في مقابلته الإعلامية الأخيرة، لم ينكر رئيس النظام السوري إمكانية حل المسألة الكردية في سوريا فحسب، من خلال اعتبارها قضية مختلقة، بل ذهب إلى التشكيك بجذر شريعة الوجود الجغرافي والديموغرافي الكردي في سوريا، حينما استعاد عبارات من القاموس الوطني/القومي الأكثر فاشية في قراءته لجذر هذه المسألة في البلاد: "في سوريا أخذوا الجنسية، وهم لم يكونوا سوريين بالأساس".
يدخل تصريح الأسد الأخير في إطار التصعيد السياسي الذي يمارسه على أكثر من مستوى، في ظلال التقدم العسكري الذي تنجزه قواته المسلحة. فهو يستبق أي ضغوط روسية متوقعة قد تجبره على مفاوضة قوات سوريا الديمقراطية، عسكريا وسياسيا. كذلك فإنها أتت بمثابة رسالة واضحة لتركيا، وإمكانية عقد صفقة شاملة معها، من خلال الاستجابة لمخاوفها من تنامي المسألة الكردية في سوريا.
لكن أبعد من كل ذلك، فإن تصريح الأسد يستند وينبع من تراث خطابي وأيديولوجي وثقافي شديد العمق في الوعي والسلوك السياسي السوري، شرعته واستخدمته واستندت إليه مختلف القوى السياسية السورية، طوال تاريخها المعاصر. حيث كانت المسألة الكردية ومواقف القوى السياسية منها، في أبعادها السياسية والثقافية والأيديولوجية، واحدة من أهم الدلالات والأدوات والمعايير لفهم طبيعة تلك القوى السياسية السورية، منذ قرابة قرن من زمان وحتى الآن.
فرئيس النظام السوري، إلى جانب مراميه السياسية في مثل تلك التصريحات، فإنه يستند إلى تكوين نفسي وثقافي وأيديولوجي قومي عربي بعثي. ويرى في سوريا كيانا ومجتمعا عربيا فحسب. لم تكن العروبة في الوعي البعثي مجرد خطاب رمزي أو أداة تنظيمية لتشكيل قوة سياسية قادرة على حكم البلاد، بل كانت العروبة البعثية أداة لتغيير طبيعية الأشياء في المناطق التي حكمتها. حتى أكثر الأشياء جذرية، مثل التنوع الديموغرافي والثقافي واللغوي. فالبعث هو بمعنى ما ديناميكية كبرى لشرعنة الهندسة الديموغرافية والهوياتية، أيا كانت الآلام والجرائم التي قد تنتج عنها.
طوال أكثر من نصف قرن، حرص البعث السوري لأن يرسخ مفاهيمه ووعيه ومنطقه في المجتمع السوري، مستخدما مختلف أدوات القوة في الدولة السورية، المالية والمؤسساتية والأمنية والتربوية.
لا تنفع مجموع الادعاءات التي تقول بأن النظام السوري كان طائفيا وعسكريا فحسب، وبأن حزب البعث كان مجرد أداة في يده، خصوصا بعد الصراع الشهير الذي حدث في قمة النظام السياسي عام 1966.
ففي المحصلة، وحينما ظل ملايين السوريين، بالذات منهم أبناء الفئات العمرية الأصغر عمرا، يخضعون طوال عشرات السنوات، وبشكل تنظيمي محكم يغطي مختلف مجالات الحياة والمتن العام، لبرنامج وخطابات ومنطق حزب البعث القومي؛ ما أحدث دون شك تأثيرا عميقا على الذات الثقافية والمنطق السياسي لأغلبية الخاضعين لمثل ذلك البرامج البعثي الذي استمر لعقود. صارت معه أغلبية واضحة من تلك الملايين متقبلة للخطابات القومية/الفاشية، مثل التي صرح بها الأسد في مقابلته الأخيرة، على الأقل، ويُطربون ويأزرونها على الأكثر.
إلى جانب البعث، شكلت نظرية وأيديولوجية الحزب السوري القومي الاجتماعي ترسانة سياسية لأبناء الطبقات الاجتماعية المدينية الوسطى والعليا، خصوصا من أبناء "الأقليات" الدينية والطائفية السورية.
