يَتشكّل الوعي الحديث الذي يحكم منطق هذا العصر على التراث التنويري الذي ارتسمت ملامحه في القرن الثامن عشر، والذي كانت العقلانية والإخاء والمساواة...إلخ القيم والمبادئ العابرة للحدود الدينية والقومية، هي هويته الأساس. ما يعني أننا نعيش عصرا هو ـ بالضرورة/ ضرورة العصرنة ـ عصر الإنسان، هو عصر حقوق الإنسان ـ واقعا وأملا ـ؛ من حيث هو عصر التنوير، أو هو العصر الذي يتجلى به ـ ومن خلاله ـ التراث التنويري.

كان الإنسان قبل عصر التنوير الأوروبي مجرد شذرات إنسان، إذ كانت حقوقه مجرد شذرات حقوق، مجرد إضاءات خاطفة تتحكم لغة العواطف بكل نزواتها وظرفيتها. بينما الإنسان اليوم هو "إنسان الإنسان"، أو هو الإنسان واعيا بإنسانيه؛ من حيث كونه يتمثّل ذاته/ يتمثّل حقوقه في منظومة رؤيويّة متكاملة الأركان، على أساس من اتساقها النظري/ المنطقي، أو هي تطمح ـ من خلال هذه الرؤية الكلية ـ لأن تكون كذلك في يوم من الأيام.

لم تعد الاختراقات/ الانتهاكات التي تخدش ـ فضلا عن أن تجرح ـ جسدَ هذه الحقوق الإنسانية المقدسة تمرّ بسلام؛ خاصة بعد أن ترسخت هذه الحقوق وتمددت ـ أفقيا ـ في مدى كوني مُتعولم؛ لتتحول ـ بقوة الهيمنة الثقافية للغرب/ للتنوير ـ إلى حقوق طبيعية، يخضع لها الجميع طوعا أو كرها، عن قناعة، أو عن إكراه متنوع متعدد المستويات، إكراه يفرضه في الواقع خوفُ الإنسان الذي يفكر في الإقدام على انتهاك هذه الحقوق من أن يكون مصدر عقاب مادي أو معنوي.

العنصرية التي تعرّض لها أصحاب البشرة السمراء أو السوداء هي من أبشع أنواع العنصريات وأطولها أمدا 

كانت كثير من هذه الانتهاكات تمرّ بسلام هو في حقيقته تسليم بها كشرط للعبور من المهد إلى اللحد، كمعايشة للكَبَدِ الملازم للوجود الإنساني، أو تمر على جروح عابرة لا تلبث أن تَنْدمل وتُنْسَى أو تُتَناسى؛ لأن الوعي بالإنسان كان عابرا، ظرفيا، مُجَزَّءا، متأرجِحا بين حالتي: التذكر والنسيان. 

بينما لا تمرّ مثل هذه الانتهاكات اليوم دون أن تكون محل توثيق وتأبيد، للواقعة الانتهاكية ذاتها، ولحالة الغضب المحايثة لها، حتى تتصاعد حالات الاستنكار والغضب وسط استغراب وحيرة القابعين في دهاليز الماضي، أولئك العاجزين عن فهم وتفهّم تنامي هذه الحساسية الإنسانية التي لا يجدون لها مبررا، أو لا يجدون لها تفسيرا من خلال وعيهم بالإنسان من خلال التراث.

اليوم، لم تعد حقوق الإنسان مجالا للمساومة، ولا للتسامح الذي يفتح الباب واسعا لانتهاكها. الإنسان مُتَأنْسِنا يرى نفسه/ إنسانيته في كل الآخرين. أدنى انتهاك يطال أي إنسان يُغضِب الجميع، إذ يجد كل إنسان أنه مَعْنِيّ به؛ متى كان واعيا بذاته كإنسان.

وإذا كانت تتعدّد صورُ الاعتداء على إنسانية الإنسان وتتنوع، فإن أبرز ما يُشكّل انتهاكا عاريا لهذه الحقوق الإنسانية (التي تتحقق إنسانية الإنسان من خلالها)، هي العنصرية بكل أشكالها وتنويعاتها، إذ هي إن لم تكن المنطق الذي يتشرعن به العدوان على الإنسان، فهي ـ بالأصالة ـ صورة من صور العدوان.

