تظاهرة في السودان في مناسبة اليوم المرأة العالمي

طرأت تغيرات كبيرة على بنية المجتمع السوداني منذ وقوع الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال عمر البشير في يونيو 1989 حيث أقام الطاغية المخلوع نظاما استبداديا للحكم أسقطته ثورة شعبية في أبريل 2019.

قد تغير نمط التديُّن عند كثير من السودانيين واختلف عما كان عليه في السابق نتيجة للسياسات الإعلامية والاجتماعية والتعليمية والدينية التي تبناها النظام الديكتاتوري والمستندة في الأساس إلى فكر جماعة "الإخوان المسلمين" إلى جانب الانتشار الكبير للأيديولوجيا السلفية في نسختها الوهابية.

وعندما نتحدث عن أنماط التديُّن فإننا لا نشير فقط إلى تبني المدارس الإسلامية المختلفة وإنما نعني الأثر التراكمي طويل الأمد الذي يتولد عن ممارسة التدين وفقا لتعاليم وأفكار تلك المدارس في ظل بيئة ثقافية وجغرافية وإرث تاريخي وحضاري وعادات وتقاليد المجتمع المعني وهو الأمر الذي يُنتج فروقات كبيرة في أنواع التدين بين مختلف المجتمعات وذلك هو مجال الدرس الذي يعتني به علم الاجتماع الديني.

لا يعني ذلك الاختلاف بالضرورة تفاوتا في قيم الدين العليا ومقاصده الكبرى وعقائده الأساسية، وإنما يعكس التباين في أمور ثانوية بفعل اختلاف الزمان والمكان، وقد انتبه لذلك الأمر العديد من الفقهاء المسلمين في الماضي ومنهم الإمام الشافعي الذي غير فقهه الذي أنتجه في العراق عندما استقر به المقام في مصر إدراكا منه لطبيعة الاختلاف بين البلدين.

أكد العديد من المفكرين المسلمين أن المرأة غير مطالبة بأن ترتدي ما يسمى بالحجاب

من بين تلك الاختلافات تبرز مسألة لباس (زي) المرأة، وهي مسألة تساهم فيها عوامل كثيرة ومتداخلة، من بينها الموروثات الثقافية والحضارية والظروف المناخية، وبالنسبة للمرأة السودانية فقد تميزت بارتداء الزي القومي المعروف باسم "الثوب".

غير أن النظام الإخواني سعى طوال سنوات حكمه إلى إحداث تغيير جذري في المجتمع تحت شعار أيديولوجي معلن أطلق عليه مسمى "إعادة صياغة الإنسان السوداني"، شمل عدة جوانب من بينها أنماط التدين والسلوك الفردي والجماعي، بما في ذلك طرائق اللبس، حيث تم الترويج لزي المرأة المعروف باسم "الحجاب".

أدت سياسات النظام التعليمية والإعلامية فضلا عن القوانين ذات الطابع الأيديولوجي إلى الانتشار الواسع للحجاب في أوساط المجتمع، حيث تم استغلال المساجد كمنصات إطلاق للدعوة لارتداء ذلك الزي باعتبار أنه هو الزي الذي ينادي به الإسلام، ولم يتورع خطيب مسجد الخرطوم الكبير، كمال رزق، عن القول إن الحجاب "أمر رباني" وأن المرأة "التي لا ترتدي الحجاب هي كالجيفة التي تمشي على قدمين"!.

لا شك أن مثل هذا الحديث المسيء لا يمكن أن يصدر عن داعية لدين يُعلِّم أتباعه أن المسلم الحق هو من سلم الناس من لسانه، فالجيفة التي يتحدث عنها هذا الرجل هي "جثة الميت إذا أنتنت" أي أخرجت رائحة كريهة، فهل يجوز وصف ملايين النساء المسلمات اللائي لا يرتدين الحجاب بأنهن جيف؟

قد أكد العديد من المفكرين المسلمين، من بينهم محمود محمد طه، الصادق المهدي، محمد سعيد العشماوي، وجمال البنا، أن المرأة غير مطالبة بأن ترتدي ما يسمى بالحجاب وإنما مطلوب منها أن تلبس الزي المحتشم وهذه الحشمة يجب أن تشمل النساء والرجال معا.