كانت الذات السورية القومية الاجتماعية متخمة بهوس إعادة التشكيل الجغرافي لسوريا الكبرى، من خلال إعادة التصميم المجتمعي للمكونات الداخلية لهذه الكتلة الجغرافية، الضخمة والمتخيلة، أيا كانت الكوارث والآلام التي يمكن أن تنتج عن ذلك، فكل شيء يمكن أن يُقبل ويهون في سبيل إنجاز "سوريا الكبرى" المتخيلة، التي كانت وما تزال في رؤيتهم مجرد تقليد ونموذج محلي لـ"صروح" الفاشية والنازية.
كان القوميون السوريون يظهرون عداء واضحا ومباشرا لليهود، تعبيرا عن الفاشية اللاسامية التي كانوا يتبنوها على الدوام. لكنهم حكروا فاشيتهم تلك في اليهود فحسب، فقط لأن الأكراد كانوا غير مرئيين بالنسبة لهم، في الأزمنة التي شيدوا فيها أساطيرهم التأسيسية. فالأكراد بعيدون جغرافيا عن المناطق والمدن التي انبعثت منها النواة التأسيسية للسورية القومية الاجتماعية، وكانوا محطمين سياسيا في تلك الأوقات، لذلك لم ينلهم أية فاشية خطابية وسياسية مباشرة.
لم يكن اليهود مجرد أعداء وظيفيين وأيديولوجيين مباشرين للقوميين السوريين الاجتماعيين، بل نالوا تلك المكانة لأنهم كانوا جماعة أهلية ذات مشروع سياسي مضاد لما كان يتبناه القوميون السوريون الاجتماعيون من مشاريع أيديولوجية وسياسية. وهو أمر أحال كل جماعة أهلية وذات سياسية ضمن جغرافيا "سوريا الكبرى" تملك مشروعا سياسيا مناهضا لمخيلة القوميين السوريين الاجتماعيين، أحالهم لأن يشغلوا نفس المساحة التي شغلها اليهود في أدبياتهم ومنطقهم واستراتيجياتهم السياسية الفاشية.
كان القوميون السوريون الاجتماعيون يطابقون البعث في خيارهم السياسي في ذلك الاتجاه، وربما يبزونهم حماسة وثقة بالذات، مع فارق أن الحياة لم تمنحهم فرصة أن ينجحوا في الانقلابات العسكرية، ويهيمنوا على دولة ما. لكن ذلك لم يحل دون تهيئتهم الثقافية والروحية والأيديولوجية لمؤمنين بهم، ليكونوا جاهزين لتقبل ومؤازرة الخطابات التي مثل تصريحات الأسد الأخيرة.
الشيوعيون السوريون، وفي مختلف مراحل نشاطهم السياسي، ظلوا يعتبرون أنه في سوريا ثمة مستويين من النضال فحسب، واحد داخلي ذو هوية طبقية مطلقة، بين فقراء وأغنياء البلاد، وآخر خارجي، قائم على مناهضة الإمبريالية والقوى العظمى.
شكلت الحركة القومية الكردية في سوريا مضادا نوعيا ومباشرا للحزب الشيوعي السوري بمختلف تنظيماته السياسية. فغير أن هذه الحركة كانت تصارع الحزب الشيوعي السوري على نفس القواعد الاجتماعية، واستطاعت خلال فترة وجيزة في عقد الستينيات أن تحرز على ولاء الغالب الأعم من القواعد الاجتماعية الكردية السورية التي كانت توالي الحزب الشيوعي السوري قبل ذلك، إلى جانب ذلك، فإن الحركة السياسية والمسألة الكردية كانت تحطم أساس الديناميكية السياسية للشيوعين السوريين.
إذ كانت نوعية المسألة الكردية تقول بأن جوهر الصراع الداخلي في البلاد هو بين التكوينات الأهلية، القومية منها بالذات، وأن الصراع الطبقية ليس معطى مطلقا كما ظل الشيوعيون السوريين يجهدون لتكريسه طوال عقود. كذلك فإن المسألة الكردية ظلت طوال عقود تقول بأن الخطابات والصراعات العظمى إنما هي أداة للمخادعة وتزييف القضية الجوهرية في منطقتنا، لتحويرها من صراع داخلي بين القوى المحلية والإقليمية، ليكون صراعا متخيلا مع "القوى الإمبريالية".
