سودانيون مسيحيون خلال مشاركتهم في التظاهرات المعارضة أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في الخرطوم

من أكبر الإشكاليات التي يواجهها تيار الإسلام النصوصي في تعاطيه مع المشاكل والقضايا المعاصرة، هي اللجوء الدائم والمنظم لخزانة التراث لاستلاف حلول يعتقد أنها سرمدية، عابرة للزمان وللمكان، ولا تتأثر بمعطيات الواقع.

إن الكثير من المصادر التي يتم اللجوء إليها لاستخلاص الأحكام تحتوي على نصوص ليست فقط غير قابلة للتطبيق في هذا العصر، ولكنها أيضا غير مؤكدة الثبوت من ناحية الرواية، كما أن هناك شكوكا كثيرة تعتري متونها لما تحتويه من تناقضات وتعارض مع الأصل القرآني.

بعد مرور مئات السنين، وبتراكم الزمن اكتسبت هذه المصادر نوعا من القداسة، بحيث صار من غير المقبول، بل من المحرَّم تناولها بالنقد والنقاش، مع أنها ليست سوى نتاج بشري جادت به عقول أصحابها بما يتماشى مع ظروف وأحوال العصور التي عاشوا فيها، وهي بالقطع تختلف عن أحوال زماننا الحاضر.

ومن ناحية أخرى، فإن الكثير من الأحكام التي يتم استدعاؤها من خزانة التراث، ويُراد تطبيقها لحل قضايا ومشاكل الوقت الحاضر لا تتضمن أمورا تتصل بقطعيات دينية متعلقة بموضوعات العقيدة أو العبادات بل ترتبطُ باجتهادات بشرية في قضايا متغيرة وبالتالي فإن من الضروري أن تتسع الساحة الفكرية للنقاش الحر حولها دون ترهيب أو تشكيك في نوايا أصحاب الرؤى المغايرة.

فتوى عدم استحداث بناء الكنائس في بلاد المسلمين أو البلاد المفتوحة تتجاهل أحوال العصر الذي نعيشه

من بين المصادر التاريخية التي يتم الرجوع لأحكامها ما عُرف بـ "الشروط العمرية" أو عهد عمر (نسبة لعمر بن الخطاب) لنصارى الشام عندما فتحها المسلمون، وهي الشروط التي اتخذ منها الفقهاء مرجعية في تحديد علاقة المسلمين بأهل الذمة.

تبدت خطورة الاستناد إلى تلك الشروط حينما قامت بعض الجماعات الدينية قبل فترة بمطالبة الحكومة السودانية بإيقاف بناء إحدى الكنائس في أطراف العاصمة باعتبار أن الأمر يقع ضمن "مخطط متكامل للتنصير يستهدف الإسلام والمسلمين في السودان".

كما صدرت فتوى من "رابطة علماء المسلمين" توجب "منع قيام كنيسة في بلاد المسلمين بإجماع أهل العلم"، واستندت الأطراف المؤيدة للفتوى في حجتها إلى أن هذا الأمر "معروف ومُضمَّن في الشروط العمرية وهو منع استحداث كنائس في بلاد المسلمين، أو البلاد المفتوحة".

قبل أن نشرع في تفنيد وثيقة الشروط العمرية، نقول إن فتوى عدم استحداث بناء الكنائس في بلاد المسلمين أو البلاد المفتوحة تتجاهل أحوال العصر الذي نعيشه، وهو عصر يسود فيه مفهوم "الدولة ـ الأمة" الذي لم يكن معروفا في زمن صدور تلك الشروط، وهي دولة تنهض فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو العرق أو الجنس.

هذه الدولة تقف على مسافة متساوية من الأديان، وهو الأمر الذي يضمن عدم انتهاك الغالبية لحقوق الأقلية. وهي الدولة التي ظلت الأقليات المسلمة تعيش في كنفها وتحتمي بها وتدافع عنها في مختلف دول المعمورة، من الهند وحتى أميركا.