إن لفظ حجاب أو الحجاب لم يرد في القرآن بنفس المعنى الذي يقصد إليه دعاة إلزام المرأة بالحجاب، فالحجاب لغة يعني الساتر أو الحائط، والآية التي ورد فيها لفظ حجاب هي الآية 53 من سورة الأحزاب "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا أطعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إنَّ ذلك كان يؤذي النبي فيستحي منكم والله لا يستحي من الحق واذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إنَّ ذلكم كان عند الله عظيما".

هذه الآية لا تتحدث عن لباسٍ أو زي مُعين بل تتحدث عن وضع ساتر بين نساء الرسول والصحابة فقط، وحتى هذا الساتر ليس مطلوبا وضعه بين الصحابة وما ملكت يمين الرسول من الجواري أو حتى بنات الرسول أو المؤمنات عموما وإلا لكانت الآية تحدثت عن "نساء المؤمنين".

وكذلك الآية 31 من سورة النور "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يُبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يُبدين زينتهن إلا لبعولهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الأربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون".

سبب نزول الآية أعلاه هو أن الحرائر من النساء المسلمات كن يضعن الأخمرة على رؤوسهن ويسدلنها وراء ظهورهن مما يكشف النحر (أعلى الصدر) والعنق، وقد أمرت الآية النساء بإسدال الخمار من الأمام لتغطية الجيوب (فتحة الصدر)، وليس في الآية أمر بلبس المرأة زي معيَّن اسمه الحجاب.

أما آية الجلابيب وهي الآية 59 من سورة الأحزاب "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يُدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدني أن يُعرفن فلا يؤذين" فسبب نزولها هو أن النساء الحرائر والإماء في ذلك الزمن كن يذهبن كاشفات الوجوه لقضاء حاجتهن في الخلاء لأنه لم تك توجد مراحيض أو دورات مياه في البيوت وكان بعض الرجال يذهبون للتلصص عليهن أثناء قضاء حاجتهن وقد علم الرسول بذلك فنزلت الآية لتأمر النساء الحرائر بتمييز أنفسهن عن الإماء بإدناء الجلابيب على وجوههن حتى لا يتعرض لهن هؤلاء الرجال السفهاء.

لا يوجد اتفاق أو إجماع على معنى الجلباب الوارد في الآية ولا على معنى إدناءه، وقد ذكر النووي في شرح مسلم في حديث أم عطية في صلاة العيد: إحدانا لا يكون لها جلباب... إلخ. قال: قال النضر بن شميل: الجلباب ثوب أقصر وأعرض من الخمار، وهي المقنعة تغطي بها المرأة رأسها، وقيل هو ثوب واسع دون الرداء تغطي به ظهرها وصدرها، وقيل هو كالملاءة والملحفة، وقيل هو الإزار وقيل الخمار.

إذن، العلة من إدناء الجلابيب هي التمييز بين المرأة الحرة والجارية حتى لا تتأذى المسلمة الحرة العفيفة من تلصص الرجال عليها فهم ـ أي الرجال ـ حين يرونها مقنعة لا يجرؤون على النظر إليها وهي تقضي حاجتها بينما لا توجد غضاضة في النظر إلى الأمة (غير الحرة)، ولذلك قام الخليفة عمر بن الخطاب بضرب جارية تقنعت أي أدنت جلبابها متشبهة بالنساء الحرائر.

وفقا لظروف العصر الذي نعيشه انتفت العلة من إدناء الجلابيب لعدم وجود جواري وعبيد في الوقت الراهن وبالتالي فقد انتفى الحكم وفقا للقاعدة الفقهية "العلة تدور مع المعلول وجودا أو عدما، فإذا زالت العلة دار معها المعلول".

الذين يقولون بإلزام المرأة بالحجاب يختلفون في وجوب تغطية المرأة لكامل جسدها (النقاب) أو إظهار الوجه والكفين وهم في كلا الحالتين لا يستندون إلى القرآن بل إلى عدد من أحاديث الآحاد. أشهر هذه الأحاديث هو ما رواه أبو داؤود من حديث عائشة أن الرسول قال لأسماء "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها شيء إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه".

