تقاربت المسافات واختفت الحدود افتراضيا. كل حدث كبير في أرض ما، بات يلفح العالم برمته، بأثر فراشة تارة، أو أثر مدمِّرة تارة أخرى. أثران لا فكاك منهما، كنتيجة طبيعية للتشابك الذي خلقه عصر القرية الصغيرة الذي نعيشه منذ ما يقارب العقدين. عصر نقل البشرية من الحلم إلى الواقع، ومن النخبوية إلى الكونية، بفضل ثورة تكنولوجية، مستمرة في مفاجآتها المدهشة، أريد لها أن تكون ديمقراطية الانتشار، جنبا إلى جنب مع ثورة الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي.

فايروس كورونا، كجائحة وبائية سريعة التأثير والانتشار، ليس إلا ثمرة طبيعية لعصر مشاركة البشرية لمصائرها هذا. وكما يؤمل، سيمضي عما قريب كغيره من الأوبئة، مخلفا وراءه ملايين الضحايا، إما بسبب الوفاة وهم الأقل عددا، أو ضحايا الخسائر الاقتصادية المهولة التي تنذر بكساد عالمي خطير قادم كما يتوقع العديد من خبراء الاقتصاد. 

لكنه في هيمنته اليوم، فإن أحد أقسى النتائج التي تسبب بها بضرر شديد في العمق البشري، يكاد يوازي أضراره الأخرى، هو تعزيزه للعزلة، وهي الجانب السلبي لتجليات العولمة والانفتاح الواهي، الذي حملته في تكوينها، وعن دون قصد، التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص.

يغرق هذا العالم في عزلته، إن شفي من كورونا، يبدو شفاؤه بعيد المنال من وباء العزلة الحقيقية المتضخمة

دول ومدن وبلدات باتت معزولة عن العالم أو عن بعضها البعض. اللقاءات والمؤتمرات والاجتماعات السياسية على أعلى المستويات عُطّلت أو أرجئت. الحدود البرية والمرافئ الجوية والمائية لعدد كبير من الدول الهامة المرتبطة بأهم شرايين النقل الحيوي أغلقت. المصابون أو المشتبه بإصابتهم، يخضعون للحجر الصحي في عزلة تامة وكأنهم سجناء أو معتقلين قسريا، إن لم يؤد هذا العزل إلى وفاتهم، فسيخرجون محطمين معنويا ومنبوذين اجتماعيا إلى أجل غير مسمى، مع عودة مؤسفة لنشاط السلوك العنصري اتجاه العرق الأصفر، وامتداده إلى عدد آخر من الجنسيات مثل الإيرانيين والإيطاليين.

اليابان هي أول دولة سارعت لتطبيق آلية العمل عن بعد وقلدت خطوتها دول أخرى كثيرة. المهرجانات العالمية وكافة النشاطات الفنية والثقافية ألغيت، وفرض على أشهر مباريات النوادي الرياضية الكبرى أن تلعب بدون جمهور، كما طلب من المصلين في كافة دور العبادة الصلاة عن بعد.

أغلقت المدارس والجامعات وتعطل التعليم في عدد كبير من الدول، وبدورها فرضت بعض الدول تطبيق آلية التعليم عن بعد. فيما باتت الأسواق التجارية في معظم الدول، شبه مهجورة أو معطلة عن حركتي البيع والشراء، وخاوية من المستلزمات الغذائية والمواد الأساسية التي كدستها الأسر في بيوتها، استعدادا لعزلة غير معروفة الأمد بين جدران المنازل، وهي عزلة مشروعة لتفادي الاصابة، لكنها ستترك أثرها البالغ في العلاقات الاجتماعية، حيث لا مشاركة في مناسبات الأفراح أو العزاء، لا موائد طعام مشتركة أو حفلات للأطفال في مناسباتهم السعيدة.

من دون أن ننسى العزلة التي فرضتها الكمامة الواقية، التي تعزل الأنفاس عن هبة الاستنشاق المباشر للهواء، والقفازات المطاطية التي تحرم الفرد متعة تلمس تفاصيل الحياة وملامسة الآخر، وفي مقدمها سحر العناق والمصافحة البشرية.

هذه النتائج وغيرها العديد من حالات العزلة التي فرضها انتشار هذا الفايروس، سيزول جزء منها مع زوال السبب، لكن العديد منها راسخ ونشأ قبل انتشار هذا المرض بسنوات، وما تسبب به هذا المرض هو تعزيزها، حيث لوحظ أن معظم الأفراد حول العالم باتوا أكثر ميلا نحو خيار العزلة، وهو خيار مريح لصاحبه ظاهريا، لكنه علميا يؤشر إلى وهن الحياة المعاصرة والميل إلى التقوقع والفردانية، والهروب من النشاط الجماعي والتشاركية، وآثارها النفسية والاجتماعية بعيدة المدى.

منذ سنوات، اختار عدد كبير من الناس تطبيق آلية العمل عن بعد، في المنزل أو المقهى، بمساعدة جهاز كمبيوتر وهاتف ذكي. في الوقت ذاته، ستجد أن العديد من الأفراد الذين يجلسون وحيدين في الأماكن العامة أو الخاصة، لديهم آلاف الأصدقاء في العالم الافتراضي، لكن لا صديقا واحدا حقيقيا لهم في الواقع. 

أقسى النتائج التي تسبب بها فيروس كورونا هو تعزيزه للعزلة

وبسبب ضغوطات الحياة المتزايدة، تراجع حضور النشاطات الفنية أو الثقافية جماعيا، وبات خيار حضور فيلم أو مسرحية عبر الإنترنت والاسترخاء فوق أريكة في المنزل الأكثر جاذبية. 

كما تراجعت الزيارات الاجتماعية في الأعياد والمناسبات الخاصة، وإن حدثت بشكل نادر، ستكتشف أن الزوار يغرقون طوال فترة الزيارة في هواتفهم، كما يفعلون في المطعم أو المقهى، الذي يتجمعون فيه كحضور فيزيائي مكتظ، لكن لا حوارا يدور بينهم، كل منهم في شرنقته مستغرقا في عالم هاتفه الكوني، شأنهم شأن أفراد العائلة الواحدة الذين أصابتهم هذه العدوى بدورهم، تشاركهم هواتفهم وجباتهم على مائدة الطعام، أو جلسة الاسترخاء في غرفة المعيشة، يتبادلون الرسائل بين الأرائك في الغرفة الواحدة، أو بين غرف المنزل، كحل أكثر راحة من التواصل المباشر.

يغرق هذا العالم في عزلته أكثر وأكثر منذ سنوات، إن شفي من وباء كورونا، يبدو شفاؤه بعيد المنال من وباء العزلة الحقيقية المتضخمة، رغم كل شعارات التقارب والتواصل، الافتراضية.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.