جاءت استقالة رئيس الوزراء العراقي المكلف محمد توفيق علاوي المفاجئة لتخلط الأوراق من جديد على المستويات المحلية العربية والإقليمية، بعد أن أعلن عجزه عن تشكيل حكومة تحت وطأة ضغوطات طائفية لم يفصح عنها بوضوح، إنما حثَّ المتظاهرين على الاستمرار في تظاهرهم من أجل تحقيق مطالبهم المشروعة.

بالتأكيد، لا يمكن لأحد إصدار حكم قاطع على نجاعة وفاعلية مخطط علاوي لإصلاح الوضع في العراق طالما أنه استقال قبل توليه المنصب، لكن تنحيه أكسبه قدرا مهما من الاحترام، إذ ما جدوى أن يقبل المرء منصبا يقتضي تنازله عن مبادئه وعهوده ومشاريعه تحت وطأة قوى تتسم بالتبعية الخارجية؟

عادة، تؤدي الهزيمة في حرب أو الفشل في تحقيق مشروع تنموي أو مواجهة تهمة بالفساد أو مخالفة الدستور إلى تخلي المسؤول عن منصبه، طواعية أو قسرا، إلا أن الاستثناء لهذا العرف فهو حين يبقى المسؤول عن أي من هذه الزلات الأربع، أو عنها جميعا، متربعا على عرشه بقوة الحديد والنار، أو ربما يرفَّع إلى منصب أعلى، كأنما حقق انتصارات وأمجادا تستحق الأوسمة والنياشين. 

في الواقع، تتطلب الاستقالة شجاعة، لأنها موقف ينبع من تحمل المسؤولية عن فشل اقتصادي أو هزيمة عسكرية أو انتفاضة شعبية أو رغبة في إفساح المجال لقوى تكنوقراطية تخرج البلاد من أزماتها. 

مثلما فعل مبارك، تنحى عدد من الزعماء العرب تحت الضغوط الشعبية

هناك نخبة من الزعماء استقالوا طوعا نتيجة أحد الأسباب السابقة، وكان تنحيهم صفحة مضيئة في سجل التاريخ. نذكر بين هؤلاء رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد الذي أعلن استقالته بالأمس القريب بشكل مفاجئ، وهو الزعيم الذي نهض بماليزيا اقتصاديا خلال فترة حكمه الأولى التي استمرت 22 عاما بين 1981 ـ 2003. حارب مهاتير محمد الفساد في بلاده بشدة، فأعدم المدان دون رحمة، واستطاع مجابهة التخلف التي هيمن على شرق آسيا ليجعل ماليزيا من نمور آسيا الناهضة، مثلما فعل الرئيس لي كوان يو في بلده المجاور سنغافورة. 

أتيح لي أن أحضر خطابا ألقاه مهاتير محمد في كوالالمبور خلال قمة "المؤتمر الإسلامي" OIC عام 2003، ووجدته متحدثا بليغا، إنما ليس زعيما يلقي وعودا خلبية، بل رجلا حريصا على إقران القول بالفعل من خلال رؤيا واقعية وعملية معا. عاد مهاتير محمد لخوض خضم السياسة في عام 2018 عن عمر ناهز 92 عاما، ورغم الاحترام الذي فرضه على العالم بمواقفه المستقلة والجريئة، اختار التنحي بإرادته في 2020 بعد عامين على استلامه السلطة.

قبل حوالي أسبوعين توفي بأسباب طبيعية عن عمر يناهز 91 عاما الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، الذي حكم لمدة ثلاثة عقود وتنحى تحت ضغط الشارع المصري عقب 18 يوما من الانتفاضة بعد أن فشلت خطاباته في تهدئة الجماهير الغاضبة من استشراء الفساد والغلاء والبطالة واستبداد المخابرات واحتمال توريث ابنه السلطة، بالرغم من إنكار مبارك لفكرة التوريث. 

رفض الرئيس الراحل مغادرة مصر، ومثل أمام القضاء وهو على فراش المرض، فلم تثبت مسؤوليته عن إراقة دماء 384 شخصا خلال ثورة يناير في مصر، وبالأخص عن حادثة إفلات جمل في قلب القاهرة ليدوس المتظاهرين، فنال حكما بالبراءة. بالرغم من عدم إنكار أحد للتردي الاقتصادي والمعاشي الذي ساد البلاد في أواخر عهد مبارك، أقيمت له مراسم دفن مهيبة على المستويين الرسمي والشعبي. 

مثلما فعل مبارك، تنحى عدد من الزعماء العرب تحت الضغوط الشعبية في ما يطلق عليه اسم "الربيع العربي". من هؤلاء الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي. كذلك، اضطر الرئيس اليمني الراحل عبد الله صالح مرغما إلى التنحي قبل مصرعه بسنوات.

على نقيض ذلك، نلاحظ أن بعض الشخصيات التاريخية تشبثت بالمنصب بصورة مهووسة رغم تردي الأوضاع أو الهزيمة، منها هتلر وموسوليني وبينوشيه وشاوشيسكو وميلوشيفيتش. كل هؤلاء قضوا انتحارا أو نحرا. أما الذي كتبت له الحياة منهم، فحوكم على جرائمه ضد الإنسانية، وعوقب عليها دوليا. 