وكذلك حديث أبي هريرة أن الرسول قال "صنفان من أهل النار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس. ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها. وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا".

غير أن هناك حديثا آخر ورد في صحيح البخاري في باب الوضوء عن عبد الله بن عمر يقول: "كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان الرسول (ص) جميعا"، وفي رواية أخرى "كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمن النبي (ص) في الإناء الواحد جميعا". وهناك كذلك حديث روته أم صبية الجهنية خولة بنت قيس الأنصارية وورد في سنن أبي داؤود، تقول فيه "اختلفت يدي ويد رسول الله في الوضوء من إناء واحد".

نمط التدين السوداني، وأساسه التصوف، انبنى في الأساس على تحقيق مقاصد الدين عبر الأخلاق

إن ورود كلمة "جميعا" في حديث عبد الله بن عمر يعني أن النساء كن يتوضأن مع الرجال، ومعلوم أن في الوضوء كشف للذراع وللوجه وللشعر ويتكلف البعض في تفسير الحديث بالقول إن الرجال كانوا يتوضؤون على حدة والنساء على حدة، أو أن الرجال كانوا يتوضؤون ويذهبون ثم تأتي النساء، ولكن الأقوال "من إناء واحد" و"جميعا" تدحضان هذين التفسيرين، لأن الجميع في اللغة ضد المفترق، كما أن اختلاف يد خولة الأنصارية مع يد الرسول يؤكد أنهم كانوا يتوضؤون في ذات الوقت وكل ذلك يتعارض مع دعوة إلزام المرأة بالحجاب.

الحجاب بالمعنى الذي يقصده الواعظ المُتفيقه، كمال رزق، والذي انتشر بكثافة في السودان في ظل الحكم الإخواني ليس هو الزي الوحيد الذي يحفظ الحشمة، فالثوب أكثر حشمة وجمالا وتعبيرا عن خصوصية المجتمع السوداني فضلا عن أن العباءة وغطاء الوجه يعكس نمطا من أنماط التدين الصحراوي لا يتماشى بالضرورة مع أحوال السودان.

النقاب الذي يشتمل على غطاء الوجه والذي يعتبره البعض فرضا دينيا إنما يمثل خصوصية للمجتمعات الصحراوية ومناخها الحار فالأصل فيه هو حماية الوجه من لهيب الشمس وذرات الرمال ولا يقتصر لبسه في تلك المجتمعات على النساء إذ أن الرجال كذلك يُغطون وجوههم لذات السبب (مثل لباس قبيلة الطوارق في صحراء ليبيا وموريتانيا ومالي).

إن نمط التدين السوداني، وأساسه التصوف، انبنى في الأساس على تحقيق مقاصد الدين عبر الأخلاق ولذلك فإن قيم الطهر والعفاف التي ميزت المرأة السودانية لم ترتبط بالزي أو الملبس وإنما كان منبعها هو التربية السليمة ولم تبدأ تلك القيم في التراجع إلا بعد أن ازداد التمسك بالشكليات ومنها فرض زي ولبس معين وإذا بحثنا بجدية في مدى الانحرافات العامة التي أصابت المجتمع لوجدنا أنها تتناسب طرديا مع التمسك المَرَضي بهذه الأمور المظهرية وهذا هو مربط الفرس.

A protester holds a banner depicting Turkish President Tayyip Erdogan during a demonstration against a visit of the president,…
متظاهر في بلجيكا يرفع ملصق يتهم إردوغان بكونه ديكتاتور

قام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بزيارة "اليوم الواحد" مطلع هذا الأسبوع لبروكسل، كنت أتابعه بحكم المهنة، وللتزود بما يلزم من معلومات تفيدني في مداخلات إذاعية ومتلفزة للحديث حول الزيارة وخلفياتها.

طبعا خلفية الزيارة كانت ما بعد خساراته الفادحة في إدلب، وقرار "الباب العالي" الإردوغاني بفتح باقي الأبواب المنخفضة على الحدود مع أوروبا لفتح السيل المتدفق من اللاجئين بعشرات الآلاف، كان السوريون أقل نسبة عددية بين كل اللاجئين، بينما كانت الأغلبية من أفغان وباكستان وفئات لاجئة من بؤس العيش في أفريقيا.

