537649 4

حسن منيمنة/

لا شك أن وباء "كوڤيد 19"، والذي يتسبب به فيروس كورونا المستجد للعام 2019، قد أوجد أزمة صحية عالمية لا تزال ملامح احتوائها طبيا وسلوكيا غير واضحة بعد. ولا شك كذلك، فيما يتعدى ذلك، أنه قد برزت ورطة اقتصادية واجتماعية متفاقمة عائدة إلى الوباء بحد ذاته بقدر، وإلى محاولات تطويقه وتجنب انتشاره بأقدار.

وإذا كان البعض، في أوساط المواطنين العاديين كما في دوائر المسؤولين، لا يزال إلى اليوم في حالة إنكار إزاء الخطر وتأرجح في اعتبار أساليب معالجته، فإن التوجه العام في أكثر من سياق هو إلى افتراض الأسوأ، والتعاطي مع الظاهرة من منطلق أنه من شأنها تقويض الحياة كما يعرفها العالم اليوم.

ردود الفعل المتراوحة من التهويل إلى التهوين، ورمن رفع الحدث على أنه إشعار بحلول الآخرة، إلى تخفيضه واعتباره فقاعة إعلامية، ليست حصرا على هذا الوباء، بل هي قد لازمت الحالات المتتالية على مدى العقود الماضية.

تاريخ الإنسانية حافل بترقب النهاية. وهذا الترقب كاد أن يكون محصورا بالقناعات الدينية. للساعة في الموروث الإسلامي أشراط وأمارات، صغرى وكبرى، بعضها متفق عليه وأكثرها من أخبار الآحاد والإسرائيليات والأحاديث الموضوعة. غير أن الاعتقاد بظهور المهدي وما يسبقه ويلحقه من الملاحم والفتن، توسع مع توالي القرون من أصوله لدى بعض الفرق ليصبح مادة مشتركة لعموم التوجهات الإسلامية، وإن اختلفت بالتفاصيل.

المسألة كانت ولا تزال الموازنة الغائبة بين الهمّ والمهم

 آخر كتب العهد الجديد، سفر الرؤيا، شكل المادة الأولى التي أقامت على أساساها العديد من المذاهب المسيحية تصورات حول "الألفية"، أي تسلسل الوقائع المرتقبة التي تتضمن عودة المسيح ومحنة المؤمنين وصولا إلى القيامة ونهاية العالم.

ومن المتحقق أن الرصيدين الإسلامي والمسيحي في هذا الشأن يعتمدان على المخزون اليهودي، وكذلك الزرادشتي وإن كان أقل تجليا. ولا تشذ ديانات الحكمة الشرقية، ذات الأصول الهندية والصينية، عن هذا التوجه، وإن أوردت النهاية في العديد من الحالات في إطار ختام دورة للوجود تتبعها دورات أخرى.

أما الجديد في القرن الماضي، فهو أن همّ النهاية قد انتقل من الإطار الديني الصريح إلى إطار يشهر أصحابه أنه قائم على العلم والعقل والبرهان، وإن احتفظ في العديد من أوجهه بالطابع الغيبي والهم الوجودي.

أقوى الروايات في هذا السياق تبقى خارج الاهتمام العادي، حين تفصّل تدرج الشمس إلى حالة النجمة الحمراء العملاقة والتي تبتلع الأرض وإن بعد أشواط من الزمن خارج المقياس البشري، أو حين تتحدث عن انحدار الكون بأسره إلى الموت البارد، بعد اتساع دهور لا تقاس إلا بالحساب الذي تضيق معه العبارة.

الروايات العليا للآخرة الكوكبية أو الكونية هذه هي لكهنوت جديد من العلماء في صوامعهم الجامعية والبحثية. أما الخشية المتواترة في أوساط العامة، فتتعلق بروايات دنيا لآخرة لا يتلاشى معها الكوكب، قليلها يتوعد بنهاية للحياة الإنسانية، فيما كثيرها يجهر بالخوف من انتهاء الحضارة وما يصاحب ذلك من الهرج.