لكن، ما هي العنصرية التي تنتهك حقوق الإنسان؛ فتنتهك ـ بالضرورة؛ وإن على نحو غير مباشر ـ حقوق كل إنسان؟ ما هي هذه العنصرية التي هي مَحلُّ إدانة وتنديد وتجريم كلّ الثقافات المتحضرة، التي تتصاعد مستويات إدانتها وتتسع وتتنوع؛ بمقدار ما تتصاعد وتتسع وتتنوع مستويات التحضرّ الإنساني؟

العنصرية هي ـ في أبسط تعريفاتها ـ فكرٌ أو سلوك يمتهن الإقصاءَ أو التهميشَ أو التمييزَ بين البشر على أساس اللون، أو الانتماء القومي أو العرقي أو الوطني أو الديني أو المذهبي أو المهني/ الوظيفي. وهذا يعني أنها ذات طابع اجتماعي/ غير فردي، ذات طابع تنميطي/ تعميمي، متحيّز ضد آخرين يخضعون للتصنيف الجائر.

إذن، العنصرية مرتبطة بالتنميط العام. فمثلا، أنت قد تكره أو تُقصي أو تزدري هذا الفرد أو ذاك لسبب متعلق به كفرد، إما من جهة علاقتك به، والتي قد تتوتر لسبب أو آخر، وإما من جهة كونه ذا مسلك مُدان قانونيا، كأن يكون عدوانيا/ غير أخلاقي...إلخ. 

كان الإنسان قبل عصر التنوير الأوروبي مجرد شذرات إنسان

أي ليس من العنصرية أن تكره المرء نظرا لسلوكه الاختياري كفرد مسؤول، فالمجرم/ القاتل مكروه، وكذا السارق، والمختلس للمال العام، والمخادع، والعنصري، والنمّام، والبذيء، والمغتاب، والغاش في بضاعته، واللاّمبالي بحقوق البيئة أو بالنظافة العامة...إلخ السلوكيات الفردية التي من الطبيعي أن تكون مجل ازدراء، بل ومحل تجريم، ولا يكون هذا الازدراء أو هذا التجريم عنصريا.

العنصرية هي أن تكره أو تزدري أو تُقْصي إنسانا لمجرد الانتماء العام، المرتبط بأي صورة من صور هذا الانتماء عرقا أو لونا أو دينا أو مذهبا أو وطنا أو لغة أو مهنة...إلخ. فمثلا، مَنْ يَكره أو يحتقر إنسانا لأنه أسود أو أبيض، أو يُقصي هذا الإنسان لمجرد أنه ينتمي إلى هذا المذهب أو ذاك، أو يُهمّش هؤلاء أو أولئك لأنهم يمتهنون هذه المهن التي لا تروق له، فهذه هي العنصرية التي نجدها مدانة من حيث هي تحكم على الفرد مسبقا من خلال الحكم على الإطار العام الذي ينتمي إليه؛ فتصبح حُكما ظالما يتجاوز إدانة السلوكيات الفردية الاختيارية إلى إدانة ـ ومن ثم معاقبة ـ كل أفراد هذا الإطار الانتمائي.

وإذا كانت العنصرية بكل أنواعها/ بكل تمظهراتها مدانة، وتستحق التجريم، فقد كانت العنصرية التي تعرّض لها أصحاب البشرة السمراء أو السوداء هي من أبشع أنواع العنصريات وأطولها أمدا في التاريخ. إنها أعمق وأطول أنواع العنصريات، بل لا تزال بقاياها عالقة في الأذهان، والتعبير عنها قد يكون بشكل صريح ومباشر، وعلى نحو يفخر فيه العنصري بعنصريته، وقد تكون خفية مُضْمرة، حتى عند أولئك الذين يَدْعُون للتسامح أو يدّعون التسامح، بل حتى عند أولئك الذين يحاربون العنصرية على نحو صريح!

لم يعد الحديث اليوم عن أنظمة/ قوانين عنصرية، خاصة ما يتعلق منها بالعنصرية المرتبطة بالألوان العرقية، إذ لا تجرؤ أية دولة على أن تضع في أنظمتها ما يدعم هذا التمييز العنصري. لكن، إذا كانت الأنظمة والقوانين لا تسمح بذلك، بل هي تدين ذلك صراحة، فهل يعني ذلك أن الثقافة العامة (الثقافة الراسخة في الأعماق، الثقافة المتوارثة عن الآباء والأجداد على مدى عمق عشرات القرون) تُدِين هذه العنصرية ضد ذوي البشرة السوداء؟

ماذا عن ثقافتنا العربية التي تظهر بعض مكنوناتها العنصرية بين الحين والآخر، عند أدنى حالة استفزاز؟ أليست ثقافتنا العربية لها تأثير عميق علينا، وهي ـ كما نعلم/ كما يعلم بعضنا ـ ثقافة مُتحيّزة بحكم انغلاقها وعجزها عن التطور/ عن مواكبة التطور من خلال التفاعل الخلاق مع التراث التنويري الأوروبي الذي صنع عصرَ الإنسان؟

إن الثقافة العربية عبر تاريخها الطويل "تعاملت بصورة عدائية مع آخرين "غير مسلمين" لكنهم لم ينصبوا العداء للإسلام، أو مع آخرين دانوا بالإسلام، إلا أن عمق الاختلاف والمغايرة المضاعفة بينها وبينهم كانا أكبر من طاقة التسامح التي تشرّبتها هذه الثقافة من الإسلام. 

