يرى كثير من المحللين للشؤون الأميركية خصوصا، والغربية بشكل عام، أنها تشهد استقطابا تاريخيا غير مسبوق من داخل الولايات المتحدة، حيث تواجه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نقدا لاذعا من قبل النخب السياسية والثقافية. 

لنأخذ مثلا كتاب بيتر بيرغن (Peter Bergen) الأخير " ترامب وجنرالاته" (أTrump and His Generals, 2019) والذي يفصل فيه استثنائية هذه الإدارة بل حتى عبثيتها في الكثير من الأمور التي طالت الأمن الوطني نفسه. هذا الكتاب جزء من سيل من الكتب النقدية للإدارة الأميركية الحالية، وأسهمت في إظهار معلومات مسربة من داخل فريق ترامب، والتي تتصف جميعها بنقدها الحاد واللاذع لكل ما تقوم به هذه الإدارة. 

ولنأخذ أيضا مثالا من البرامج الترفيهية اليومية مثل برنامج ستيفن كولبير "ذا لايت شو" (Stephen Collbert, The Late Show) والذي يستهزئ فيه من سياسات الرئيس ليلة بعد أخرى وبلا هوادة. 

هذا ودون أن نشير إلى أعضاء وعضوات الكونغرس ومجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي المعارض بمن فيهم نانسي بيلوسي (Nancy Pelosi) رئيسة مجلس النواب الأميركي، والتي قامت الشهر الماضي بتمزيق خطاب الرئيس الأميركي أثناء مراسم إلقائه خطاب حالة الاتحاد... إلخ.

إن الحريات التي يتمتع بها الغرب تبدأ كما هو معلوم منذ الطفولة داخل مؤسسة حرة هي الأسرة

السؤال الذي يفرض نفسه علينا هنا هو: لما لا تؤدي هذه الخلافات المستميتة لعنف في الشارع شبيهة لما تشهده بلداننا؟ لماذا يقلّ أن نجد في معظم بلدان العالم الإسلامي، بسكانه المليار ونصف المليار، مثقفا أو سياسيا معارضا مهما كانت مكانته بإمكانه انتقاد أفعال الرئيس بهذه الحدة والعلنية ويبقى حرا طليقا على قيد الحياة بل ويستمر في نجاحه المهني بكل أمان وبلا خوف ليعاود الانتقاد في اليوم التالي؟ 

في الواقع، ومن دون أن نبالغ، هل يوجد بلد واحد خارج البلاد الغربية، سواء في آسيا أو أفريقيا، ومن الصين إلى روسيا، يحمي ويضمن حرية الفكر والتعبير عن الرأي وانتقاد كل جانب من جوانب السلطة لهذه الدرجة مهما كانت منقوصة؟ الجواب في المحصلة هو لا. والسؤال الملح هو: لماذا؟

شعوبنا دون شك تصبوا لهذه الحريات، وتحلم بها ليلا نهارا، بل وانتفضت لتحقيقها كما هو معلوم في تونس ومصر وسوريا واليمن والعراق والسودان والجزائر وغيرها من دول المنطقة، لكن ولسوء الحظ سرعان ما انقلبت الاختلافات السياسية إلى حمام دم وانقلابات عسكرية وأزمات عالمية مع نزوح ثلاثة عشر مليونا ما بين هجرة خارجية وهجرة داخلية خلال الحرب في سوريا وحدها إلى جانب ما شهدته العديد من البلدان من القتل والدمار للأوطان.

قبل الربيع العربي، كان العالم العربي يتصدر قائمة الدول الأقل حرية في العالم حسب تقارير "فريدوم هاوس"، مركز البحوث المعني بدراسة سقف الحريات في العالم. ولعل المثير للجدل أن هذه الحريات منذ الربيع العربي تقلصت بنسب أكبر حيث تقوم الكثير من دول المنطقة بإسكات بل وتعذيب وقتل كل من تسول له نفسه قول كلمة حق، كما حدث مع الكاتب السعودي جمال خاشقجي أو في اعتقال أول رئيس منتخب في مصر مهما كان الاختلاف معه.

لكن ما دامت الحرية الفكرية مستمرة في جزء من المعمورة على الأقل فذلك يعني أنه لا زال هنالك أمل للإنسانية يمكنها أن تتقاسمه. فالحرية الفكرية هي جذر الإبداع الفردي والجماعي ومنها جاءت الاختراعات المذهلة في الأفكار والتكنولوجيا والطب وفي جميع المجالات التي يمكن تصورها. 

ولعل هذا الادراك قد حفز أحد المشاركين للكتابة ساخرا على مواقع التواصل الاجتماعي: "يا ريت الأوقاف تعمم على المساجد يوقفوا الدعاء على الكفار بالهلاك هاي الفترة وتحاول تدعيلهم بالتوفيق لحد ما يلاقونا علاج للكورونا". ورغم أن هذه الدول والمفاهيم نفسها ما تزال بحاجة لمزيد من التطوير والإصلاح لأن التطور النقدي جزء من طبيعتها الذاتية إلا انه ومما لا شك فيه أن هذا الإصلاح لن يأتي إلا عبر طريق الحرية والسلمية.

شعوبنا دون شك تصبوا لهذه الحريات، وتحلم بها ليلا نهارا، بل وانتفضت لتحقيقها

يوجد خير وشر في كل مكان في العالم. ويوجد رجال ساسة يستغلون مناصبهم لمصالحهم الشخصية في كل مكان أيضا. لكن وجود هذا السقف العالي من النقد والحرية لا يزال الغرب موطنها شبه الحصري في عالمنا اليوم. فما الذي نستطيع القيام به في هذا المجال كأفراد ومجتمعات تحلم بمستقبل أفضل لأوطاننا؟ كيف نزرع اليوم بذور هذه الحريات؟ كيف نبدأ برفع سقف الاختلاف السلمي وحرية التعبير في مجتمعاتنا؟ هل نستطيع أن نكون مختلفين بداية داخل أسرنا، في شركاتنا، في مجتمعاتنا دون الخوف على أروحنا، هذا قبل أن نحلم بمجتمع سياسي حر؟ هل نستطيع أن نكون أسرا يستطيع فيها الضعيف أن يخالف دون الخوف من العقاب؟ فقط حينما نتقبل حرية الاختلاف في وسطنا الصغير على هذه الشاكلة سنستطيع ربما أن ننجزها في أوساطنا السياسية.

إن الحريات التي يتمتع بها الغرب تبدأ كما هو معلوم منذ الطفولة داخل مؤسسة حرة هي الأسرة. الحرية مفهوم متكامل ولكي نعيشها نحن بحاجة لأن نربي أولادنا على قدسية حق الاختلاف وبحاجة أن تشمل مناهجنا الدراسية حق الاختلاف بدون الخوف من العنف. فقط عندما تصبح هذه المبادئ جزء من منظومتنا التعليمية والاجتماعية نستطيع واقعيا أن نحلم أنها قد تصبح يوما ما جزء فعليا من واقعنا السياسي. فما الذي ستفعله اليوم لتساهم في خلق مستقبل أكثر سلما؟

من المهم والضروري نقد الغرب، لكن في نفس الوقت من المهم والضروري دراسة الآليات التي يقوم عليها الغرب وخاصة سياسته الداخلية للاستفادة من كيفية استنبات فكرة الحريات والمحافظة عليها ورعايتها، لأن هذه الحريات هي أولا وآخرا نقطة البداية.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.