ما الذي كسبه ديكتاتور عنيد كصدام حسين حين انتهى بهزيمة مذلة طردت قواده من الكويت، ثم قتل ولداه وأعدم بعد أن تسبب في تعرض العراق للغزو وتدمير بنيته التحتية وجيشه الذي كان مهابا ذات يوم؟ 

هل كان يتوقع أحد أن يتعرض الرئيس السوداني المستبد عمر البشير للمثول أمام محكمة دولية أو محلية كمجرم حرب؟ هل هو أمر قابل للتصديق بسهولة أن أقرباء وأنصار الرئيس الجزائري بو تفليقة انتهوا في السجون عرضة للمحاسبة أمام ميزان العدالة الذي لا يرحم فاسدا أو مستغلا؟

بالمقابل، يذكر كثيرون بأسى خطاب التنحي الذي ألقاه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بعد النكسة، متحملا مسؤولية هزيمة 1967، بالرغم من أن جزءا من اللوم يقع على القوى الأمنية والإعلامية التي زينت له أوهام القدرة على تحقيق نصر سهل ومبين، وتقصير صديق عمره وقائد القوات المسلحة المشير عبد الحكيم عامر. 

يشاع أن المسيرات الهائلة التي اجتاحت الشوارع مطالبة عبد الناصر بالرجوع عن الاستقالة لم تكن عفوية، بل خطط لها مسبقا، لكن عبد الناصر عندما تراجع عن التنحي وبقي في منصبه، قام بخطوات غير مسبوقة. كان من بينها إعادة بناء القوات المسلحة، خوض حرب استنزاف، إلى جانب قبول "مبادرة روجرز للسلام" التي طرحتها الولايات المتحدة في عام 1970، لولا أن القدر لم يمهله الوقت الكافي لحصد النتائج، فتوفي بسكتة قلبية في 28 أيلول 1970 عن عمر لم يتجاوز 52 سنة. 

وصف كثيرون جمال عبد الناصر بأنه جمع بين شخصية الديكتاتور المستبد، الذي اعتمد أسلوب القمع المخابراتي لإسكات معارضيه وارتكب أخطاء فادحة في سوء التقدير، وبين الزعيم الوطني المحبوب ذي النوايا الحسنة، الذي قاوم الاستعمار والرجعية وسعى إلى تحقيق الأحلام القومية المنشودة. يبقى خطاب التنحي الذي أبكى الملايين ـ وإن رجع عن قراره بعده وبقي في الحكم ـ إحدى العلامات المشرقة في تاريخ عبد الناصر الشخصي.

ما الذي كسبه ديكتاتور عنيد كصدام حسين حين انتهى بهزيمة مذلة؟

يذكر التاريخ الحديث أيضا أن الرئيس الباكستاني الأسبق برفيز مشرف، حين احتدمت ضده تظاهرات ضخمة عقب إقالته رئيس المحكمة العليا، ثم حين اغتيلت بنازير بوتو في ظروف غامضة، اختار عدم اللجوء إلى القوة العسكرية لقمع المتظاهرين. وبالرغم من إنجازات مشرف في محاربة الإرهاب، النهوض بالتعليم العالي، تحسين الاقتصاد وإكمال البرلمان الباكستاني لفترته كاملة، قرر بملء اختياره وإرادته أن يعلن تنحيه عن المنصب، مما شكل مفاجأة لأعدائه وأنصاره معا. 

لا شك أن استقالة مشرف حقنت الدماء، وكانت خطوة هدفت إلى ضمان أمن واستقرار باكستان. لكن، بالرغم من أنه لم توجه إلى مشرف من قبل خصمه اللدود الرئيس الأسبق زرداري اتهامات ذات شأن، ما لبث أن تعرض في عهد تالٍ بعد مرور دزينة من السنوات، وبينما هو طريح الفراش في منفاه بدبي، إلى إدانته بتهمة الخيانة العظمى لأنه فرض قانون الطوارئ شهرا واحدا.

يذكر التاريخ أن الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول، البطل الممجد بصموده في وجه الغزو النازي ورفضه الاستسلام، عندما انقسم رأي الشعب حوله عبر استفتاء نزيه بنسبة زادت زيادة طفيفة جدا عن النصف، فاجأ الجميع بأن اختار طوعا التنحي عن منصبه حفاظا على مبادئ الديمقراطية. 

يذكر التاريخ أيضا استقالة رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن بعد كذبه على ملكة بريطانيا والنتائج السلبية التي نجمت عن توريطه بلده في "حرب السويس". أما الرئيس الأميركي الوحيد الذي استثناه الكونغرس ليتجاوز الفترتين الرئاسيتين اللتين نصَّ عليهما الدستور، فكان الرئيس فرانكلين د. روزفلت. استمر روزفلت في الحكم فترة رئاسية ثالثة في 1940 بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، ثم فاز بالانتخابات مرة رابعة في عام 1944، لكنه توفي قبل أن يكمل سنواتها الأربع. يبقى السؤال قائما: هل تشكل الاستقالة هزيمة، أم أنها انتصار يكفل لصاحبه طيب الذكر؟

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.