وعلى مدى نصف القرن المنصرم، عاش العالم على وقع هاجس النهاية، يرتفع حينا وينخفض حينا آخر.

فبعد أن أنتجت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي القنابل الذرية والنووية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كادت القناعة أن ترسو على أن نهاية العالم في جحيم حارق ليست مسألة احتمال، بل مسألة توقيت، أي أنه إما أن تستعمل إحدى الدولتين العظيمتين هذا السلاح النهائي، ما يستدعي ردة الفعل القاضية من غريمتها، أو أن يقع هذا السلاح بأيد شريرة أو غير مسؤولة وتكون النهاية عن طريق الخطأ. هاجس النهاية النووية لم ينته، ولكنه تراجع في الوعي العام إلى حد الضمور مع انتهاء الحرب الباردة.

المفارقة هنا هي أن الخطر الموضوعي الذي يشكله هذا السلاح ما زال قائما، بل قد ارتفع في بعض أوجهه، وإن انخفض على مستوى مواجهة نهائية بين واشنطن وموسكو. غير أن تفشي القلق بشأنه لم يعد واقعا.

فيما يتعدى الموت النووي، فإن القراءات العلمية في النصف الثاني من القرن العشرين قد توالت في التنبيه إلى اقتراب النهاية.

حتى دون الركون إلى التكهنات "المالتوسية" التي تفترض اطرادا هندسيا لعدد السكان مقابل تزايد حسابي للموارد، فإن الخشية المؤكدة في ستينيات القرن الماضي كانت من أن الكرة الأرضية، على درب انهيار الحضارة الإنسانية، سوف تكون عاجزة عن استيعاب الزيادة السكانية في القرن الواحد والعشرين، والذي سوف يشهد بالتالي المجاعات والتعقيم القسري والحروب على الموارد، في إطار تعاظم غير قابل للضبط لأعداد السكان.

واقع الأمر بأن الأرقام التي خشيها علم الستينيات حول أعداد الناس قد تحققت بالإجمال، ولكن دون مجاعة ودون مجازر مرتبطة بالموارد. ما لم يتحقق بالتأكيد هو النهاية المحسوبة للحضارة الإنسانية.

على مدى نصف القرن المنصرم، عاش العالم على وقع هاجس النهاية، يرتفع حينا وينخفض حينا آخر

كوارث النهاية التي حذّر منها علم القرن الماضي لم تقتصر على الزيادة السكانية، بل شملت كذلك التلوث، والذي اعتبر خطرا وجوديا على البيئة والحضارة والإنسان. وهنا أيضا الخشية في إفراط البشر بتلويث محيطهم تحققت، ولكن العواقب المميتة انكفأت.

كان من المفترض كذلك أن ينفد النفط وتنهار مع نفاده الحضارة المدمنة عليه. هو لم ينفد، بل جرى دفع تاريخ نفاده قدما مرات عدة، فيما بدائله تتجاور مع ارتفاع استهلاكه، لينتقل الحديث القلق عن النهاية بسببه إلى كلام مطمئن حول الانتهاء من الاعتماد عليه.

ومع اقتراب نهاية القرن الماضي، كان الهاجس ثقب الأوزون في الطبقات الجوية العليا فوق القطب الجنوبي، والذي بدا أنه يهدد باتساعه بفتح المجال أمام الأشعة الشمسية والكونية الضارة لإفساد الحياة على الكوكب أو إفنائها. بعد أعوام وإمعان في القلق، ثقب الأوزون عاد إلى الانكماش، دون أن يتضح ما إذا كان للإجراءات المتواضعة التي اتخذت في إطار تصنيع المواد المضغوطة دور بذلك.

ترافق هذا الخوف مع دوافع أخرى للقلق والإقلاق. خشية أن يضيع التنوع الحياتي مع انحسار أعداد أنواع الحيوانات. خشية أن يتسبب الانحباس الحراري بارتفاع غير مسبوق لحرارة الكوكب. خشية أن تخسر الإنسانية معظم لغاتها.