لذلك لا يجب تصوُّر أن جهة ما في ظل هذه الدولة الحديثة تتفضل على مواطنين أصحاب حق بمنحهم أو منعهم بناء كنيسة أو مسجد من منطلق عقيدة دينية، بل الأمر برمته يقع في إطار الترتيبات الإدارية التي تنظر فيها السلطات المحلية، ومن ثم تصدر تصديقا بالبناء شأنه شأن كل مكتبة عامة أو ملعب أو مدرسة.

أما الشروط العمرية، فإنها تؤطر العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب من خلال ما يعرف بـ"عقد الذمة"، والذمة في اللغة هي "العهد والضمان والأمان"، ومعنى عقد الذمة هو إقرار بعض الكفار علي كفرهم بشرط بذل الجزية والتزام أحكام الملة، والأصل فيها كما يُقال هو ما ورد في القرآن: "حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون".

هذا النوع من العلاقة الذي ينبني على عقد الذمة بين المسلمين وغير المسلمين يناقض طبيعة العلاقة في الدولة العصرية، ويترتب عليه مطالبة النصارى بدفع الجزية، وهو أمرٌ يتنافى مع الأساس المدني للدولة الحديثة التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن انتمائهم الديني.

نص الشروط العمرية ـ بحسب عبادة عبد الرحمن كحيلة ـ يحتوي على الكثير من التناقضات من ناحية المتن كما أن سنده غير مؤكد ويثير الكثير من التساؤلات التاريخية حول صحة نسبه للخليفة عمر بن الخطاب.

يوضح كحيلة أنه يصعب علينا الزعم بوجود نص محدد في عهد عمر، فقد وردت نصوص عديدة منه في كتب الفقه والتاريخ والأدب، بعضها يرد بصيغة الراوي "شرط عليهم..." وبعضها يرد بصيغة ثانية كتبها النصارى بأنفسهم "شرطنا لكم على أنفسنا".

وإذا نحن راجعنا أسماء رجال السند نجد أن بعضهم لا يُعد من الثقات أو أنهم من المجاهيل، وعلى رأسهم عبد الرحمن بن غنم (راوي العهد وكاتبه في معظم الروايات) والذي لا يُعلم الشيء الكثير عن حياته.

عهد عمر يس نصا مقدسا محفوظا لا تطاله يد التحريف والتغيير

أما المتن فهو حافل بالتناقضات، وأولها تحديد شخص الكاتب، فهو "ابن غنم" في معظم صور العهد وهو عمر أو أهل الجزيرة أو مدينة كذا وكذا في صور أخرى، والتناقض الثاني في لغة الخطاب، فالعهد في معظم الروايات صادر من المغلوب وليس من الغالب والعادة أن الغالب هو الذي ينسب إليه الخطاب، التناقض الثالث في شخص المغلوب فهو مرة نصارى الشام أو أرض الشام أو أهل الجزيرة أو نصارى أهل الشام ومصر أو نصارى مدينة كذا أو بلد كذا... إلخ.

كما أنه يوجد تضارب في تحديد المخاطِب (بكسر الطاء)، فهو عمر في معظم صور العهد، وهو ابن غنم في بعضها. ومن التناقضات التي حفل بها متن العهد، كما يقول كحيلة، اشتراط النصارى على أنفسهم عدم بيع الخمور، وهذا الشرط يتناقض مع ما ورد عن عمر نفسه من أنه أقر بأخذ العُشر على خمور أهل الذمة، ما داموا هم الذين يبيعونها، أي أنه أقر لهم بيعها.

هذه التناقضات العديدة تؤكد من الناحية العلمية والمنهجية أن عهد عمر ليس سوى نص تاريخي قابل للتمحيص شأنه شأن كل النصوص التاريخية، فهو ليس نصا مقدسا محفوظا لا تطاله يد التحريف والتغيير.

ومن ناحية أخرى ـ وهي الأهم ـ فإنه ليس نصا عابرا للزمان، بحيث يصلح للتطبيق في القرن الحادي والعشرين الذي ترسخت فيه مفاهيم حول الدولة والمجتمع والحقوق تختلف جذريا عما كان سائدا في وقت ظهور عهد عمر، وهى مفاهيم تطرح تحديات جسيمة أمام دعاة العودة للتراث دون إعمال العقل، ومنهم أولئك الذين منحوا أنفسهم حق إصدار الفتاوى في قضايا خطيرة تهدد الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.