يَتشكّل الوعي الحديث الذي يحكم منطق هذا العصر على التراث التنويري الذي ارتسمت ملامحه في القرن الثامن عشر، والذي كانت العقلانية والإخاء والمساواة...إلخ القيم والمبادئ العابرة للحدود الدينية والقومية، هي هويته الأساس. ما يعني أننا نعيش عصرا هو ـ بالضرورة/ ضرورة العصرنة ـ عصر الإنسان، هو عصر حقوق الإنسان ـ واقعا وأملا ـ؛ من حيث هو عصر التنوير، أو هو العصر الذي يتجلى به ـ ومن خلاله ـ التراث التنويري.
كان الإنسان قبل عصر التنوير الأوروبي مجرد شذرات إنسان، إذ كانت حقوقه مجرد شذرات حقوق، مجرد إضاءات خاطفة تتحكم لغة العواطف بكل نزواتها وظرفيتها. بينما الإنسان اليوم هو "إنسان الإنسان"، أو هو الإنسان واعيا بإنسانيه؛ من حيث كونه يتمثّل ذاته/ يتمثّل حقوقه في منظومة رؤيويّة متكاملة الأركان، على أساس من اتساقها النظري/ المنطقي، أو هي تطمح ـ من خلال هذه الرؤية الكلية ـ لأن تكون كذلك في يوم من الأيام.
لم تعد الاختراقات/ الانتهاكات التي تخدش ـ فضلا عن أن تجرح ـ جسدَ هذه الحقوق الإنسانية المقدسة تمرّ بسلام؛ خاصة بعد أن ترسخت هذه الحقوق وتمددت ـ أفقيا ـ في مدى كوني مُتعولم؛ لتتحول ـ بقوة الهيمنة الثقافية للغرب/ للتنوير ـ إلى حقوق طبيعية، يخضع لها الجميع طوعا أو كرها، عن قناعة، أو عن إكراه متنوع متعدد المستويات، إكراه يفرضه في الواقع خوفُ الإنسان الذي يفكر في الإقدام على انتهاك هذه الحقوق من أن يكون مصدر عقاب مادي أو معنوي.
كانت كثير من هذه الانتهاكات تمرّ بسلام هو في حقيقته تسليم بها كشرط للعبور من المهد إلى اللحد، كمعايشة للكَبَدِ الملازم للوجود الإنساني، أو تمر على جروح عابرة لا تلبث أن تَنْدمل وتُنْسَى أو تُتَناسى؛ لأن الوعي بالإنسان كان عابرا، ظرفيا، مُجَزَّءا، متأرجِحا بين حالتي: التذكر والنسيان.
بينما لا تمرّ مثل هذه الانتهاكات اليوم دون أن تكون محل توثيق وتأبيد، للواقعة الانتهاكية ذاتها، ولحالة الغضب المحايثة لها، حتى تتصاعد حالات الاستنكار والغضب وسط استغراب وحيرة القابعين في دهاليز الماضي، أولئك العاجزين عن فهم وتفهّم تنامي هذه الحساسية الإنسانية التي لا يجدون لها مبررا، أو لا يجدون لها تفسيرا من خلال وعيهم بالإنسان من خلال التراث.
اليوم، لم تعد حقوق الإنسان مجالا للمساومة، ولا للتسامح الذي يفتح الباب واسعا لانتهاكها. الإنسان مُتَأنْسِنا يرى نفسه/ إنسانيته في كل الآخرين. أدنى انتهاك يطال أي إنسان يُغضِب الجميع، إذ يجد كل إنسان أنه مَعْنِيّ به؛ متى كان واعيا بذاته كإنسان.
وإذا كانت تتعدّد صورُ الاعتداء على إنسانية الإنسان وتتنوع، فإن أبرز ما يُشكّل انتهاكا عاريا لهذه الحقوق الإنسانية (التي تتحقق إنسانية الإنسان من خلالها)، هي العنصرية بكل أشكالها وتنويعاتها، إذ هي إن لم تكن المنطق الذي يتشرعن به العدوان على الإنسان، فهي ـ بالأصالة ـ صورة من صور العدوان.