ولربما أن أكثر منتجات نهاية القرن العشرين ابتكارا في موضوع القلق من النهاية هو الهلع من القصور البرمجي المتراكم يومها منذ عقود، والذي كان شهد اعتماد النظم المعلوماتية على تأريخ السنين برقمين بدلا من أربعة، فكانت الخشية أن يؤدي الانتقال من العام 2000، والمرموز إليه بـ 99، إلى العام 2000، والمرموز إليه بـصفرين، إلى ارتباك النظم المعلوماتية وصولا إلى انهيار الحضارة التي تعتمد عليها. فكان التهويل بأن الطائرات سوف تتهاوى بركابها، وشبكات الكهرباء سوف تتفكك وتنقطع، لتعمّ الفوضى ويزول العمران. مستوى الخطر الفعلي هنا كان معدوما، ومستوى التهويل عند الحد الأقصى.

ليس أن غالب هذه المسائل لا ينضوي بالمطلق على المخاطر والعواقب، غير أن التهويل والتهوين بشأنها قلّ أن ينسجم مع وطأتها الفعلية. فالهمّ الإعلامي، أي الاجتماعي والثقافي والسياسي، في وقت ما، كان يوازي بين قصور البرمجة الذي جعل من العام 1999 تسعة وتسعين، وبين التبدل المناخي الذي يذهب باتجاه إغراق مدن وبلاد وتبديل نظم اقتصادية والتسبب بهجرات.

المسألة كانت ولا تزال الموازنة الغائبة بين الهمّ والمهم. لا يمكن إنكار أن الإرهاب مثلا يشكل خطرا على الأرواح والممتلكات. ولكن فيما المنظمات الإرهابية كانت تقتل الأبرياء بالعشرات وربما المئات، كانت عصابات تهريب المخدرات تحصدهم بالآلاف وعشرات الآلاف مع متابعة إعلامية متدنية.

التهويل بهذا الوباء من شأنه أن يقدم له ضحايا جدد، نتيجة التضييق الاقتصادي والعزل الاجتماعي

وفيما الحروب في يوغوسلافيا المتفككة في تسعينيات القرن الماضي كانت تفتك ربما بمئات الآلاف، تحت أنظار عالم يراها ويكاد أن لا يبالي، كانت الحروب في وسط أفريقيا تبيد الملايين وتسحقهم بأشنع الصور، دون أن يراها معظم هذا العالم ودون أن يبالي.

لا يبدو أن المجتمع الإنساني، في عصر التقنيات المتطورة ووسائل التواصل الاجتماعي الآني والمنتشرة في كل مكان، قد تمكن من بلوغ التوازن في تقييم المعلومة من حيث أهميتها الموضوعية، بل لا يزال كما كان دوما أسير اعتبارات ذاتية.

والواضح أن حاله اليوم مع "كورونا" لا يختلف. التهويل بهذا الوباء من شأنه أن يقدم له ضحايا جدد، نتيجة التضييق الاقتصادي والعزل الاجتماعي، كما نتيجة اتساع السلطوية بتشديد قبضتها على محكوميها، بذريعة الصحة العامة، فيما التهوين به من شأنه أن يسمح للوباء بالمزيد من الانتشار.

وإذا كانت الأسرة الإنسانية، بناءً على استعراض التجارب السابقة، غير قادرة على الامتناع عن الإفراط والتفريط، وعاجزة عن تبين الخطر على قدره، فإنه لا بد من السعي، في هذا السجال القائم اليوم بين دنيا قلقة وتهديد بآخرة قادمة، إلى التحضير لكافة الاحتمالات. ليس الإيمان الديني شرطا هنا للاستفادة من العبرة في الحكمة المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".

اقرأ للكاتب أيضا: بين غاندي ومودي: الهند أمام الامتحان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء ونهايات العالم: بين التهوين والتهويل BA4C72F4-9124-4061-9210-056A80F933AF.jpg AFP الوباء-ونهايات-العالم-بين-التهوين-والتهويل 2020-03-11 12:06:49 1 2020-03-11 12:26:49 0

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