طلب مني صديقي أن أرافقه في زيارة تفقدية لأحد معارفه، فوافقت.

على الطريق، شرح لي أن الشخص الذي نقصده، يعيش في ظروف صعبة للغاية، فليس معه ما يكفي لإعالة زوجته وأولاده الأربعة، وأنه يتردد عليه مرة في الشهر ليقف على بعض حاجاته الملحة.

استفسرت منه عن عمل هذا الشخص، فقال لي إنه كان أمين صندوق في أحد المصارف، قبل أن يطرد بسبب أحد أبنائه الذي اصطحبه معه مرة إلى العمل، فسرق بغفلة منه مبلغا عجز الوالد عن تسديده، وتحمّل هو المسؤولية خوفا من أن تبلغ إدارة المصرف الشرطة، فتلقي القبض على ابنه.

وسرد لي أن هذا الشخص، وبسبب "سوء السمعة" التي اكتسبها لم يستطع أن يجد عملا ثابتا جديدا، فحرم من الضمانات الصحية والطبية، في وقت تكاثرت أمراضه وأمراض عائلته.

حل مشكلتك وإن بدا معقدا فهو سهل. أنت بالنتيجة لست فقيرا بل ضعيف

ولكن ما لفت انتباهي في شرح صديقي أن الشخص الذي نقصده ينتمي إلى عائلة ميسورة وأن أهله وأقاربه وأنسباءه يتمتعون بحياة هانئة ومستقرة.

متأثرا بهذه المفارقة، سألت صديقي بحدة "محبي العدالة الاجتماعية":

- هل هؤلاء وحوش؟ لماذا لا يقفون معه ويساعدونه؟ لماذا أقله لا يجدون له عملا يكفيه الحاجة ويسد العوز؟

أجابني صديقي، وضحكة صفراء ترتسم على شفتيه:

- في البداية حاولوا، لكن زوجته بعدما راحت تحرّض أبناءها على أقاربهم، بدأت علنا تسيء إلى سمعة هؤلاء وإلى شرف زوجاتهم، وراحت أبعد من ذلك، إذ أنها انضمت إلى جماعة لا عمل لها سوى أذية أهل زوجها وأقاربه. وعلى الرغم من التحذيرات التي انهالت عليه، من كل حدب وصوب، عجز صديقي عن ردع زوجته وعن تهدئة أبنائه، وعندما اشتد عليه الضغط، أبلغهم أنه أضعف من زوجته وأنه إن ضغط أكثر من ذلك فهذا يعني أنه سيخرب منزله.

جوابه هذا ـ تابع صديقي كلامه ـ أغضب أهله وأقاربه منه، فأوقفوا كل علاقاتهم معه وقالوا له بالحرف: "عندما تصبح قادرا على إدارة بيتك عد إلينا، ولكن حتى تلك الساعة تدبر أمرك بنفسك. أهلا بك بيننا، عندما تشتاق إلى رؤيتنا، ولكن ممنوع عليك أن تصطحب زوجتك المؤذية معك، وعليك ألا تمنّن النفس بأي مساعدة منا، لأنها بالنتيجة ستقوي زوجتك لتستقوي أكثر علينا".

وتابعت "استجوابي".

- لا يمكن لعاقل أن يتصرف مع من هو بحاجة إليهم بهذه الطريقة، ولذلك يفترض أن تكون لديه مدخرات كافية يخفيها عن الجميع.

انتفض صديقي على "خيالي الواسع"، وأجابني بحدة:

- أي مدخرات هذه؟ عليه ديون يعجز عن تسديدها. قد يطرد من منزله، بعدما كان قد رهنه ليستدين، وهو الآن عاجز عن تسديد السندات. اثنان من أولاده تركا الجامعة، ونتاج عملهما لا يسدد إلا بعض الحاجيات الملحة جدا.

وصلنا. انقطع الحوار. دخلنا إلى بيت "مريع": غبار وأوساخ. مراهقان يتضاربان ويتشاجران. امرأة تشاهد التلفزيون وتدخن، وأمامها "منفضة" تفيض أعقاب سجائر ورمادا. الزوج رجل جميل وممشوق، ولكنه شاحب جدا. أنيق ولكن ثيابه التي كان يرتديها في وظيفته المصرفية بدأت تفقد ألوانها. يتحدث بفصاحة ممزوجة بكلمات تقنية أجنبية تؤشر إلى مستوى ثقافي مميّز.

لم يغيّر دخولنا إلى المنزل سلوك الزوجة والولدين، بل العكس صحيح. الزوجة رفعت صوت التلفزيون، كما ضاعفت وتيرة التدخين. الولدان غيّرا موضوع الشجار، فراح واحد يشتمنا ويعتبر أننا رسولان للـ"عقارب"، في إشارة إلى أقارب والدهما، وراح الثاني يبرئنا من هذه التهمة، ويجزم بأننا صديقان حقيقيان لوالدهما.

كنا ننوي أن نطيل الزيارة، ولكن كان ذلك من باب المستحيلات، بسبب صوت التلفزيون المرتفع، وصخب الولدين، ورائحة المنزل الموبوءة، وانزعاج الزوجة التي لم تتحرك من مكانها، وارتباك الزوج، وهو يحاول أن يبرر وضع منزله وسلوك عائلته.

وبعد محاولات متعددة من صديقي تمكنا من أن "نسحب" الرجل من منزله، بعد "تشاور" طويل مع زوجته.

