في مقابلته الإعلامية الأخيرة، لم ينكر رئيس النظام السوري إمكانية حل المسألة الكردية في سوريا فحسب، من خلال اعتبارها قضية مختلقة، بل ذهب إلى التشكيك بجذر شريعة الوجود الجغرافي والديموغرافي الكردي في سوريا، حينما استعاد عبارات من القاموس الوطني/القومي الأكثر فاشية في قراءته لجذر هذه المسألة في البلاد: "في سوريا أخذوا الجنسية، وهم لم يكونوا سوريين بالأساس".

يدخل تصريح الأسد الأخير في إطار التصعيد السياسي الذي يمارسه على أكثر من مستوى، في ظلال التقدم العسكري الذي تنجزه قواته المسلحة. فهو يستبق أي ضغوط روسية متوقعة قد تجبره على مفاوضة قوات سوريا الديمقراطية، عسكريا وسياسيا. كذلك فإنها أتت بمثابة رسالة واضحة لتركيا، وإمكانية عقد صفقة شاملة معها، من خلال الاستجابة لمخاوفها من تنامي المسألة الكردية في سوريا.

لكن أبعد من كل ذلك، فإن تصريح الأسد يستند وينبع من تراث خطابي وأيديولوجي وثقافي شديد العمق في الوعي والسلوك السياسي السوري، شرعته واستخدمته واستندت إليه مختلف القوى السياسية السورية، طوال تاريخها المعاصر. حيث كانت المسألة الكردية ومواقف القوى السياسية منها، في أبعادها السياسية والثقافية والأيديولوجية، واحدة من أهم الدلالات والأدوات والمعايير لفهم طبيعة تلك القوى السياسية السورية، منذ قرابة قرن من زمان وحتى الآن.

يظهر القوميون السوريون عداء واضحا ومباشرا لليهود، تعبيرا عن الفاشية اللاسامية التي يتبنوها

فرئيس النظام السوري، إلى جانب مراميه السياسية في مثل تلك التصريحات، فإنه يستند إلى تكوين نفسي وثقافي وأيديولوجي قومي عربي بعثي. ويرى في سوريا كيانا ومجتمعا عربيا فحسب. لم تكن العروبة في الوعي البعثي مجرد خطاب رمزي أو أداة تنظيمية لتشكيل قوة سياسية قادرة على حكم البلاد، بل كانت العروبة البعثية أداة لتغيير طبيعية الأشياء في المناطق التي حكمتها. حتى أكثر الأشياء جذرية، مثل التنوع الديموغرافي والثقافي واللغوي. فالبعث هو بمعنى ما ديناميكية كبرى لشرعنة الهندسة الديموغرافية والهوياتية، أيا كانت الآلام والجرائم التي قد تنتج عنها.

طوال أكثر من نصف قرن، حرص البعث السوري لأن يرسخ مفاهيمه ووعيه ومنطقه في المجتمع السوري، مستخدما مختلف أدوات القوة في الدولة السورية، المالية والمؤسساتية والأمنية والتربوية.

لا تنفع مجموع الادعاءات التي تقول بأن النظام السوري كان طائفيا وعسكريا فحسب، وبأن حزب البعث كان مجرد أداة في يده، خصوصا بعد الصراع الشهير الذي حدث في قمة النظام السياسي عام 1966. 

ففي المحصلة، وحينما ظل ملايين السوريين، بالذات منهم أبناء الفئات العمرية الأصغر عمرا، يخضعون طوال عشرات السنوات، وبشكل تنظيمي محكم يغطي مختلف مجالات الحياة والمتن العام، لبرنامج وخطابات ومنطق حزب البعث القومي؛ ما أحدث دون شك تأثيرا عميقا على الذات الثقافية والمنطق السياسي لأغلبية الخاضعين لمثل ذلك البرامج البعثي الذي استمر لعقود. صارت معه أغلبية واضحة من تلك الملايين متقبلة للخطابات القومية/الفاشية، مثل التي صرح بها الأسد في مقابلته الأخيرة، على الأقل، ويُطربون ويأزرونها على الأكثر.

إلى جانب البعث، شكلت نظرية وأيديولوجية الحزب السوري القومي الاجتماعي ترسانة سياسية لأبناء الطبقات الاجتماعية المدينية الوسطى والعليا، خصوصا من أبناء "الأقليات" الدينية والطائفية السورية. 