ولعل أبرز مثال على ذلك هو تلك الكيفية التي تعاملت بها هذه الثقافة مع الآخر الأسود المسلم وغير المسلم، هذا الآخر الذي وُصم بصفات البهيمية والوحشية والشهوانية المفرطة وفساد الخُلق وتشوه الخلق، ونُحتت له تمثيلات انتقاصيّة وصور مشوَّهة ومشوِّهة ترسبت في المتخيل العربي" (تمثيلات الآخر، نادر كاظم ص17). وكما يؤكد نادر كاظم، فإن "صورة السود في المتخيل العربي قريبة إلى حد بعيد من صورة السود في المتخيل الغربي منذ القرن (15) فالسود في هذا المتخيل الأخير بهائم بريّة ذات طاقة جنسية هائلة وطبائع إجرامية وولع بالطرب واللهو" (تمثيلات الآخر، هامش ص175).

هذه الأحكام بحق تراثنا لا يُصْدِرها الباحث البحريني نادر كاظم عن انطباع عام، بل عن دراسة علمية محكّمة في 586 صفحة، تناول فيها "صورة السود في المتخيل العربي الوسيط"، وخرج منها بنتيجة مفادها أن المتخيل العربي عن السود (الذي تشكلت أضخم صوره النمطية عن السود بوصفهم بهائم هائمة أو سباعا هائجة أو مخلوقات في مرتبة بين البشر والحيوان في القرن الثالث الهجري تقريبا) كان يُدعَم ويُغذّى بشبكة ضخمة من المعارف المتداولة آنذاك، من جغرافيا وتنجيم وطب وتاريخ وأدب...إلخ (تمثيلات الآخر، ص41و89)، بل وكانت السِّيَر الشعبية الرائجة شعبيا في القرون المتأخرة تُشَكّل امتدادا متضخما لكل هذا التشويه الثقافي.

لا نستطيع أن نقول إننا لسنا عنصريين ونحن أبناء هذه الثقافة العنصرية

إنها تصوراتٌ ثقافيةٌ تمتدّ من أعماق العصر الجاهلي؛ لتعانق العصر الإسلامي وترافق مراحل تشكّله الثقافي، فتطبع الثقافةَ الإسلاميةَ بطابعها العنصري المتحيز؛ حتى يظهر هذا التمييز العنصري على ألسنة بعض الفقهاء، فضلا عن الكتاب والشعراء المنتسبين إلى الإسلام. فإذا كان الإسلام ـ كما يرى نادر كاظم ـ يُمثّل آلية الدمج والاحتضان، أي دمج واحتضان السود، "بلال" و"وحشي" مثلا، فإن الثقافة العربية كانت تُمَثّل آلية الطرد والابعاد، بدليل اعتزال هؤلاء (بلال ووحشي) الحياة العامة بعد موت النبي؛ كما لاحظ ذلك عبده بدوي في كتابه السود والحضارة العربية (تمثيلات الآخر، ص18و88).

ولعل أهم الملاحظات التي لاحظها نادر كاظم (في دراسته الرائدة في بابها) هي ملاحظة أن الثقافة العربية، ولكي تؤكد منطقها العنصري، توسلت بالمقدس الديني، فباتت تكذب على الرسول في ذم الزّنج والسود. لقد اخترعت هذه الثقافة العنصرية نصوصا تدعم بها موقفها العنصري تجاه السود، مثل: "إياكم والزنج فإنه خلق مشوّه"، ومثل "إنما الأسود لبطنه وفرجه"، (تمثيلات الآخر، ص126) وهي المرويات الموضوعة/ المكذوبة التي أجمع المتخصصون في دراسة الحديث النبوي ـ من سنة وشيعة ـ على أنها كذب على نبي الإسلام.

أخيرا، لا نستطيع أن نقول إننا لسنا عنصريين ونحن أبناء هذه الثقافة العنصرية؛ إلا إذا مارسنا النقد الموضوعي للذات، النقد المكثف والمتواصل لهذه الثقافة العربية التي تشكل وعينا العام، ويكون النقد بآليات ومعايير ومُحَفّزات تتوسل آخر آفاق البحث الإنساني، الذي يجد مشروعيته في تراث التنوير الأوربي؛ حتى وهو يمارس نقده/ مراجعته لهذا التراث.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.