طوال تاريخه السياسي، ظل الحزب الشيوعي السوري يعتبر الحركة القومية الكردية ندا مطلقا له، ولم يتوقف عن اتهامها بالرجعية والتبعية والارتباط بالقوى الدولية، وهو في مناهضته للحركة القومية الكردية إنما كان بمعنى ما يُميع المسألة الكردية في مختلف أبعادها، يعتبرها زائفة ومختلقة، مثل ردد الأسد في مقابلته الأخيرة.
لم يكن موقف الحزب الشيوعي السوري طوال عقود من الأكراد السوريين يتجاوز المطالبة بمنح الجنسية للمجردين منها، دون أي "نضال" في سبيل استحواذهم على باقي حقوقهم الطبيعية، بما في ذلك حقوقهم الثقافية، لأن الشيوعي السوري ظل يعتقد بأن أي مساحة للحقوق والحريات للجماعة الأهلية الكردية إنما ستكون على حساب خروج باقي القواعد الاجتماعية الكردية السورية، المستمرة في ولائها للحزب الشيوعي، من سلطة وخطاب الحزب.
الإسلام السياسي السوري، بالذات منه جماعة الإخوان المسلمين السورية واستطالاتها، وضمن وعيها التقليدي لما تعتبره "تحالفا للأقليات" السورية، المناهض للعرب السنة في البلاد، حسب وعيها، كانت تعتبر الأكراد السوريين في غير دفتها على الدوام.
تستند نخب الإسلام السياسي السوري على كمية من الأمثلة والنماذج، تعتبر فيها أن طبيعة النزعة القومية الكردية إنما تناهض الإسلام السياسي، وأنها في طبيعتها التكوينية تنزاح للقيم والخيارات المدنية اجتماعيا والعلمانية سياسيا.
في ظلال ذلك الخطاب، فإن الإسلام السياسي السوري كان يخلط بوعي بين الأكراد كجماعة قومية وبين الحركة السياسية الكردية، من خلال اعتبار الحركة القومية الكردية ممثلا حقيقيا للمجتمع الكردي.
ظهر ذلك جليا في المناطق التي تمكن فيها الإسلام السياسي السوري من الحكم والهيمنة في مراحل الثورة السورية، حيث تعرضت المجتمعات الكردية السورية لأشكال من الفاشيات السياسية والثقافية، من خلال اتهامهم الجماعي بالإلحاد، شيء لم يشهده الكرد السوريون حتى في أعتى أزمنة البعث قومية.
إذا كان الإسلام السياسي يتهم القوى الإسلامية الأكثر تطرفا بفعل ذلك، فإن تلك القوى المتطرفة انبعثت من عباءة ذلك الإسلام الإخواني الذي يدعي "الوسطية". ووفر الإسلام السياسي الإخواني لها ذلك، من خلال ثنائية التحالف والتوأمة مع النظام السياسي التركي، المناهض المطلق للأكراد السوريين، كذلك من خلال منع قوى المعارضة السورية من خطّ أية رؤية للمسألة الكردية في البلاد، حاضرا ومستقبلا.
في سوريا اليوم، ثمة الكثير من التيارات والقوى السياسية التي تناهض رئيس النظام السوري سياسيا، لكنها بعمق ما تتطابق معه في جوهر وعيها وتطلعاتها. ولأجل ذلك بالضبط، فإن أي تغير مستقبلي في سوريا، إن لم تترافق معه تبدلات في جوهر مواقف هذه القوى من المسائل السورية الحساسة، مثل المسألة الكردية وقضية الأقليات وحقوق النساء وموقع ودور سوريا الإقليمي وخيارات البلاد في المسائل الإقليمية، فإنه سيكون تغيرا في صورة النظام لا جذره، وحيث دائما، يمكن لشهاب الدين أن يكون أسوأ من أخيه.

