شاء "حزب الله" أم أبى، رضي أم اعترض، غضّ الطرف أم وافق، سهّل أم قمع، فإن لبنان سيلجأ، عاجلا أم آجلا، إلى صندوق النقد الدولي، سواء كان منظمة منبثقة عن الأمم المتحدة تلعب دورا مركزيا في النظام النقدي الدولي، كما هي عليه الحال، أم كان من "أدوات الاستكبار" على ما نطق به نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم.

هذا الكلام لا يندرج في إطار تحدي حزب يملك ترسانة أسلحة ويسيطر على السلطة، بل هو نتاج طبيعي للأمور، لأن الخيارات أمام لبنان، بعد كل ما حدث له وفيه، ليست مفتوحة، بل تقتصر على حدّين لا ثالث لهما: الجوع أو الفقر.

والحديث عن الجوع ليس تهويلا، فماذا يعني قول رئيس الحكومة اللبنانية حسّان دياب، في خطاب "تعليق" دفع الدولة للمتوجبات "أن هناك أناسا على الطرقات وليس لديهم المال لشراء رغيف خبز"؟

إن استعانة لبنان بصندوق النقد الدولي، ليست ترفا

وإذا كان من يعادون النظام النقدي الدولي الحالي يعتبرون، بالاستناد إلى نظريات طالما أثارت الجدل، أن وصفات "الصندوق" تجلب الفقر للشعوب، فإن هؤلاء لا يتطرقون مطلقا إلى أن هذا "الصندوق"، وفي المقابل، يحول دون الوقوع في جهنّم الجوع.

ولبنان بفعل حاجياته الغذائية والتشغيلية والاستهلاكية، بالمقارنة مع عجزه الإنتاجي المعروف، لا يستطيع توفير الحد الأدنى من مستلزماته، من دون تدفق مستدام للعملات الصعبة.

حتى أشهر خلت، كان لبنان يوفر هذا التدفق معتمدا على ثلاثة مصادر رئيسة بدأت تتآكل، رويدا رويدا، منذ العام 2011: تحويلات المغتربين اللبنانيين، جاذبية الإيداع في النظام المصرفي، تصدير وسياحة.

وهذا يفيد بأن لبنان لم يعد لديه ما يعتمد عليه، في ظل توقف تدفق العملات الأجنبية، سوى احتياط المصرف المركزي الذي في حال تسييله للاستيراد ـ ولو كان مقنّنا ـ فإنه بالكاد يكفي سنتين.

ولو جرى اعتماد خيار التصرف باحتياط مصرف لبنان في عمليات استيراد الضرورة، فهذا يعني أن العملة الوطنية ستقع في حفرة بلا قعر، وتاليا سيجد اللبنانيون أنفسهم فريسة الجوع والحرمان، وينتظرون "إعاشات" وكالات الغوث العالمية.

ولكن لبنان، على الرغم من كل الويلات التي ألمّت به، ليس مضطرا أبدا للوصول إلى هنا، فهو مثله مثل شخص يعاني الجوع والحرمان لأنه لا يحوز على ما يكفيه من السيولة، في حين أنه يستطيع إنقاذ نفسه بتغيير إدارته لممتلكاته الكثيرة والمنتجة.

وهنا، تحديدا يأتي الدور الذي لا بد منه لصندوق النقد الدولي.

إن النقاش المعلن في لبنان، حتى كتابة هذا المقال، حول هذه المؤسسة النقدية العالمية، يخرج عن الموضوع.

فالموضوع ليس، كما يحاول البعض الإيحاء به، أن الصندوق "مستقتل"، حتى يمنح الدولة اللبنانية قروضا ميسّرة مقابل شروط محددة، بل إن الدولة اللبنانية هي التي تحتاج، بأسرع ما يمكن، للحصول على هذه الأموال التي، كما هو معروف، غير ممكن توافرها، من دون الالتزام بمعايير "الحوكمة" السليمة.

وفي حال لم تكن الدولة مستعدة لهذا الالتزام، فإن أحدا في العالم، باستثناء شعبها الذي تتماثل الكارثة الوشيكة أمامه، لن يضربها على يدها لتفعل.

وعلى الدولة اللبنانية في هذه الحالة، أن تفتش عن بدائل تمويلية، فإذا كان "حزب الله"، مثلا يريد مساعدة بلا شروط تزعجه، فما عليه، والحالة هذه، سوى أن يطلب من راعيته العقائدية والعسكرية والمالية، تمويل لبنان، لتتمكن الدولة من الاستمرار في الانصياع لسياسات "المتراس الإقليمي" المفروضة عليها.

طبعا، إن هذا الطلب الموجه إلى "حزب الله" هو من باب الدعابة في سياق مناقشة الاحتمالات المستحيلة، على اعتبار أن إيران نفسها التي ترهق شعبها بفواتير الحروب والصراعات وأوهام السيطرة والعظمة، ومن أجل أن تتمكن من مكافحة فيروس كورونا ( كوفيد ـ 19) استجدت صندوق النقد الدولي أن يمنحها خمسة مليارات دولار.

ولكن مهلا، ما هي شروط هذا الصندوق على لبنان والتي يستفظعها البعض بقيادة "حزب الله"؟

الإصلاح في وقته "قنطار"، مهما كلّف الحاكم شعبيا

باختصار، هي تلك التي سبق للبنان والتزم بتنفيذها في مؤتمر "سيدر" الباريسي في أبريل 2018، لا أكثر ولا أقل، وهذا يعني أنه، إذا رفض لبنان مساعدة الصندوق التقنية، فيكون، في الوقت نفسه، قد تراجع، وبخطوة واحدة، عن تعهداته في "سيدر".