لكن، ما هي العنصرية التي تنتهك حقوق الإنسان؛ فتنتهك ـ بالضرورة؛ وإن على نحو غير مباشر ـ حقوق كل إنسان؟ ما هي هذه العنصرية التي هي مَحلُّ إدانة وتنديد وتجريم كلّ الثقافات المتحضرة، التي تتصاعد مستويات إدانتها وتتسع وتتنوع؛ بمقدار ما تتصاعد وتتسع وتتنوع مستويات التحضرّ الإنساني؟
العنصرية هي ـ في أبسط تعريفاتها ـ فكرٌ أو سلوك يمتهن الإقصاءَ أو التهميشَ أو التمييزَ بين البشر على أساس اللون، أو الانتماء القومي أو العرقي أو الوطني أو الديني أو المذهبي أو المهني/ الوظيفي. وهذا يعني أنها ذات طابع اجتماعي/ غير فردي، ذات طابع تنميطي/ تعميمي، متحيّز ضد آخرين يخضعون للتصنيف الجائر.
إذن، العنصرية مرتبطة بالتنميط العام. فمثلا، أنت قد تكره أو تُقصي أو تزدري هذا الفرد أو ذاك لسبب متعلق به كفرد، إما من جهة علاقتك به، والتي قد تتوتر لسبب أو آخر، وإما من جهة كونه ذا مسلك مُدان قانونيا، كأن يكون عدوانيا/ غير أخلاقي...إلخ.
أي ليس من العنصرية أن تكره المرء نظرا لسلوكه الاختياري كفرد مسؤول، فالمجرم/ القاتل مكروه، وكذا السارق، والمختلس للمال العام، والمخادع، والعنصري، والنمّام، والبذيء، والمغتاب، والغاش في بضاعته، واللاّمبالي بحقوق البيئة أو بالنظافة العامة...إلخ السلوكيات الفردية التي من الطبيعي أن تكون مجل ازدراء، بل ومحل تجريم، ولا يكون هذا الازدراء أو هذا التجريم عنصريا.
العنصرية هي أن تكره أو تزدري أو تُقْصي إنسانا لمجرد الانتماء العام، المرتبط بأي صورة من صور هذا الانتماء عرقا أو لونا أو دينا أو مذهبا أو وطنا أو لغة أو مهنة...إلخ. فمثلا، مَنْ يَكره أو يحتقر إنسانا لأنه أسود أو أبيض، أو يُقصي هذا الإنسان لمجرد أنه ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك، أو يُهمّش هؤلاء أو أولئك لأنهم يمتهنون هذه المهن التي لا تروق له، فهذه هي العنصرية التي نجدها مدانة من حيث هي تحكم على الفرد مسبقا من خلال الحكم على الإطار العام الذي ينتمي إليه؛ فتصبح حُكما ظالما يتجاوز إدانة السلوكيات الفردية الاختيارية إلى إدانة ـ ومن ثم معاقبة ـ كل أفراد هذا الإطار الانتمائي.
وإذا كانت العنصرية بكل أنواعها/ بكل تمظهراتها مدانة، وتستحق التجريم، فقد كانت العنصرية التي تعرّض لها أصحاب البشرة السمراء أو السوداء هي من أبشع أنواع العنصريات وأطولها أمدا في التاريخ. إنها أعمق وأطول أنواع العنصريات، بل لا تزال بقاياها عالقة في الأذهان، والتعبير عنها قد يكون بشكل صريح ومباشر، وعلى نحو يفخر فيه العنصري بعنصريته، وقد تكون خفية مُضْمرة، حتى عند أولئك الذين يَدْعُون للتسامح أو يدّعون التسامح، بل حتى عند أولئك الذين يحاربون العنصرية على نحو صريح!
لم يعد الحديث اليوم عن أنظمة/ قوانين عنصرية، خاصة ما يتعلق منها بالعنصرية المرتبطة بالألوان العرقية، إذ لا تجرؤ أية دولة على أن تضع في أنظمتها ما يدعم هذا التمييز العنصري. لكن، إذا كانت الأنظمة والقوانين لا تسمح بذلك، بل هي تدين ذلك صراحة، فهل يعني ذلك أن الثقافة العامة (الثقافة الراسخة في الأعماق، الثقافة المتوارثة عن الآباء والأجداد على مدى عمق عشرات القرون) تُدِين هذه العنصرية ضد ذوي البشرة السوداء؟
ماذا عن ثقافتنا العربية التي تظهر بعض مكنوناتها العنصرية بين الحين والآخر، عند أدنى حالة استفزاز؟ أليست ثقافتنا العربية لها تأثير عميق علينا، وهي ـ كما نعلم/ كما يعلم بعضنا ـ ثقافة مُتحيّزة بحكم انغلاقها وعجزها عن التطور/ عن مواكبة التطور من خلال التفاعل الخلاق مع التراث التنويري الأوروبي الذي صنع عصرَ الإنسان؟
إن الثقافة العربية عبر تاريخها الطويل "تعاملت بصورة عدائية مع آخرين "غير مسلمين" لكنهم لم ينصبوا العداء للإسلام، أو مع آخرين دانوا بالإسلام، إلا أن عمق الاختلاف والمغايرة المضاعفة بينها وبينهم كانا أكبر من طاقة التسامح التي تشرّبتها هذه الثقافة من الإسلام.