في المطعم الذي قصدناه، حاورته مطوّلا عن وضعه وظروفه، وفي ضوء ذلك قدمت له خطة انقاذية، غير آبه بغضبه أو بانزعاجه، لأنه بالنتيجة لا تربطني به لا مصلحة خاصة ولا عاطفة غير تلك التي تربط الناس بعضهم بالبعض الآخر.

قلت له:

- يا سيّدي، حل مشكلتك وإن بدا معقدا فهو سهل. أنت بالنتيجة لست فقيرا بل ضعيف. والوضع الذي أنت فيه بقدر ما هو مخيف بمأساويته بقدر ما هو واعد بمعطياته. ما كنت تخشى منه على التسبب بـ"خراب بيتك" قد حصل. ما كان نقطة ضعفك الأساسية لم يعد كذلك. الآن "بيتك مخروب" وبات عليك إنقاذه.

بلهفة، لفتت انتباه صديقي، سألني:

- كيف يمكنني ذلك؟ ماذا عليّ أن أفعل؟

بصدق ومسؤولية أجبته:

- عندما يعود ولداك من عملهما، اخرج معهما وتفاهما على ضبط الإنفاق المنزلي، وهذا ممكن جدا، فقد لاحظت أن الكهرباء تضيء كل أرجاء منزلك، من دون حاجة، ووفق حساباتي، فزوجتك تستهلك أربع علب دخان يوميا على الأقل، وبيتك ممتلئ بالأوساخ التي تتسبب بالأمراض وتاليا ترهق ميزانيك طبابة واستشفاء، ومن الواضح أنكم لا تأكلون مما تطهون، وأن ولديك اللذين في المنزل يعانيان صعوبات كبيرة في الدرس وتاليا فنتائجهما المدرسية متدنية جدا وتتسبب برسوبهما، وأنت استسلمت لسوء السمعة التي لحقت بك، وعليك أن تعيد الأمور إلى نصابها الحقيقي، فولدك حين سرق كان قاصرا، وعلى مدير المصرف أن يعرف أنك بريء من ذلك، أقله حتى تنظف سجلك.

توقفت عن الكلام لأشرب مياها، فتدخل وقال لي، وهو مصاب بالإحباط من نصيحتي:

- ولكن ذلك لا يكفي، فأنا عاجز عن تسديد ديوني وطردي من منزلي قد لا يتأخر.

استعدت نشاطي الكلامي وأجبته:

- أعرف ذلك، فمشكلتك ثلاثية الأضلاع. ما سبق وقلته لك هو "الضلع الأول"، وهو مسؤوليتك العاجلة جدا. وهناك الضلعان الآخران: نحن نتولى الأول وأنت تتولى الثاني.

استعاد حيوتيه، وحدّق بي منصتا، فشرحت كلامي، قائلا:

- سوف أذهب وصديقك ـ صديقي إلى كبير عائلتك، ونتعهد له بأنك تغيّرت وبأنك سوف تتحمّل مسؤوليتك تجاه سلوك زوجتك وتضبط أبناءك. وبناء عليه، سنطلب منه أن يتولى وسائر أهلك أن يوفر ما يكفي من ضمانات لك، من أجل إعادة برمجة ديونك، على أن يساعدوك بسدادها، في حال التزمت بموجباتك.

إن نجح في ما تعهّد به، يجب أن نستفيد من تجربته وننتخبه رئيسا للجمهورية اللبنانية

الآن، سوف نطلب موعدا من كبير عائلتك لنتفاهم معه على كل ذلك، فيما أنت تتوجه إلى المنزل وتتفاهم مع زوجتك على أن تكف خيرها وشرها عن أهلك وأقاربك. لا أحد يطلب منها أن تحبهم. كل المطلوب منها أن تمتنع عن التدخل بشؤونهم وشجونهم. إن لم تفعل، تبلغ أولادك بأن جزءا كبيرا من المصيبة التي أنتم فيها سببه سلوك والدتهم، وعليهم أن يختاروا إما الهبوط إلى درك جديد من الجحيم بسلوك طريق الثرثرة والنميمة والتدخل في ما لا يعنيهم، وإما الخروج من المأزق بتسكين غضب من يملك القدرة على مساعدتهم.

باهتمام علّق"

- سوف تدافع زوجتي بحدة عن نفسها وتلقي، كما هي عادتها، المسؤولية على عاتقي، فتشوّه سمعتي أمام أولادي.

ضحكت وأجبت:

- عليك أن تتحمل تبعة ضعفك ورضوخك واستسهال سبل العيش، ولكن الخوف من تبعات ذلك لا يعفيك من موجباتك الملحة، إنقاذا لأسرتك التي يتهددها الجوع والحرمان والمرض والتشرد، فـ"رب المنزل"، حتى يستحق لقبه، يجب أن يكون مسؤولا، لا أن يكون خانعا وضعيفا ومهزوما وشاكيا وباكيا ومستسلما وثرثارا.

بالكاد أكملتُ عبارتي، حتى نهض عن كرسيه، ونزع ربطة عنقه، وقال لنا، بحزم وهدوء:

- إلى العمل!

ذهب الرجل. وضع صديقي يده على كتفي، وقال لي ضاحكا:

- إن نجح في ما تعهّد به، يجب أن نستفيد من تجربته وننتخبه رئيسا للجمهورية اللبنانية.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.