الزيارة الإردوغانية أيضا كانت بعد زيارة "مثيرة لشهية الإشاعات والتشفي" قام بها إردوغان إلى موسكو برفقة وفد تركي كبير تم حشره في قاعة استقبال مدججة بصور جنرالات روس هزموا الجيش التركي في حروب غابرة مع الدولة العثمانية، وكثر الحديث عن رسائل الإشارات التي أرسلها قيصر موسكو بوتين، وهو المغرم بإرسال الإشارات والرموز، وقنابل الموت حين الطلب.

قمة بروكسل بين أنقرة والاتحاد الأوروبي جاءت بدعوة من الاتحاد نفسه، وهدفها من زاوية الأوروبيين إعادة التفاهمات مع تركيا إلى أسس مبدئية واضحة لا تخضع للابتزاز السياسي.

مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة

من زاوية السيد إردوغان، فإن التفاهمات دوما تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم، لا لتركيا بالضرورة، بل لحزب إردوغان، بصورة أدق: للدائرة المغلقة المحيطة بإردوغان في مواجهة خصومه، وهم يتكاثرون يوميا.

كان إردوغان في بروكسل، بكامل أناقته المعتادة لكن بكامل تعبه منهكا إلى حد كبير، والمفاوضات التي انتهت مع بروكسل إلى ما هو دون توقعات أنقرة، بلا شك كانت شاقة مع أوروبا الحاسمة والحازمة أكثر هذه المرة، فأوروبا تعلمت كثيرا من دروس أزمة اللجوء عام 2011، وهي دروس كادت أن تكلفها تفسخ الاتحاد نفسه على يد مجموعة "فيزغراد" التي قادتها المجر، وهي الدروس التي كانت محصلتها صعود غير مسبوق لليمين بكل مستوياته في الانتخابات المحلية.

أوروبا من جهتها كانت ولا تزال في موقف صعب، فالاتحاد الأوروبي القائم على منظومة قيم إنسانية أوروبية يكاد أيضا يفقد أسس شرعيته في مواجهة واحدة من أكبر أزمات اللجوء الإنساني في التاريخ الحديث، والسلوك البوليسي الأمني على تخوم الحدود اليونانية والبلغارية مع تركيا كان فظا وقاسيا ولا أخلاقيا في كثير من الأحيان مع مجموعة ضخمة من البشر تبحث عن الأمان الذي يعنون "منظومة أوروبا" والقارة بشكل عام.

تماهى الأوروبيون إلى حد نسبي مع قيم وحدتهم الإنسانية من خلال قرار طوعي وتحالف قادته ألمانيا بقبول دخول 1500 قاصر من اللاجئين، وهو ما يشكل في المحصلة عددا ضئيلا من مجموع الموجودين على أبواب اليونان وبلغاريا، لكن المغامرة بدخول أعداد أكبر من ذلك يعني مواجهة أوروبية ـ أوروبية يتربص فيها اليمين الأوروبي لأي ثغرة يهاجم من خلالها تماسك الاتحاد نفسه.

♦♦♦

لم تكن قضية اللجوء الإنساني إلى أوروبا الملف الوحيد الذي حمله إردوغان بهدف رميه على طاولة المباحثات. فإردوغان، وبحسب مصادر عديدة، كان يحمل ملفات أخرى ذات صلة، منها مسألة رفع تأشيرات دخول المواطنين الأتراك إلى دول "الشنغن"، وكذلك قضايا الشراكة الاقتصادية التي تعاني منها تركيا، ومن مجمل ذلك أيضا التعاون الجمركي، لكن كان أهم ملف يحمله إردوغان وحاول طرحه مع رفض أوروبي مسبق بعدم بحث أي موضوع إلا الموضوع الحيوي "اللاجئون"، كان في ملف ما تعتبره أنقرة "التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية"، وهو ما يعني في الحقيقة، مفاوضة الأوروبيين على أن يتعاونوا في القضاء على خصوم إردوغان السياسيين، وهم حزب العمال الكردستاني الذي لا ترى فيه أوروبا عدوا ولا إرهابا، والقضاء على تجمعات ومراكز عبدالله غولن، خصم إردوغان الأكثر شراسة في المعادلة السياسية التركية، والذي ترى فيه أوروبا معارضا سياسيا لا أكثر.

