535898 4

عريب الرنتاوي/

يجادل خبراء ومختصون منذ عدة سنوات، بنهاية عصر "الإسلام السياسي"، مستندين في ذلك إلى شواهد من بينها:

1 ـ الأثر المُنفّر الذي أحدثه صعود "داعش" و"النصرة" في السنوات العشر الأخيرة على الرأي العام العربي بعامة وليس في الدول التي ضربها "زلزال الإرهاب" بقوة مثل سوريا والعراق فقط... 

2 ـ إخفاق عدد من تجارب الإسلام السياسي في الحكم (السودان، مصر على قصر التجربة، "حماس" في قطاع غزة، وأخيرا تجربة الإسلام السياسي طبعته الشيعية في كل من إيران والعراق وبدرجة أقل في تونس والمغرب)... 

3 ـ التحولات المثيرة للقلق والنفور التي آلت إليها تجربة الإسلام السياسي التركي، والتي راهن كثيرون على قدرتها على "تكييف" الإسلام مع قيم العصر وقواعد الديمقراطية ومبادئ حقوق الانسان، إذ انتقل من نموذج جاذب لكثير من الحركات السياسية والفكرية الإسلامية وغير الإسلامية، إلى مصدر قلق من "النزعات العثمانية التوسعية" في الخارج، وعودة الأوتوقراطية و"حكم الفرد" في الداخل... 

"النموذج التركي" الذي بدأ جاذبا لإسلاميين وعلمانيين كثر، لم يعد له من يؤيده سوى التيارات الإخوانية

4 ـ الانتهازية السياسية التي طبعت تجربة وممارسة كثير من هذه الحركات، في الحكم وخارجه، وتقلبات مواقفها وتحالفاتها، وتعدد انتقالاتها من خندق إلى خندق، وتفشي مظاهر الفساد في بعض أوساطها، أسقط عنها لبوس "التقوى"، وأزاح من فوق رؤوس قادتها "هالة القداسة"...

5 ـ عجز معظم إن لم نقل جميع هذه الحركات، عن تقديم رؤى ونماذج اقتصادية واجتماعية للحكم، بديلا عن أنظمة الجنرالات والسلالات، وانكشاف هزال خبراتها في إدارة الدولة والمجتمع، وضعف نفوذها في أوساط النخب الفكرية والثقافية والعلمية الحديثة، واعتمادها على "جيوش" من الوعاظ والمرشدين و"العلماء" الذين لا يعرف أحدا، كيف اكتسبوا هذه الصفة "العلمائية" ومن أين جاءوا بها...

6 ـ ضعف قدرة هذه الأحزاب والحركات على إدارة شبكة العلاقات الدولية المعقدة لدولهم وبلدانهم، وضمان مصالحها في عالم شديد التعقيد، سريع التغير والتبدل.

والحقيقة أن أية قراءة معمقة في تجارب حكم الإسلاميين في المنطقة، على اختلاف مدارسهم، تفضي إلى خلاصة مفادها، أن هذه الحركات، السنيّة منها بخاصة، بلغت ذروة صعودها في السنوات الخمس الأولى التي أعقبت اندلاع ثورات الربيع العربي وانتفاضاته، وهي منذ ذلك التاريخ، تشهد هبوطا في نفوذها وصدقيتها وقدرتها على حشد الرأي العام وقيادته.

ولنبدأ بتركيا، التي تحولت إلى قِبلة ومحج لمختلف حركات الإسلام السياسي السنيّة، وكانت موضع رهان الباحثين والدارسين في الشرق والغرب، حول "صلاحية" هذه الطبعة من الإسلام السياسي في استحداث "التزاوج الضروري" أو "المصالحة التاريخية" بين ثنائيات شرخت الفكر السياسي العربي: "الإسلام والعلمانية"، "الإسلام والديمقراطية"، "الإسلام والقومية"...

لقد استبطنت التجربة في بداياتها إرهاصات "نقلة نوعية" في فكر وتجربة السياسي الإسلامي، بيد أن التحولات التي صاحبت صعود "ظاهرة الإردوغانية" تزامنا مع بدايات الربيع العربي، وتحديدا في سوريا، والنجاحات التي حققها حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب إردوغان، في اختراق وتحكيم قلاع "العلمانية الأتاتوركية" الواحدة تلو الأخرى: المدرسة، الجامعة، القضاء، الإعلام، الجيش والرئاسة، برهنت بما لا يدع مجالا للشك، بأن طريق الإسلاميين نحو الديمقراطية، ليس ذو اتجاه واحد، وأن فرص انتكاستهم لشكل من أشكال الأوتوقراطية أو حتى الشمولية (توتاليتارية) تبدو أكبر بكثير من حظوظ استمرارهم على طريق التحول الديمقراطي، لا سيما بغياب قوى وازنة، في الدولة أو المجتمع، قادرة على كبح جماح انتكاساتهم وتراجعاتهم.

مرحلة "ما بعد الإسلام السياسي" ستطاول الإسلام السياسي الشيعي

"النموذج التركي" الذي بدأ جاذبا لإسلاميين وعلمانيين كثر، لم يعد له من يؤيده سوى التيارات الإخوانية الأكثر "أصولية" ومدراس سلفية وحتى "جهادية" مصنفة إرهابية كما في تجربة "جبهة النصرة"... هذه النموذج الذي بدأ يتآكل داخل تركيا، بدلالة نتائج الانتخابات الأخيرة، يتحول إلى عامل مزعزع للأمن والاستقرار الإقليميين، مشتبك مع دول وأطراف وتكتلات كبرى، منتقلا من نظرية "صفر مشاكل" إلى واقع "صفر أصدقاء"... وربما هذا ما حدا بأحد أبرز قادة ورموز هذا التيار، الرئيس التركي السابق عبد الله غول للقول بـ"انهيار الإسلام السياسي" وإطلاق التحذيرات من مغبة استمرار تركيا في الطريق الذي يقوده سلطانها.