ولعل أبرز مثال على ذلك هو تلك الكيفية التي تعاملت بها هذه الثقافة مع الآخر الأسود المسلم وغير المسلم، هذا الآخر الذي وُصم بصفات البهيمية والوحشية والشهوانية المفرطة وفساد الخُلق وتشوه الخلق، ونُحتت له تمثيلات انتقاصيّة وصور مشوَّهة ومشوِّهة ترسبت في المتخيل العربي" (تمثيلات الآخر، نادر كاظم ص17). وكما يؤكد نادر كاظم، فإن "صورة السود في المتخيل العربي قريبة إلى حد بعيد من صورة السود في المتخيل الغربي منذ القرن (15) فالسود في هذا المتخيل الأخير بهائم بريّة ذات طاقة جنسية هائلة وطبائع إجرامية وولع بالطرب واللهو" (تمثيلات الآخر، هامش ص175).
هذه الأحكام بحق تراثنا لا يُصْدِرها الباحث البحريني نادر كاظم عن انطباع عام، بل عن دراسة علمية محكّمة في 586 صفحة، تناول فيها "صورة السود في المتخيل العربي الوسيط"، وخرج منها بنتيجة مفادها أن المتخيل العربي عن السود (الذي تشكلت أضخم صوره النمطية عن السود بوصفهم بهائم هائمة أو سباعا هائجة أو مخلوقات في مرتبة بين البشر والحيوان في القرن الثالث الهجري تقريبا) كان يُدعَم ويُغذّى بشبكة ضخمة من المعارف المتداولة آنذاك، من جغرافيا وتنجيم وطب وتاريخ وأدب...إلخ (تمثيلات الآخر، ص41و89)، بل وكانت السِّيَر الشعبية الرائجة شعبيا في القرون المتأخرة تُشَكّل امتدادا متضخما لكل هذا التشويه الثقافي.
إنها تصوراتٌ ثقافيةٌ تمتدّ من أعماق العصر الجاهلي؛ لتعانق العصر الإسلامي وترافق مراحل تشكّله الثقافي، فتطبع الثقافةَ الإسلاميةَ بطابعها العنصري المتحيز؛ حتى يظهر هذا التمييز العنصري على ألسنة بعض الفقهاء، فضلا عن الكتاب والشعراء المنتسبين إلى الإسلام. فإذا كان الإسلام ـ كما يرى نادر كاظم ـ يُمثّل آلية الدمج والاحتضان، أي دمج واحتضان السود، "بلال" و"وحشي" مثلا، فإن الثقافة العربية كانت تُمَثّل آلية الطرد والابعاد، بدليل اعتزال هؤلاء (بلال ووحشي) الحياة العامة بعد موت النبي؛ كما لاحظ ذلك عبده بدوي في كتابه السود والحضارة العربية (تمثيلات الآخر، ص18و88).
ولعل أهم الملاحظات التي لاحظها نادر كاظم (في دراسته الرائدة في بابها) هي ملاحظة أن الثقافة العربية، ولكي تؤكد منطقها العنصري، توسلت بالمقدس الديني، فباتت تكذب على الرسول في ذم الزّنج والسود. لقد اخترعت هذه الثقافة العنصرية نصوصا تدعم بها موقفها العنصري تجاه السود، مثل: "إياكم والزنج فإنه خلق مشوّه"، ومثل "إنما الأسود لبطنه وفرجه"، (تمثيلات الآخر، ص126) وهي المرويات الموضوعة/ المكذوبة التي أجمع المتخصصون في دراسة الحديث النبوي ـ من سنة وشيعة ـ على أنها كذب على نبي الإسلام.
أخيرا، لا نستطيع أن نقول إننا لسنا عنصريين ونحن أبناء هذه الثقافة العنصرية؛ إلا إذا مارسنا النقد الموضوعي للذات، النقد المكثف والمتواصل لهذه الثقافة العربية التي تشكل وعينا العام، ويكون النقد بآليات ومعايير ومُحَفّزات تتوسل آخر آفاق البحث الإنساني، الذي يجد مشروعيته في تراث التنوير الأوربي؛ حتى وهو يمارس نقده/ مراجعته لهذا التراث.
