني هذا انتظار نتائج الانتخابات الأميركية؟

أم سننتظر تبلور الوضع السوري؟ والدخول في إعادة الإعمار؟ أم تحرير شبعا أو القدس؟

وإلى متى سيحتمل الوضع الاقتصادي؟ ناهيك عن الأمن الاجتماعي في وقت تتزايد فيه السرقات باطراد؟

وإذا اقتنع "حزب الله" بضرورة القيام بشيء ما لا يناسب إيران، هل سيتمكن من اتخاذ قرار لبناني مستقل؟ ألم تعلمنا زيارة لاريجاني أن إيران غير معنية بمصلحة لبنان ولا بإرادة نصرالله في لملمة الوضع. ألم تلغ الزيارة مضمون خطاب نصرالله الذي نفى فيه سيطرة حزبه على قرار حكومة لبنان ورغبته بعدم معاداة العرب؟

لا شك أن اللجوء إلى صندوق النقد سيكون صعبا على اللبنانيين، لكن ما ينتظرهم بدونه سيكون أصعب.

لذا من الأفضل للثورة، أن يكون الإصلاح تحت رعاية الشرعية الدولية حفاظا على الدولة اللبنانية ووجودها. فصندوق النقد لا يتفاهم مع أحزاب بل يأتي بالتكامل مع الشرعية الوطنية.

اقرأ للكاتبة أيضا: الآن.. يطالب "حزب الله" بالإجماع اللبناني!

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

"حزب الله" ولبنان والسيادة وصندوق النقد الدولي 49729C0E-33A7-4AF8-868E-FF93446FC356.jpg Reuters حزب-الله-ولبنان-والسيادة-وصندوق-النقد-الدولي نجلاء الحارس، من مؤسسي جريدة "17 تشرين" التي صدرت عقب انتفاضة 17 تشرين لتنطق باسم المنتفضين 2020-03-01 01:43:15 1 2020-02-28 20:12:37 0

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.