في مصر، وبرغم تردي أحوال الحريات وحقوق الانسان، وتفاقم أحوال المصريين الاقتصادية والمعيشية، لم تستطع جماعة الإخوان المسلمين، بعد خسارتها الحكم في يونيو 2013، من إعادة بناء صفوفها، وثمة تقارير ودراسات، تؤكد أن هذه الجماعة أخفقت في استثمار "خطاب المظلومية" الذي اشتهرت هذه الجماعة في توظيفه لإدامة شعبيتها ونفوذها، حتى أن كثيرين ممن لم يتوانوا عن التحالف مع الجماعة زمن ثورة يناير وما بعدها، ما عادوا يستسيغون تكرار التجربة بعد أن تكشفت ميول الجماعة "الإقصائية"، وظهرت لهم مفاعيل نظرية "التمكين" الضاربة جذورها في عمق فكر الجماعة وممارسته، تلك النظرية التي تعلي من شأن الجماعة، وتضعها في مكانة متقدمة على الدولة.

في تونس، ما زال حزب النهضة، الطبعة الأكثر مدنية من بين جميع الفروع الإخوانية، يتصدر قائمة الأحزاب التونسية في الانتخابات، للوهلة الأولى على الأقل، لكن التدقيق في نتائج الانتخابات التونسية، يظهر أن هذا الحزب فقد في غضون ثمانية أعوام، ثلثي طاقته التصويتية، بخسارة تقدر بمليون صوت، ما بين أول انتخابات في 2011 وآخرها في 2019.

أما المغرب، فإن حزب العدالة والتنمية الذي يحتفظ لنفسه بمسافة عن جماعة الإخوان، وتصدر سلسلة من الانتخابات البرلمانية والجهوية، يواجه اليوم، سلسلة من الأزمات المتناسلة، بعضها عائد لصراعات داخلي، وبعضها الآخر مرتبط بعدم تميزه في تجربة الحكم وإدارة الدولة، فضلا بالطبع عمّا أثير من قضايا تتعلق بسلوكيات ونزاهة بعض وزرائه ونوابه وقادته.

حتى جماعات الإسلام السياسي القابعة على مقاعد المعارضة في عدد آخر من الدول العربية، لا تبدو في وضع أفضل عن نظيراتها المتربعة على سدة الحكم... فهذه المنطقة على ما يبدو، محكومة بنظرية "الأواني المستطرقة" في الفيزياء، وكل صعود لهذه الحركة في دولة بعينها، يرافقه صعود في دول أخرى وكل هبوط هنا يفضي إلى هبوط هناك.

أما الإسلام السياسي الشيعي، فقد ارتبط صعوده بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، مع أنه كان حاضرا في بعض الساحات العربية قبل العام 1979، وتحديدا بعد الحرب الأميركية على العراق في العام 2003، وتنامي نفوذ إيران الإقليمي، ونجاحها في ملء فراغ القوى الدولية والعربية في عدد من الساحات (العراق، اليمن، سوريا ولبنان).

القوى المدنية العربية ما زالت ضعيفة ومبعثرة، تتخبط في "تيهها" وانقساماتها الداخلية

لكن ما تشهده إيران من احتجاجات شعبية، وضعف إقبال غير مسبوق على صناديق الاقتراع كما في الانتخابات الأخيرة، واندلاع احتجاجات شعبية واسعة في مناطق نفوذ الأحزاب والميليشيات التابعة لها في العراق ولبنان، تشي بأن عصر الإسلام السياسي في طبعته الشيعية، يؤذن بالرحيل كذلك، وأن مرحلة "ما بعد الإسلام السياسي" لن تقتصر على الإسلام السني وحده، بل ستطاول الإسلام السياسي الشيعي بالقدر ذاته.

لا يعني ذلك، أن الساحات والشوارع العربية، ستصبح خلوا من هذه الحركات بين عشية أو ضحاها، أو أنها خرجت من التداول السياسي والبرلماني، كما أن ذلك لا يعني أن بدائل هذه الحركات، ستنبثق من رحم حركات مدنية ديمقراطية وعلمانية.

مثل هذا التقدير ينطوي على كثير من التسرع و"التطيّر"... فالقوى المدنية العربية ما زالت ضعيفة ومبعثرة، تتخبط في "تيهها" وانقساماتها الداخلية، وهي ما زالت تراوح بين حدين: الإسلام السياسي الذي طالما حظي بقاعدة جماهيرية عريضة من جهة، وأنظمة الفساد والاستبداد، العسكرية والسلالية من جهة ثانية... 

وإلى أن تنجح المجتمعات العربية، وقواها المدنية الحية، في اجتراح البدائل، وخلق "المعادل الموضوعي" للإسلام السياسي، فإن من السابق لأوانه "نعي" هذه الظاهرة والتبشير بما بعدها، كما أن انتظار الانتقال الديمقراطي لدولنا ومجتمعاتنا من دون توفر هذا الشرط، سيكون ضربا من السذاجة وأحلام اليقظة.

اقرأ للكاتب أيضا: أسئلة الانتخابات الإيرانية وتساؤلاتها

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

"ما بعد الإسلام السياسي"... نعم ولكن! 42FF5524-55A5-4DE3-B891-3AD02AC022E0.jpg AFP ما-بعد-الإسلام-السياسي-نعم-ولكن التدقيق في نتائج الانتخابات التونسية، يظهر أن هذا حزب النهضة فقد في غضون ثمانية أعوام، ثلثي طاقته التصويتية 2020-03-01 02:43:34 1 2020-02-28 16:31:41 0

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.