كانت الذات السورية القومية الاجتماعية متخمة بهوس إعادة التشكيل الجغرافي لسوريا الكبرى، من خلال إعادة التصميم المجتمعي للمكونات الداخلية لهذه الكتلة الجغرافية، الضخمة والمتخيلة، أيا كانت الكوارث والآلام التي يمكن أن تنتج عن ذلك، فكل شيء يمكن أن يُقبل ويهون في سبيل إنجاز "سوريا الكبرى" المتخيلة، التي كانت وما تزال في رؤيتهم مجرد تقليد ونموذج محلي لـ"صروح" الفاشية والنازية.

كانت العروبة البعثية أداة لتغيير طبيعية الأشياء في المناطق التي حكمتها

كان القوميون السوريون يظهرون عداء واضحا ومباشرا لليهود، تعبيرا عن الفاشية اللاسامية التي كانوا يتبنوها على الدوام. لكنهم حكروا فاشيتهم تلك في اليهود فحسب، فقط لأن الأكراد كانوا غير مرئيين بالنسبة لهم، في الأزمنة التي شيدوا فيها أساطيرهم التأسيسية. فالأكراد بعيدون جغرافيا عن المناطق والمدن التي انبعثت منها النواة التأسيسية للسورية القومية الاجتماعية، وكانوا محطمين سياسيا في تلك الأوقات، لذلك لم ينلهم أية فاشية خطابية وسياسية مباشرة.

لم يكن اليهود مجرد أعداء وظيفيين وأيديولوجيين مباشرين للقوميين السوريين الاجتماعيين، بل نالوا تلك المكانة لأنهم كانوا جماعة أهلية ذات مشروع سياسي مضاد لما كان يتبناه القوميون السوريون الاجتماعيون من مشاريع أيديولوجية وسياسية. وهو أمر أحال كل جماعة أهلية وذات سياسية ضمن جغرافيا "سوريا الكبرى" تملك مشروعا سياسيا مناهضا لمخيلة القوميين السوريين الاجتماعيين، أحالهم لأن يشغلوا نفس المساحة التي شغلها اليهود في أدبياتهم ومنطقهم واستراتيجياتهم السياسية الفاشية.

كان القوميون السوريون الاجتماعيون يطابقون البعث في خيارهم السياسي في ذلك الاتجاه، وربما يبزونهم حماسة وثقة بالذات، مع فارق أن الحياة لم تمنحهم فرصة أن ينجحوا في الانقلابات العسكرية، ويهيمنوا على دولة ما. لكن ذلك لم يحل دون تهيئتهم الثقافية والروحية والأيديولوجية لمؤمنين بهم، ليكونوا جاهزين لتقبل ومؤازرة الخطابات التي مثل تصريحات الأسد الأخيرة.

الشيوعيون السوريون، وفي مختلف مراحل نشاطهم السياسي، ظلوا يعتبرون أنه في سوريا ثمة مستويين من النضال فحسب، واحد داخلي ذو هوية طبقية مطلقة، بين فقراء وأغنياء البلاد، وآخر خارجي، قائم على مناهضة الإمبريالية والقوى العظمى.

شكلت الحركة القومية الكردية في سوريا مضادا نوعيا ومباشرا للحزب الشيوعي السوري بمختلف تنظيماته السياسية. فغير أن هذه الحركة كانت تصارع الحزب الشيوعي السوري على نفس القواعد الاجتماعية، واستطاعت خلال فترة وجيزة في عقد الستينيات أن تحرز على ولاء الغالب الأعم من القواعد الاجتماعية الكردية السورية التي كانت توالي الحزب الشيوعي السوري قبل ذلك، إلى جانب ذلك، فإن الحركة السياسية والمسألة الكردية كانت تحطم أساس الديناميكية السياسية للشيوعين السوريين.

إذ كانت نوعية المسألة الكردية تقول بأن جوهر الصراع الداخلي في البلاد هو بين التكوينات الأهلية، القومية منها بالذات، وأن الصراع الطبقية ليس معطى مطلقا كما ظل الشيوعيون السوريين يجهدون لتكريسه طوال عقود. كذلك فإن المسألة الكردية ظلت طوال عقود تقول بأن الخطابات والصراعات العظمى إنما هي أداة للمخادعة وتزييف القضية الجوهرية في منطقتنا، لتحويرها من صراع داخلي بين القوى المحلية والإقليمية، ليكون صراعا متخيلا مع "القوى الإمبريالية".

