An Iraqi man, wearing a protective mask, rides a bicycle down street in the capital Baghdad on March 16, 2020 amidst efforts…
عراقي يرتدي كمامة في أحد شوارع بغداد للحماية من الإصابة بفيروس كورونا

في الثاني من مارس، تنحى رئيس الوزراء العراقي المكلف محمد توفيق علاوي بعد عجزه عن الحصول على الدعم البرلماني الكافي لحكومته المقترحة، مما أدّى إلى بدء [التوقيتات] الدستورية بالتحرك بالنسبة لرئيس الجمهورية برهم صالح الذي أمامه 15 يوما لتكليف مرشح آخر. وتنتهي هذه المهلة في 17 مارس، وقد يتعين إعادة تحديد مهلة أخرى إذا تعثرت محاولة تشكيل الحكومة المقبلة أيضا. [المحرر: كلّف رئيس الجمهورية برهم صالح الثلاثاء 17 مارس محافظ النجف السابق عدنان الزرفي، بتشكيل حكومة جديدة في العراق]

ومع ذلك، فإن إطالة العملية أكثر وسط استمرار انتهاج سياسة المحسوبية سيكون أمرا خطيرا في ضوء التحديات المتعددة والهائلة التي تواجهها البلاد ـ مسار مرتبك قد يؤدي إلى استئناف الاحتجاجات الجماهيرية بسرعة ـ بدءا من ازدياد تفشي فيروس كورونا في العراق والدول المجاورة؛ وتجدد الأعمال العدائية العسكرية بين القوات الأميركية والميليشيات الموالية لإيران؛ وصولا إلى الإعسار المالي الذي يلوح في الأفق بسبب تدهور سوق النفط.

ووفقا للخبير المالي المتمرس أحمد الطبقجلي، فإن كل انخفاض للدولار الواحد في متوسط سعر النفط يكلّف العراق خسارة إيرادات سنوية بقيمة 1.5 مليار دولار ـ وهو رقم يبعث على الذهول نظرا لأن سعر خام برنت انخفض للتو من 68 دولارا للبرميل إلى 36 دولارا.

لماذا فشل علاوي؟

تشير عدم قدرة علاوي على تشكيل حكومة إلى أن النظام السياسي القائم على تقاسم المناصب العامة والفوائد ("المحاصصة") لا يزال مطبقا. وعلى الرغم من وعده بتجنب عِرفْ الترشيحات الحزبية وتشكيل حكومة تكنوقراطية، إلا أنه اعتمد السرية والمجابهة خلال مفاوضاته، وهو أمر اعتبره خصومه نابعا من إبرامه اتفاقا مع القيادي الشيعي مقتدى الصدر.

وفي النهاية، أبعد علاوي الأكراد، ومعظم العرب السنّة، وعددا كافيا من النواب الشيعة مما أدّى بالتالي إلى خسارته النصاب القانوني. وربما قد تحسب الأحزاب الكردية والسنية أنه باستطاعتها انتظار التوصل إلى ترتيب أكثر مؤاتاة لها كونها محصنة ضد الاحتجاجات الشعبية التي ضغطت على الأحزاب الشيعية منذ أكتوبر.

لا يمكن إقناع المحتجين بإخلاء الساحات سوى من قبل مرشح قومي عراقي قوي

ومن الأمور التي لم تتغير أيضا: سياسة التعطيل. ففي حين لا يملك أي حزب بمفرده القدرة على جمع ائتلاف حاكم، إلا أن معظم الأحزاب الأصغر حجما تتمتع بسلطة كافية لعرقلة مثل هذا الائتلاف. وحتى أن الميليشيات التي ليس لديها مقاعد في مجلس النواب تتمتع بهذا التأثير غير المتكافئ ـ على سبيل المثال، اعترضت جماعة "كتائب حزب الله" المصنفة على قائمة الإرهاب الأميركية على ترشيح رئيس المخابرات مصطفى الكاظمي لمنصب رئيس الوزراء. وهذا لا يبشر بالخير بالنسبة لأي مرشح سيتمّ تكليفه بعد علاوي، ولقدرة الحكومة المشكّلة على التعامل مع هذا العدد من الأزمات في وقت واحد.

انتكاسات إيران تغيّر المشهد

على الرغم من المشاكل المستمرة الناجمة عن قضايا المحسوبية، والتدخل الإيراني، وعدم استعداد النخبة للاستماع إلى مطالب المحتجين، قد تكون هناك فرصة لإجراء عملية جديدة ومحسنة وحقيقية [لتشكيل حكومة] في العراق. ففشل علاوي هو صفعة لسلطة الصدر ولقدرة إيران على فرض نتائج والتوسط في إجماع عراقي حول إملاءاتها.