بالنسبة لأوروبا، فإن فتح ملف "التعاون مع تركيا لمكافحة الإرهاب" يعني الدخول في حوار عدمي لأن التنظيمات الإرهابية التي تدعمها أنقرة هي بذات الوقت سلاحها الحقيقي في ميدان الحرب في الأرض السورية.

♦♦♦

السؤال الأكثر بروزا من خلال قراءات كثيرة كان يكمن في هذا الاقتصاد "الأسود" المخفي خلف كل ما يحدث من حروب ومآسي وويلات وأزمات لجوء.

هناك "مافيا" جديدة ونوعية مختلفة عن "مافيات" العصور الكلاسيكية التي عهدناها في أفلام هوليوود والتراث المحكي في صقلية، وهي مافيا متشابكة ومعقدة استطاعت عبر التجارة بتهريب البشر أن تشكل كتلا اقتصادية متكاملة تكمل بعضها البعض، وليس مفاجئا أن تكون إسطنبول ومدن تركيا المتاخمة لأوروبا هي مقرها الرئيس.

تلك صناعة ضخمة تجاوزت أرباحها المليارات سنويا، وهي صناعة وتجارة ضخمة إما أن أنقرة لا تستطيع مراقبتها في سبيل مكافحتها أو أنها تغض الطرف عنها فهي في المحصلة "محرك اقتصادي" لليرة التركية وأحد أهم مداخل العملة الصعبة.

ولا أحد يمكن له أن ينكر أن في تركيا الآن، أكبر مافيات التهريب والتزوير، بل التخصص في تزوير الوثائق والمستندات الرسمية بما فيها جوازات السفر، بالإضافة إلى قنوات "مصرفية مالية" غير شرعية لتحويل الأموال وتدفقها بدون أي رقابة مالية، وهو ما يمكن أن يجعله قناة لتمويل جماعات وتنظيمات وخلايا إرهابية.

من زاوية إردوغان، فإن التفاهمات تخضع للابتزاز السياسي الذي ينتهي بأكبر قدر من المغانم

لا تحتاج إلى تحقيق صحفي لمعرفة ذلك كله، كل ما يلزمك علاقات جيدة مع سوريين أو أتراك في أي مدينة أوروبية لتحول ما تشاء من مبالغ مالية بدون أي أوراق أو تسجيل أو توثيق، وإن أردت تهريب عائلة بكاملها، فما عليك إلا أن تجهز الأموال اللازمة "نقدا" باليورو أو بالدولار، وتتصل بالشخص الوسيط الذي سيوصلك إلى أسماء مهربين معروفين.

بل الأنكى من ذلك، أن الأمر أصبح إعلانا عاديا على فيسبوك، والكل يعرف تلك الصفحات (غير السرية بالمطلق) التي تحمل إعلانات تدلل على خدمات تزوير وثائق السفر، أو تحويل الأموال أو حتى العثور على مهربين محترفين، ومذيلة جميعها بأرقام هواتف تركية مع عناوين واضحة في مدن دولة السيد إردوغان.

كل ما سبق ذكره اختصرته عبارة قرأتها ضمن ما قرأت للكاتبة التركية بيهتار أوكوتان، في وصف إدارة إردوغان بأنه يحكم تركيا وكأنه يدير كازينو كبير.

وهي حسب رأيها في مقال لها عنوانه "الخزانة هي من يربح دائما في معركة السوريين"، أن السوريين لم يعودوا ورقة رابحة في السياسة الخارجية لتركيا. وهو ما يجعل ـ حسب أوكوتان ـ نظام إردوغان يدق أجراس الخطر.

ومن وحي وصف الكاتبة التركية أتساءل بقلق: يا ترى، ما هي لعبة الكازينو القادمة؟