الإسلام السياسي السوري يخلط بوعي بين الأكراد كجماعة قومية وبين الحركة السياسية الكردية

طوال تاريخه السياسي، ظل الحزب الشيوعي السوري يعتبر الحركة القومية الكردية ندا مطلقا له، ولم يتوقف عن اتهامها بالرجعية والتبعية والارتباط بالقوى الدولية، وهو في مناهضته للحركة القومية الكردية إنما كان بمعنى ما يُميع المسألة الكردية في مختلف أبعادها، يعتبرها زائفة ومختلقة، مثل ردد الأسد في مقابلته الأخيرة.

لم يكن موقف الحزب الشيوعي السوري طوال عقود من الأكراد السوريين يتجاوز المطالبة بمنح الجنسية للمجردين منها، دون أي "نضال" في سبيل استحواذهم على باقي حقوقهم الطبيعية، بما في ذلك حقوقهم الثقافية، لأن الشيوعي السوري ظل يعتقد بأن أي مساحة للحقوق والحريات للجماعة الأهلية الكردية إنما ستكون على حساب خروج باقي القواعد الاجتماعية الكردية السورية، المستمرة في ولائها للحزب الشيوعي، من سلطة وخطاب الحزب.

الإسلام السياسي السوري، بالذات منه جماعة الإخوان المسلمين السورية واستطالاتها، وضمن وعيها التقليدي لما تعتبره "تحالفا للأقليات" السورية، المناهض للعرب السنة في البلاد، حسب وعيها، كانت تعتبر الأكراد السوريين في غير دفتها على الدوام.

تستند نخب الإسلام السياسي السوري على كمية من الأمثلة والنماذج، تعتبر فيها أن طبيعة النزعة القومية الكردية إنما تناهض الإسلام السياسي، وأنها في طبيعتها التكوينية تنزاح للقيم والخيارات المدنية اجتماعيا والعلمانية سياسيا.

في ظلال ذلك الخطاب، فإن الإسلام السياسي السوري كان يخلط بوعي بين الأكراد كجماعة قومية وبين الحركة السياسية الكردية، من خلال اعتبار الحركة القومية الكردية ممثلا حقيقيا للمجتمع الكردي. 

الحزب الشيوعي السوري يعتبر الحركة القومية الكردية ندا مطلقا له

ظهر ذلك جليا في المناطق التي تمكن فيها الإسلام السياسي السوري من الحكم والهيمنة في مراحل الثورة السورية، حيث تعرضت المجتمعات الكردية السورية لأشكال من الفاشيات السياسية والثقافية، من خلال اتهامهم الجماعي بالإلحاد، شيء لم يشهده الكرد السوريون حتى في أعتى أزمنة البعث قومية.

إذا كان الإسلام السياسي يتهم القوى الإسلامية الأكثر تطرفا بفعل ذلك، فإن تلك القوى المتطرفة انبعثت من عباءة ذلك الإسلام الإخواني الذي يدعي "الوسطية". ووفر الإسلام السياسي الإخواني لها ذلك، من خلال ثنائية التحالف والتوأمة مع النظام السياسي التركي، المناهض المطلق للأكراد السوريين، كذلك من خلال منع قوى المعارضة السورية من خطّ أية رؤية للمسألة الكردية في البلاد، حاضرا ومستقبلا.

في سوريا اليوم، ثمة الكثير من التيارات والقوى السياسية التي تناهض رئيس النظام السوري سياسيا، لكنها بعمق ما تتطابق معه في جوهر وعيها وتطلعاتها. ولأجل ذلك بالضبط، فإن أي تغير مستقبلي في سوريا، إن لم تترافق معه تبدلات في جوهر مواقف هذه القوى من المسائل السورية الحساسة، مثل المسألة الكردية وقضية الأقليات وحقوق النساء وموقع ودور سوريا الإقليمي وخيارات البلاد في المسائل الإقليمية، فإنه سيكون تغيرا في صورة النظام لا جذره، وحيث دائما، يمكن لشهاب الدين أن يكون أسوأ من أخيه.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.