وهنا تجدر الملاحظة إلى أن اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني وشريكه زعيم "كتائب حزب الله" أبو مهدي المهندس، ترك أثرا سياسيا كبيرا. فلا توجد شخصية واحدة في العراق أو إيران قادرة حتى الآن على الاضطلاع بالدور المهم الذي كان يلعبه سليماني في السياسة الشيعية العراقية وهو بناء التوافق.

علاوة على ذلك، أثبت التحالف الجديد للصدر مع إيران أنه غير مجدٍ حتى الآن. ففي سعيه للسيطرة على السياسة العراقية في وقت يصوّر نفسه على أنه يترفع عن ذلك، لم ينجح الصدر سوى في استعداء خصومه. ثم ضاعف من أخطائه الكثيرة التي ارتكبها بإصداره أوامر إلى ميليشيا "سرايا السلام" التي يتزعمها، ليس فقط للتوقف عن حماية المحتجين بل للمشاركة في قمعهم [أيضا].

وخلال الشهر الماضي، ووسط تصاعد عدد القتلى والجرحى، أدلى بتصريح قاسٍ لمراسل تلفزيوني عراقي كان يجري معه مقابلة قال فيه إن العنف هو وسيلته "لشد أذن أطفاله" الذين يحتاجون إلى التأديب.

ولكن لمجرد أن إيران تخسر لا يعني أن العراق ينتصر. فالسياسيون العراقيون يتمتعون بسجل حافل بالتفريط بإدارتهم، ويعملون في إطار هيكلية تحفيزية تميل نحو الاختلال الوظيفي والطائفية والصراع الداخلي بدلا من الحوكمة الجيدة والسيادة.

الأزمة الصحية الوشيكة ستؤدي إلى نزع الشرعية عن حكومة تعرضت لاحتجاجات منذ شهور

ولسنوات، عملت الفصائل والميليشيات العراقية المدينة لإيران بالسلطة والثروة، إما لمصلحة طهران أو لمصلحتها الخاصة ـ على حساب الجمهور إلى حد كبير. وثمة مجال لكي تتغيّر هذه الديناميكية إذا تغلب القوميون العراقيون ضمن الطبقة السياسية على مخاوفهم من إيران، تماما كما تغلّب الآلاف من المحتجين الشباب.

هذا أمر بالغ الصعوبة في الوقت الحالي لأن ميليشيات الصدر والميليشيات المنافسة الأخرى كانت الجهة المستفيدة الأكبر من الفراغ الذي تركه المهندس، وليس القوميون. علاوة على ذلك، في حين أن تخفيف ونزع الشرعية عن نفوذ إيران والميليشيات تُعد أخبارا جيدة إذا تمّ توجيهها بشكل إيجابي، إلا أن الأزمات المالية والصحية الكامنة قد تزيد من الضغط على بغداد إلى درجة لا تطاق مع تفاقم الاقتتال الداخلي بين الميليشيات، الأمر الذي لن يساهم سوى في زيادة معاناة الشعب.

ماذا بعد؟

في الوقت الحالي، يبدو أن الهدف الرئيسي لإيران هو إنهاء الاحتجاجات العراقية في الوقت الذي تحدد فيه بديلين عن سليماني والمهندس وتحضيرهما. ويختلف الوضع اختلافا صارخا عما كان عليه قبل عامين فقط، عندما بدا أن الانتخابات البرلمانية لعام 2018 عززت نفوذ طهران على المدى الطويل من خلال تهميش الأحزاب السياسية التقليدية وتمكين الميليشيات الموالية لإيران.

والآن وبعد مقتل سليماني وعدم إمكانية التوصل إلى اتفاق مع الصدر، قد تضطر طهران إلى عكس مسارها قليلا وأن تحاول التودد إلى/استمالة أحزاب وسياسيين عراقيين آخرين يتمتعون بمكانة محلية. ويبرز بديلان قديمان ـ نوري المالكي وهادي العامري ـ كمرشحين رئيسيين.

كل انخفاض للدولار الواحد في متوسط سعر النفط يكلّف العراق خسارة إيرادات سنوية بقيمة 1.5 مليار دولار

في الموازاة، قد تساهم سياسة العراق المعرقلة في تمديد الوضع الراهن حيث يبقى عادل عبد المهدي المستضعف رئيس وزراء انتقالي رغم استقالته قبل أربعة أشهر. ومن المؤكد أن إيران والميليشيات مهتمون بإبقائه في منصبه من أجل الحفاظ على المكاسب الانتخابية التي حققوها في عام 2018. كما أن "حكومة إقليم كردستان" تفضل عودته، على أمل أن يضمن تدفقا مستقرا لأموال الموازنة الاتحادية من بغداد.