والأهم من ذلك، ما هو المدرج في الموصوفة بعبارة شروط، ولم تطلبه المنابر والساحات، وبخاصة ثورة 17أكتوبر المصابة حاليا بـ"فيروس كورونا": القضاء المستقل؟ قوانين الشفافية ومكافحة الفساد؟ منع التهرب الضريبي؟ ضبط المعابر غير الشرعية برا ومرفأ ومطارا؟ جعل المصارف في خدمة الاقتصاد؟ تخفيض الفوائد؟ إصلاح الكهرباء؟ ترشيق الإدارة؟

يكفي في هذا السياق، إجراء مقارنة بين تقرير صندوق النقد الدولي الخاص بلبنان الصادر في العام 2019 من جهة وبين مرتجى اللبنانيين من جهة أخرى، للتأكد من أن "التخويف من الشروط"، هو عمليا خوف خفي لدى المخوّفين أنفسهم، من الإصلاح الشامل الذي ينقل لبنان من قائمة الدول الساقطة ليضعها في قائمة الدول الواعدة.

إن هذا التدقيق بين المطلوب من لبنان وبين ادعاءات "الخائفين" من شأنه أن يعطي صدقية للقائلين إن لبنان أمام احتمالين، فإما أن تنهض الدولة على حساب الدويلة، أو تستمر الدويلة ولكن على ركام الدولة.

وفي حقيقة الأمر، فإن لبنان، وصل إلى حيث لم يكن أبدا مقدرا له أبدا أن يصل، إذ إن الجميع كان قادرا، بلمحة بصر، ليس على تشخيص المشاكل المالية والاقتصادية والاجتماعية، فحسب بل على استعراض شامل لخطة الإنقاذ والنهوض، وذلك بدءا بمعطيات مؤتمرات باريس ـ 1 و2 و3، مرورا بـ"سيدر"، وصولا إلى خلاصات "المجموعة الدولية لدعم لبنان".

إذن، أقله منذ العام 2001 يعرف لبنان مشاكله البنيوية كما الخطوات الواجب عليه اتخاذها للإنقاذ، ولكنه، ولأسباب سياسية، كان ممنوعا عليه أن يفعل، على اعتبار أن لبنان مع بشار الأسد بداية ومع علي خامنئي لاحقا، ممنوع عليه أن يكون دولة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان سيادية وسياسية ومالية واقتصادية وحياتية واجتماعية.

وفي هذ السياق، لا بد من الإشارة إلى أن هناك دولا كبرى تتعاطى بجدية مطلقة مع توصيات صندوق النقد الدولي، وهي في مرحلة القوة، حتى لا تجد نفسها تلجأ إليه، لاحقا، أي حين تصل إلى مرحلة الضعف والهوان.

ففرنسا، على سبيل المثال لا الحصر، أنجزت إصلاحين كبيرين ولكن ضروريين لمستقبلها، وذلك على مستوى قانون العمل ونظام التقاعد.

وقد لجأت الحكومة الفرنسية، لتمرير هذين الإصلاحيين الموصى بهما، إلى الأدوات التي تمنحها إياه "قوة الفرض" الدستورية، مدركة الأثمان السياسية والشعبية التي يمكن أن تتكبّده، في كل الاستحقاقات الانتخابية اللاحقة.

لبنان أمام احتمالين، إما أن تنهض الدولة على حساب الدويلة، أو تستمر الدويلة ولكن على ركام الدولة

والإصلاح في وقته "قنطار"، مهما كلّف الحاكم شعبيا. في لبنان يعتمد نقيض هذه الحكمة، فعلى سبيل المثال، فإن الإقرار المرتجل لسلسلة الرتب والرواتب الذي سرّع في ضرب ملاءة الدولة، كان مجرد رشوة انتخابية، كما أن إدارة ملف الكهرباء، وهي بالمحصلة إدارة سياسية تولاها مستقوون بـ"حزب الله" نفسه، يمكن وصفها بالفضيحة الكونية.

إن استعانة لبنان بصندوق النقد الدولي، إذن، ليست ترفا، والمسؤولون عما آلت إليه الأمور كثر يتقدمهم "حزب الله" نفسه الذي، وبسبب "جبن" البعض سوف يصدّق نفسه أنه بريء من الكارثة الوطنية كما أنه، وبسبب "تواطؤ" البعض الآخر سوف يقتنع، وهو الملحق بفيلق القدس الإيراني، أنه خبير دولي محلّف في شؤون المال والاقتصاد و...صناعة الأمم.

عاجلا أم آجلا، سوف يطلب لبنان الاستعانة بصندوق النقد الدولي، تماما كما عاد، في ظل أزمة "كوفيد ـ 19" واضطر، بعد تلكؤ سياسي، إلى قطع الرحلات الجوية مع إيران.

ولهذا من الأسلم أن تكون هذه الاستعانة عاجلة وليس آجلة. سيناريو انتشار الوباء في لبنان، بفعل التلكؤ السياسي المرتبط بحساسية العلاقة مع إيران، يمكنه أن يعطي فكرة واضحة عن كلفة الخوف والتردد.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.