غير أن الحفاظ على الوضع القائم أصبح أكثر صعوبة. فالأزمة الصحية الوشيكة ستؤدي إلى نزع الشرعية عن حكومة تعرضت أساسا لاحتجاجات مستمرة منذ شهور. ويمكن أن تُثبت أسعار النفط المنخفضة والتدفقات المالية المتقلصة بشكل مفاجئ أنها أكثر تأثيرا في تقويض قدرة النخبة على الصمود. ومن المرجح أن تؤدي مثل هذه الأزمات إلى الفوضى بدلا من إرغام الجهات الفاعلة السياسية على التركيز على العمل الجماعي. وفي غياب أي تنظيم إيراني، قد تتسبب المنافسة بين الشيعة في حدوث مزيد من الخلافات مع تقلّص الإيرادات النفطية المتراجعة الحصص، في حين قد تصعّد الميليشيات أعمال العنف التي تقوم بها ضد المحتجين والخصوم الآخرين.

وقّدم الأسبوعان الماضيان لمحة تمهيدية عن هذه الفوضى المحتملة. فقد هلّل خصوم الصدر عندما أثبت علاوي عدم قدرته على تشكيل حكومة، وسرعان ما طلب مسؤول "كتائب حزب الله" أبو علي العسكري من رجل الدين الشيعي الأعلى آية الله علي السيستاني أن يمنح موافقته على إعادة عبد المهدي كرئيس وزراء مؤقت.

وردا على ذلك، حذر الصدر من أنه سيعيد إحياء نشاط كتائب "جيش المهدي" السيئة السمعة. وفي غضون ساعات من إعلان علاوي، أُطلِقت صواريخ على "المنطقة الدولية" [الخضراء] في بغداد. وكان الهدف غير واضح ـ سفارة الولايات المتحدة أم مقر الحكومة العراقية؟ ولم يسهم هجوم 11 مارس الذي أودى بحياة موظفين أميركيين وبريطانيين في معسكر التاجي سوى في مفاقمة الوضع.

ولتجنب مثل هذه التقلبات والمضي قدما، ستحتاج الحكومة إلى رئيس وزراء موثوق يمكنه الاستفادة من النجاحات الأخيرة مع خفض سقف التوقعات حول ما يمكن القيام به في فترة الأزمات المتعددة. وكانت حركة الاحتجاجات قد أرغمت عبد المهدي على الاستقالة وخلقت زخما كبيرا باتجاه إجراء انتخابات مبكرة.

أثبت التحالف الجديد للصدر مع إيران أنه غير مجدٍ حتى الآن

وبالتالي، بدلا من محاولة تفكيك نظام المحسوبية على الفور، من الأفضل استخدام الوسائل للتصرف باستقلالية من أجل استحداث مساحة آمنة لإجراء انتخابات عادلة. ومن شأن هذه الخطوة ـ بالإضافة إلى إدارة الأزمات ـ أن تكون المهمة الرئيسية للحكومة المقبلة.

ولا يمكن إقناع المحتجين [بإخلاء الساحات] والعودة إلى ديارهم سوى من قبل مرشح قومي عراقي قوي. وعندئذ، سيحتاج رئيس الوزراء الجديد إلى الشروع في المهام الصعبة المتمثلة في ضمان مساحة يمكن خلالها للمحتجين ترجمة مطالبهم إلى برامج سياسية، وإبقاء الميليشيات تحت السيطرة، وتمرير قانون انتخابات جديد يضمن المساءلة في أوساط المسؤولين المنتخبين، ووضع أساس لعملية موثوقة تجلب المتورطين في أعمال العنف ضد المحتجين أمام العدالة.

دور الولايات المتحدة

كان القسم الأكبر من المقاربة الأخيرة التي انتهجتها واشنطن تجاه العراق عبارة عن حقيبة مختلطة من العصي، شملت شن هجمات بطائرات بدون طيار استهدفت جماعات محددة وفرض عقوبات إضافية. وقد وضع المسؤولون الأميركيون العبء على قادة العراق بشكل مباشر لضمان عملية شفافة لتشكيل حكومة من دون تدخل أي جهة خارجية.

وحتى الآن، ردعت هذه المقاربة السياسيين في بغداد عن اتخاذ خيارات كارثية، ولكنها لم تدفعهم نحو اعتماد سياسة بناءة. وبالتالي، يتعيّن على واشنطن النظر في وسائل إضافية لتحصين الوسائل للتصرف باستقلالية في بغداد.

ومن بين الخطوات الأخرى التي يجب أن تكون على رأس جدول الأعمال هو إجراء تستطيع الولايات المتحدة القيام به بصورة فعالة عندما تركز عليه بشكل كاف وهو: حشد الدعم الدولي لإجراء انتخابات عراقية موثوقة. وتبقى "بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق" ("يونامي") قناة شرعية وفعالة لمساعدة بغداد على إصلاح قانونها الانتخابي، وإجراء تقسيم جديد مناسب للدوائر الانتخابية، وتنظيم عملية إشراف دولية. ولتفادي المزيد من خيبات الأمل، من الأهمية بمكان تحسين الأمن وزيادة المساحة السياسية الحرة من الآن وحتى موعد الانتخابات المقبلة.

بلال وهاب هو "زميل واغنر" في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.